الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

العرب واليهود في الخريطة الإدراكية الصهيونية

3482 0 1009

من الأفكار الأساسية المتواترة في الفكر الصهيوني فكرة "نفي الدياسبورا "(بالإنجليزية): Negation of the Diaspora التي تعني في واقع الأمر تصفية كل الجماعات اليهودية في المنفى، أي في العالم، وتجميع كل اليهود في فلسطين، وطن اليهود القومي حسب الادعاء الصهيوني. فالصهيونية تنطلق من الإيمان بأن يهود العالم الذين يعيشون خارج فلسطين شخصيات عليلة مريضة طفيلية غير منتجه، ومن ثم فالدياسبورا لا تستحق البقاء ويجب تصفيتها. ومما يجدر ذكره أن أدبيات معاداة اليهود تحتوي على نقد متكامل متماسك لما يسمى بالشخصية اليهودية. وقد أصبح هذا النقد جزءاً من ترسانة الصهيونية الإدراكية، التي طرحت نفسها على أنها الحركة التي ستشفي اليهود من أمراض المنفى وأنها ستطبّعهم، أي تجعلهم قوماً طبيعيين لا يختلفون عن باقي البشر، وتخلصهم من الصفات السلبية المفترضة اللصيقة بشخصياتهم.

وقد ترك هذا أثره على الخريطة الإدراكية الصهيونية، وعلى رؤيتهم للعرب في موضوعين أساسيين هما: "اليهودي كعربي" و"العربي كيهودي"، وهذا جانب من الإدراك الصهيوني للعرب لم يُلق عليه الضوء بما فيه الكفاية، رغم مقدرته التفسيرية العالية. وقد تواتر الموضوع الأول، أي "اليهودي كعربي"، في الكتابات الصهيونية التي صدرت قبل أن تتحدد معالم المشروع الاستيطاني الصهيوني تماماً، وقبل أن تتبلور خريطته الإدراكية، وقبل أن يتحول العربي إلى الآخر (ولعل هذا قد حدث بعد وعد بلفور). وفي هذه المرحلة كان من الممكن النظر إلى العربي على أنه الشرقي وممثل الأغيار الأصحاء الذين يمكن التشبه بهم والتوحد معهم للشفاء من أمراض المنفى. وحسب هذا الإدراك يتحول العربي إلى شيء جميل رومانسي تحيطه غلالات أسطورية كثيفة. ويبدو أن بعض المستوطنين الصهاينة الأول، انطلاقاً من الرؤى الرومانسية التي كانت سائدة في أوروبا آنذاك، كانوا ينظرون إلى استيطانهم فلسطين على أنه نوع من "العودة إلى الشرق" الطاهر (في مقابل الغرب المدنس المليء بالشرور)، وأن "العربي" هو الحكيم الذي سيعلمهم كل الأسرار ويأخذ بيدهم ويهديهم سواء السبيل. وقد تبنى هذه الرؤية بعض زعماء موجة الهجرة الثانية. ويلاحظ أن أول جماعة عسكرية صهيونية (الهاشومير) كان أعضاؤها يرتدون زياً عربياً، وكان بعضهم يعيش مع البدو ليتعلموا طريقة حياتهم وعاداتهم. وكان الأدب الصهيوني في هذه المرحلة الأولى مفعما بهذه الرؤية الرومانسية.  

ومن أكثر الأمثلة تطرفاً وطرافة في الوقت ذاته مسرحية آرييه أورلوف/أربلي التي نشرت عام 1912 في مجلة "هاشيلواح" (لسان حال الحركة الصهيونية في روسيا والتي كان يحررها ويصدرها المفكر الصهيوني "آحاد هعام" بمدينة أوديسيا). تصور المسرحية جماعة من المستوطنين الاستعماريين الأوائل من موجة الهجرة الثانية يعيشون في مزرعة جماعية. وبطلة المسرحية هي المستوطنة الصهيونية "ناعومي" التي ترفض حب اثنين من زملائها وتؤثر عليهما بائعاً جوالاً عربياً يدعى علياً! وحينما يقتل أحد المستوطنين الصهاينة صديقه ينتقم علي منه بأن يقتله! ولكن حتى هذا الفعل لا يغير من حب "ناعومي" له وتنتهي المسرحية بمنولوج عاصف تقول فيه "ناعومي" مخاطبة المستوطنين الصهاينة: "إن روحي تحتقركم أيتها الديدان المتحضرة. لقد تعلمت من العربي الضاري شيئاً، لقد تعلمت منه هذه الكلمات: "الله كريم" (وهذا هو عنوان المسرحية).

 ويبدو أن هذا التيار كان شائعاً لدرجة كبيرة، حتى إن مجلة "هاشيلواح" نشرت مقالاً لـ"جوزيف كلاوزنر"، الناقد الصهيونى، وجّه فيه اللوم للكتّاب الصهاينة في فلسطين "الذين يصورون كل اليهود في فلسطين كمتحدثين بالعربية يشبهون العرب في كل شيء ". وقد استمر هذا التيار وأخذ شكلاً مغايراً وهو الدعوة إلى الإيمان بالأصول السامية المشتركة بين العرب واليهود والتي عبر عنها فكر الحركة الكنعانية التي انتشرت بعض الوقت بين المثقفين الصهاينة، والتي تنطلق مما أسموه الوحدة السامية التي تذهب إلى أن المستوطنين الصهاينة ليسوا يهوداً وإنما كنعانيون، وأنهم حين يعودون إلى فلسطين، إنما يعودون إلى وطنهم الأصلي.

 هذه الطريقة في إدراك العربي كبدوي وبطل رومانسي لا تعني البتة اعترافاً بوجوده التاريخي المتعين، وإنما هي محاولة ماكرة، واعية وغير واعية، لتجريده وتغييبه وتهميشه، فالعربي "هنا ليس" إنساناً حقيقياً، ولكنه كائن رومانسي مجرد يعيش في السحب أو السماء، مجرد بدوي، أي إنسان متنقل غير مرتبط بأرض، ولذا فهو ليس له أي حقوق في أرضه، أي فلسطين. فتمجيد العربي هو في واقع الأمر فصل له عن أرضه وعزله عن إنسانيته المتعينة ليصبح شيئاً يشبه الآثار الساكنة (التي تسمى الأنتيكة في مصر). والصهيونية في هذا مرة أخرى لا تختلف كثيراً عن العنصرية الغربية التي لا تمانع بتاتاً في الإعجاب "بالماضي التليد" و"الأمجاد الغابرة"، طالما أنها لا علاقة لها بالواقع، وطالما أنها لا تُستخدم كمؤشر على ما يمكن لصاحب هذا التراث أن ينجزه في المستقبل. والموقف الصهيوني لا يختلف كثيراً عن موقف الغرب من الإسلام، فالغرب لا يعادي الإسلام بشكل عام ومطلق، وإنما يعادي الإسلام المقاوم!.

 أما "اليهودي كعربي"، فسنجد أنه أكثر وضوحاً. وفي مقال سابق أشرنا إلى عدة مستويات مختلفة من الإدراك الصهيوني للعرب تتجه كلها نحو تحويل العربي إلى شيء تم تغييبه تماماً. فهناك ابتداء العربي كإنسان متخلف وكحيوان اقتصادي لا تحركه سوى الدوافع المادية، وهناك العربي ككائن لا يحركه سوى التعصب الديني، ثم هناك العربي الهامشي الذي ليس له حقوق، وأخيراً العربي الغائب الذي لا وجود له. ونحن لو دققنا النظر في هذه المستويات للاحظنا أن هذه هي ذاتها صفات اليهودي في أدبيات معاداة اليهود في الغرب، والتي كانت تهدف لإسقاط حقوق اليهودي وطرده باعتباره شخصية طفيلية هامشية غير منتمية، وإلى إبادته في نهاية الأمر. وكما قلنا كانت هذه المقولات جزءاً من ترساتة الصهيونية الإدراكية، تشبعت بها وتبنتها وطبقتها على الآخر، أي يهود المنفى، ثم أسقطتها على "الآخر الآخر"- إن صح التعبير- الآخر مضاعف الأخروية، أي العربي، كمحاولة لتغييبه وتهميشه وتجريده وطرده وإبادته واجتثاث علاقته بالأرض، تماماً كما فعل المعادون لليهود باليهود داخل التشكيل الحضاري الغربي.

 ولعل من أهم الأمثلة التي يمكن أن نسوقها على هذا الإسقاط، الصورة التي رسمها المفكر الصهيوني الأميركي "هوارس كالن" للفلسطيني في المستقبل فقال: "لو حصلوا-أي الفلسطينيون- على مبلغ كاف من المال ليشقوا به طريقهم إلى مكان من المتوقع أن يجدوا فيه سبل العيش المعقولة، وقيل لهم إن هذا هو كل ما سيحصلون عليه ولاشيء آخر أبداً- لو حدث هذا لبدأوا عندئذ في الاعتماد على النفس" (أي لتحولوا إلى كائنات اقتصادية بلا هوية ولا قيم). ولنلاحظ أن الصورة الكامنة هنا هي صورة "اليهودي التائه" الذي يرحل من مكان لآخر دون توقف، والذي لا يهمه سوى المبلغ الذي يحمله، أي أنها صورة اليهودي المرابي الجشع في كتابات المعادين لليهود.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صحيفة الخليج

مواد ذات الصله



تصويت

قال بعض السلف :متى رأيت تكديرا في الحال فابحث عن نعمة ما شُكِرت أو زلة فُعِلت قال تعالى(ذلك بأن الله لم يك مغيِّرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). في رأيك ما هو أهم سبب لزوال النعم؟

  • عدم شكرها
  • عصيان المنعم بنعمته
  • منع النعمة عن مستحقها
  • الإسراف والتبذير
  • جميع ما سبق