الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

انتحاريون .. أم استشهاديون ؟

2906 0 926

"الانتحارية" .. أزمة ترجمة .. أم مفاهيم ملتبسة؟

عندما يشتد الصراع في أرض فلسطين "المستلبة" يصحو الضمير العربي والإسلامي قليلاً ، وربما يُسمح بمسيرات احتجاجية " تـنفيسية " لتفرغ شيئًا من ذلك المخزون النفسي المتراكم ، والمتراكب على نفوس الناس ؛ لأنهم يعرفون جيدًا معنى القهر سواء من العدو التاريخي ( اليهود ) ، أم المستعمر ، أو السلطان المتجبر ، هذا بالطبع فضلاً عن المكانة الرمزية والواجب الديني نحو القدس أولى القبلتين ، وأرض المعراج .

وفي سياق صراعنا مع إسرائيل انكشفت كثير من الإشكاليات التي يعاني منها العرب والمسلمون على كثير من الأصعدة ، وخاصة السياسية والإعلامية .
فيما يخص الإشكاليات الإعلامية أسفر الصراع عن حقيقة المكانة التي يحتلها إعلامنا عالميًّا ، ثم عن مدى تبعية هذا الإعلام لوكالات الإعلام الغربية والعالمية التي تصب في نهاية المطاف في مصالح إسرائيل ، سواء كانت تابعة ليهود أم لغيرهم .
قد يكون مفهومًا ومنطقيًّا في مجتمع دولي لا يحترم حقوق الإنسان إلا حينما يريد ، ولا يحقق العدل إلا حينما يريد ، قد يكون مفهومًا إصرار وكالات الأنباء الدولية (التي يترجم عنها إعلامنا) على سيل من المصطلحات مثل "الانفصاليين الشيشان " ، و " الإرهاب " و " العنصرية " و " معاداة الساميَّة " ... ،
وعلى رأس تلك المصطلحات ، وخاصة حينما يكون الحديث عن فلسطين ، ثمة العمليات الانتحارية ، و " أعمال العنف " .

إن ذلك الإصرار في مجتمع حاله ما وصفت مفهوم ؛ لأنه يخدم مصالح وسياسات أصحابه والحكومات المرتبطة بوكالات الإعلام ، وليس مقبولاً في مجتمع دولي تسوده السياسات " المصلحية " ألا يتحيز لسياساته تلك ، وعندما تشتبه المصالح وتتشابك يصبح مفهوم " الحياد " وسيلة إجرائية تصون المصالح أيضًا من مثل " أعمال العنف " ، وظاهر هذا المصطلح ، وإن كان يشمل الطرفين ، فإنه – وفي السياق الغربي الذي لا يفتأ إعلامهُ يبرر سياسات إسرائيل الظالمة – لا يعني إلا طرفًا واحدًا هو – بداهة – الفلسطينيون .
لا يفتأ إعلامنا يستعمل مصطلح " العمليات الانتحارية " نقلاً عن الوكالات العالمية ، وكان هذا محط نقد واستغراب ، إلى أن حدث اللغط حول حكم تلك العمليات ( حلال هي أم حرام ؟ ) فانقسم الكتّاب في الصحف إلى فريق يدافع عن حرمتها بحجة أن الإسلام سبق معاهدة جنيف بقرون في تقرير حرمة إزهاق روح المدنيين ولو كانوا معتدين (!!) .
وفريق آخر يدافع عن مشروعيتها بحجة " النكاية في العدو " .

هذا اللغط المأساوي الذي جاء في وقت حرج بالنسبة لقضية الأمة المستعصية ، كان له آثار سلبية ،
أولها أنه أعطى بعض المشروعية لاستخدام مصطلح " الانتحارية " .
وثانيها : أنه انتقل بالقضية من حيز " الجهاد " المشروع بل الواجب " بأي شكل من الأشكال " إلى حيز " الجريمة " ، ليس القانونية فحسب ، بل الدينية ؛ فالمنتحر خالد مخلد في النار . وفي حين كان المرء لا يتردد في الإقدام ، أو التهليل والفرح بحصول عملية " فدائية " صار من الممكن أن يتردد في مشروعية ذلك الفرح نفسه تبعًا لتردده في مشروعية تلك العملية . ونحمد الله أن ذلك اللغط لم يَسْرِ إلى عقول الحركات الجهادية في فلسطين .

هذا اللَّغَط سببه الخلط بين الاختصاصات ، فمن المعلوم أن مثل هذه القضايا تنتمي إلى حقل " السياسة الشرعية " مما يستلزم أن يكون أهل الذكر فيها خبراء في السياسة والمجال العسكري في عصرنا ، شرط أن تكون اجتهاداتهم منسجمة مع المقاصد الكلية للشريعة بحيث لا تصادم أصلاً من الأصول ، وهو ما ينتمي إلى مجال عمل الفقيه .
ثمة شيء غير مفهوم ومحزن ، وهو :

كيف استطاعت إسرائيل أن تلبس الحق بالباطل ؟
وكيف استطاعت أن تمحو المصطلحات التي تريد من المعجم الإعلامي العالمي ، وتفرض المصطلحات التي تريد ؟
فكيف تم تغييب مصطلح " العمليات الاستشهادية " لصالح " العمليات الانتحارية " ، وتغييب " المقاومة " لصالح " العنف " و "الإرهاب" ؟
وكيف تم ترسيخ وتكريس فكرة " المقاومة " في الجانب الإسرائيلي بعد أن كان يوصف بها الجانب الفلسطيني في الإعلام العالمي ؟
بل كيف تم ابتكار مصطلحات إعلامية تؤكد فكرة " المقاومة " والمشروعية لكل فعل إسرائيلي ضد الفلسطينيين مرة باسم
" ضربة وقائية " وأخرى باسم " ضربة احترازية " وثالثة باسم " ضربة جزائية" .

وإذا كان يتم قتل الفلسطينيين باسم الوقاية والاحتراز والجزاء ( وكلها مشروعة وفق الإعلام الغربي ) فما الذي تَبَقَّى من دائرة المحظور ؟
إنه - وفقط - كل فعل فلسطيني ، ما عدا - طبعًا - الاستسلام (عفوًا السلام ) الكامل غير المشروط ، وإياك أن تسميه استسلامًا ؛ لأنك تكون حينئذ إرهابيًا .

إننا لم نعد نسمع أو نقرأ في المعجم الإعلامي مفردات كثيرة من مثل " الأراضي المحتلة " و"اللاجئين" و"المشردين" ، بل أحيانًا لا نسمع "فلسطين" لصالح تعبير :الأراضي الفلسطينية

فهل نتعلم من إسرائيل كيف نبني سياسة إعلامية يكون لها السيادة ، مع الفارق الكبير بين من يدافع عن الحق ، وبين من يزين الباطل ؟
وهل نتجاوز مرحلة النقل والترجمة الحرفية لنبتكر مصطلحاتنا ، ونُسَوِّقها عالميًا ؟
ولماذا لم نفلح حتى الآن في إنشاء وكالة إعلامية عالمية باسم الدول العربية ؟

قد يكون اهتمام جامعة الدول العربية مؤخرًا بهذا الجانب ، واعتماد السيدة حنان عشراوي ممثلة إعلامية باسم جامعة الدول العربية خطوة مهمة ، ولكنها ليست كافية .
الأمر الأخير الذي نود الإشارة إليه هو أننا نُعجب كثيرًا وننتشي بالعمليات الاستشهادية الجهادية ، وبشجاعة أولئك الشبان الذين يقومون بها ، ولكن أين شجاعتنا نحن ؟
وهل نكتفي بهذا الفرح من بعيد ؟
أضعف الإيمان أن نستحضر نية الجهاد ؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : [ من مات ولم يغزُ ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق ] ( رواه مسلم) .

مواد ذات الصله



تصويت

قال بعض السلف :متى رأيت تكديرا في الحال فابحث عن نعمة ما شُكِرت أو زلة فُعِلت قال تعالى(ذلك بأن الله لم يك مغيِّرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). في رأيك ما هو أهم سبب لزوال النعم؟

  • عدم شكرها
  • عصيان المنعم بنعمته
  • منع النعمة عن مستحقها
  • الإسراف والتبذير
  • جميع ما سبق