التحول الأميركي تجاه القضية الفلسطينية

3400 0 866

أعلنت الإدارة الأميركية عن إسقاط تحفظاتها على سياسات الاستيطان الإسرائيلية. ومع هذا الإعلان- الذي حاولت وزيرة الخارجية الأميركية التقليل من شأنه- يتكرس تحولٌ رئيسيٌّ في سياسة إدارة أوباما تجاه النزاع الإسرائيلي الفلسطيني خلال السنتين الماضيتين.

فقد كانت سياسة المبعوث الرئاسي الأميركي السناتور جورج ميتشل: اعتماد مبادرات "بناء الثقة" بين الطرفين، عن طريق أن يقدّم كلُّ فريقٍ تنازُلات، ويتلقّى في مقابلها "أُعطيات" أو ضمانات؛ حتى إذا زالت تلك الشوائب أو قلّت، جرى الانطلاق في مفاوضاتٍ مباشرة تُفضي إلى إعلان قيام الدولة الفلسطينية في حدود العام 1967.

ثم -ومع هذا الإجراء الذي يعني ثقةً وشراكة بين الطرفين- يجري الانصراف إلى حلّ بقية الإشكالات المتعلقة بالوضع النهائي، وهي في أكثرها مطلوبة من العرب وليس من "إسرائيل"؛ مثل تبادل الأراضي والقدس واللاجئين. وهكذا فإنّ الأميركيين والأوروبيين، وبعض الاستراتيجيين الصهاينة، كانوا يعتقدون أنهم إنما يعملون لصالح الدولة العبرية في المدى الطويل والاستراتيجي. إذ يفصلون "القنبلة الديموغرافية" الفلسطينية عنها بإعلان الدولة، ويسُرُّون الفلسطينيين والعرب بقيام دولة فلسطين المستقلّة، وفي مقابل ذلك يطلبون من الفلسطينيين والعرب تنازُلاتٍ كبيرةً في العقدتين الرئيسيتين: القدس واللاجئين، إضافةً إلى الميزات التي تتيحُها المبادرة العربية للسلام، بتحويل "إسرائيل" إلى جزءٍ من المنطقة بكلّ معنى الكلمة، بعد أن تكونَ قد خرجت أيضاً من الأراضي السورية المحتلّة.

بيد أنّ حسابات الحقل (الداخلة في خطة بيكر -هاملتون أيضاً) ما طابقت حسابات البيدر أو حسابات الحصاد كما يقول اللبنانيون. فحكومة نتنياهو منذ البداية هي حكومة مستوطنين، وهي تقدّم الاستيطان القديم والمستمرّ على كلّ ما عداه، وتعتبر الضفة الغربية والقدس جزءاً من أرض "إسرائيل" التاريخية، وتهرب في الوقت نفسِه إلى الأمام! فقد أراد نتنياهو مفاوضات بدون شروط، أي مع عدم اعترافهم حقاً حتى باتفاقيات أوسلو (البدء من الصفر)، وهم يضيعون الوقت عندما أُرغموا على التفاوُض غير المباشر فالمباشر بالأحاديث عن الأمن التفصيلي، وعن المياه، وعن تبادُل الأراضي، وعن الخوف من نووي إيران، وعن يهودية الدولة، وعن صواريخ "حزب الله"، وحتى عن سلاح "حماس". وعندما أوقف نتنياهو الاستيطان جزئياً (باستثناء القدس) حدَّد ذلك بمدّةٍ وقد انقضت منذ زمن، وما نفعت المفاوضاتُ غير المباشرة ولا المباشرة في التقدم باتجاه إجلاء الاحتلال قيد أُنمُلة. وقد كان مُحزناً ما لجأت إليه إدارة أوباما أخيراً من عرض صفقةٍ على نتنياهو تتضمن أُعطيات وكفالات للصهاينة، لا يحلُمُ بها مواطنو الولايات المتحدة أنفُسُهم، ولآمادٍ متطاولة! وذلك في مقابل أمرين: وقف الاستيطان لثلاثة أَشهُر، والموافقة على إعلان قيام الدولة الفلسطينية!

وطوال هذين العامين، جاهد الفلسطينيون طويلاً (ومن ورائهم العرب)، للبقاء بداخل التفاوُض (كما أراد ميتشل)، وبشرطٍ واحدٍ فقط هو إيقاف الاستيطان، وما استطاعوا الحصولَ عليه، رغم الدعم الأوروبي والعالمي، والرسمي الأميركي! وعندما انسدَّت كلُّ السُبُل، قال الفلسطينيون أو هدَّدوا ليس بالانصراف عن التفاوض العبثي أو بالنضال؛ بل بالذهاب إلى مجلس الأمن. لكنْ حتّى هذا المخرج، قابلتْهُ الولاياتُ المتحدةُ بالرفض والاستنكار!

إنّ الهروب إلى الأمام الذي ينصحُ بعضُ الموظفين العُتاة في الإدارة الأميركية منذ أيام كلينتون، باللجوء إليه له عنوان واحد هو دنيس روس! الذي كان مفاوضاً رئاسياً أيام كلينتون، وهو ما يزال ذا تأثيرٍ بارزٍ حتّى اليوم. ويقترح روس تأخير إعلان الدولة إلى حين الاتفاق على قضايا الوضع النهائي، والتي يريد البدء بالتفاوُض حولها الآن. وإذا تحرجت الأمور فهو يقترح المُضيَّ إلى "الحلّ المؤقَّت" الذي يعني إبقاءَ الوضع الحالي على ما هو عليه إلى أجلٍ غير مسمىًّ أو مُسمىًّ: عشر سنوات مثلاً. وعندها يكونُ العرب قد أُزيلوا من القدس تماماً، وانهدم المسجد الأقصى تحت وطأة الحفريات التحتية (الجزء الأقدم منه بجانب قبة الصخرة والمعروف بالمصلَّى المرواني آيلٌ للسقوط الآن!) وتكون كثرةٌ فلسطينيةٌ بالضفة قد أُزيحت باتجاه الأردنّ تحت وطأة المستوطنات. والفوضى والعنف بالداخل الفلسطيني مقدورٌ عليهما، وشنُّ الحروب على الجوار يظلُّ التفوق العسكري الإسرائيلي كفيلاً بها.

لقد قلتُ: إنّ هذا هو الهروبُ المقترحُ إلى الأمام، والذي لن يشارك الفلسطينيون والعربُ فيه بالتأكيد. لذلك رجّحْتُ أن تسحب الولاياتُ المتحدةُ ميتشل من المنطقة، وتعمد فيما تبقّى من ولاية أوباما التي انعقدت عليها آمالٌ كبارُ إلى تكتيك "إدارة الأزمة" عبر المبعوثين، ومنْع الحروب بقدر الإمكان.

لماذا حصل هذا التحول، وماذا نفعل الآن؟ كان ميتشل قد شكا قبل أشهُر من أنّ إدارة أوباما لا تُقدِّمُ له الدعم الكافي. أمّا الصهاينةُ من جانبهم فقد قالوا لأوباما وكلينتون: إنّ أسلوب ميتشل لا يعجبهم واقترحوا تغييره. أمّا عقدةُ أوباما فكانت وما تزال: تحوُّل الداخل الأميركي عنه (ومن ضمنه اليهود)، وعدم النجاح أو التقدم في أفغانستان. وقد أرهقه -كما ذكر المراقبون- الصمود الإسرائيلي، والصمود الإيراني. وفي حين انقسم من حوله الاستراتيجيون بين الهجوم والانكفاء، آثر الرجل فيما يبدو سياسةً ثالثةً هي إرضاء الطرفين الصامدين: الإيراني والإسرائيلي، باعتبارهما العنصر الأقوى في صناعة التوتُّر. وقد لاحظ المراقبون في المدة الأخيرة تصاعُد اللهجة ضدَّ إيران، لكنّ "الاتفاق" الأميركي الإيراني في العراق، أَظهر أنّ أوباما يميل إلى تهدئة إيران عبر الشراكة، فكان ذلك توافقاً لكنْ تحت قنابل دُخانية. وفي المفاوضات الجارية بين إيران والغرب، لن يكونَ هناك فشلٌ ولا نجاح، بل استمرارٌ للتفاوُض على تقطُّع مع استمرار الحصار، والنظر في كيفية التشارُك في أفغانستان أيضاً. وقد يحاول الأميركيون تهدئة الفلسطينيين بزيادة الدعم الاقتصادي، وإقناع الإسرائيليين بتخفيض إجراءات العزل، وإطلاق بعض المسجونين. وإذا ازدادت الأمور سوءاً مع العرب، فقد يغضُّ الأميركيون النظر عن ذهابهم إلى مجلس الأمن لاتخاذ قرارٍ لن يُرغم أحدٌ "إسرائيل" على تنفيذه، شأنه شأن القرارات الأُخرى.

أمّا على الجانب العربي؛ فإن اللجنة العربية للمفاوضات سوف تجتمع خلال أيام، وستقرر الذهاب إلى مجلس الأمن في الغالب، وفي مرحلةٍ لاحقةٍ ستقرر حتماً سحب المبادرة العربية للسلام. فلا حلَّ ولا انتظار للتفاوض مع استمرار الاستيطان. وقد استغربتُ قول الرئيس الأسد بباريس: إنه لا علاقة بين التفاوض والاستيطان. ولابُدَّ من السعْي لإنهاء الانقسام الفلسطيني الذي طال أَمَدُه، كما لابُدَّ من مراجعة العلاقات مع دول الجوار، من تركيا وإلى إيران. ووجهة النظر الأوروبية مختلفة حتّى الآن عن وجهة النظر الإسرائيلية، وحتّى الأميركية. فلابُدَّ من اهتمامٍ بها لهذه الناحية. وقد خمدت الخلافات العربية، ولابد أن ينعكس هذا الخمود تعاوُناً وتوحُّداً وحلاًّ للمشاكل. فالذي ينتظرنا الآن ازدياد التطرف في صفوفنا، وازدياد الخطر على المسجد الأقصى والقدس. وقد كان يقال لنا حتّى من بعض الأميركيين: إنّ حكومة نتنياهو لن تتحطَّم تحت ضغوط الولايات المتحدة؛ بل بالعكس فإنّ السياسة الأميركية هي التي ستتحطَّم بسبب "عدم واقعيتها"! فلنلتزم "الواقعية" مع الولايات المتحدة، كما التزمت هي "عدم الواقعية" تُجاه قضايانا.

ــــــــــــــــــــــــــ

الاتحاد الإماراتية

مواد ذات الصله



تصويت

الحياة الطيبة بالإيمان واطمئنان القلوب بالذكر والقرآن. ترى ما هو سبب القلق والاضطراب والحيرة التي يعيشها بعض الناس؟

  • ضعف الإيمان واليقين
  • عدم القناعة والرضا بما قسم الله
  • قلة ذكر الله
  • كل ما سبق