الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أعاني من فقر دم مزمن ومشاكل في الجهاز الهضمي والتنفسي

السؤال

السلام عليكم

لقد ابتلاني الله بكثرة المرض، فقر دم مزمن، مشاكل في الجهاز الهضمي والتنفسي، وغيرها.

لا أعالج مرضاً إلا لأجد آخر قد تفاقم، ودوامة لا تنتهي، وأمضيت حياتي هكذا، والحمد لله على كل حال.

المهم أني أعمل عملاً بسيطاً، والحمد لله، وعلاج هذه الأمراض يكلفني جزءاً كبيراً من راتبي، بل أجد نفسي في كثير من الأحيان مدينة لأخوتي.

كثيراً ما أحزن لأني لا أستطيع أن أتصدق وأنفق في سبيل الله، خصوصاً عندما أسمع عن عظيم أجر الصدقة، وعن سير الصالحين وأرى إخوتي ينفقون على والدينا وبيتنا، بينما أنا قلما يتيسر لي ذلك.

ما يسبب لي في حزن شديد وحيرة كبيرة، هل هذه ما أنفقه من مال هو رزق سلبي، لا بركة فيه ولا ثواب عليه)، أم هناك ثواب كبير في أن أنفق على العلاج؟

أقول لنفسي أن هذه ليست سوى وساوس من الشيطان لكي أحزن وأصاب باليأس، ولكنها كثيراً ما تأتيني، فأتمنى أن أجد عندكم الجواب على أسئلتي ليطمئن قلبي.

شكراً لكم جميعاً، وبارك الله فيكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سمية حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

بارك الله فيك – أختي الفاضلة – وأشكر لك حسن ظنك وتواصلك مع الموقع، سائلاً الله تعالى أن يفرّج همّك ويَمُن عليك بالشفاء والعافية من أمراضك ويحسن لك الثواب والأجر.

إن ابتلائك بما ذكرتيه من الأمراض والأحزان، إنما هو مجال لعظيم الثواب والأجر من الله تعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن عِظّم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهُم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) رواه الترمذي وصححه الألباني، وقال أيضاً: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) رواه مسلم، وصح عند لبخاري قوله: (ما يصيب المؤمن من وصبٍ ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن، حتى الهم يهمه إلا كفر الله به من سيئاته).

الابتلاء بالأمراض يزيد المؤمن في الحسنات ورفع الدرجات، وهو سبب في دخول الجنة والنجاة من النار، ويرد العبد إلى ربه ويوقظه من غفلته ويكفه عن تقصيره ومعصيته، وقال جل جلاله: (وبشر الصابرين...).

الواجب على المريض هو أن يصبر على هذا البلاء بحبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى للخلق وحبس الجوارح عن المعاصي.

اعلمي أن الله قد اختار لك المرض لكمال علمه وحكمته ورحمته، وأنه أراد بك خيراً من هذه الأمراض، وقد صح في الحديث: (من يُرِد الله به خيراً يُصب منه)، أي يبتليه بالمصائب ليوثبه عليها.

تذكري فضل الصبر على البلاء، وأن هذه الحياة الدنيا دار الفناء، واستحضري من هم أشد منك بلاءً ومرضاً (انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم) رواه مسلم.

إن ما تبذلينه من أموال مهما كانت طائلة في سبيل العلاج والدواء، لاشك أنكِ تُثابين عليها ؛ كونك تحافظين بها على سلامة نفسك وصحتك كما أمر الله تعالى ورسوله، قال تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) وقال سبحانه : (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، وقد صح في الحديث: (تداووا عباد الله ؛ فإن الله ما أنزل داءً إلا جعل له دواء...).

إن غبطتك وتمنيك لأن تحظي بالخير الذي عليه أخواتك في الصدقة ومساعدة الأسرة، دليل على طيبة قلبك وحسن دينك وخلقك، واعلمي أن الله تعالى على حسن نيتك يثيبك، فاحرصي على تقوية روابط المحبة مع عموم أسرتك والشكر لهم والتعاون معهم والدعاء لهم بالخير، والله تعالى يثيب بحسن النية كما يثيب بحسن العمل، وقد صح في الحديث: (من هم بحسنة فلم يعملها، كتبت له حسنة كاملة).

بناءً على ما سبق فإن ما ينتابك من مشاعر اليأس أو الإحباط إنما هي من الوساوس الشيطانية كما ذكرتِ، فأحسني الظن بالله تعالى وتحلي بالتفاؤل والأمل والطموح واستحضار ثواب الصبر على البلاء والشكر للنعماء والإيمان بالقدر والرضا بالقضاء، واحرصي على ملازمة الأذكار والرقية وقراءة القرآن والصحبة الصالحة والدعاء، وفقك الله لكل خير، وعافاكِ من كل شر وضير.

فرج الله همك وشرح صدرك ويسر أمرك ورزقك التوفيق والسداد والرشاد وعظيم الأجر والثواب وسعادة الدنيا والآخرة.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً