الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

العوامل التي ساهمت في صناعة الدولة العبرية

4651 0 479


إسرائيل ستواصل تحديها للأوضاع العربية، حتى يستطيع العرب وضع الأسس الجدية اللازمة لمواجهة استحقاقات هذا التحدي في مختلف جوانبه: السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية ( وليس العسكرية فقط ).

ما يزال تفسير نجاح الحركة الصهيونية بإقامة دولتها، بعد أكثر من نصف قرن على قيام الحركة الصهيونية، موضع جدل لدى المهتمين والمؤرخين .
فثمة من يرجح دور العوامل الخارجية، ومن يؤكد على العامل الذاتي لليهود وحركتهم الصهيونية، ومن يحيل ذلك على هشاشة الوضع العربي( آنذاك ) وثمة من يفسر ذلك بهذه العوامل كلها.

منذ قيامها توفرت للحركة الصهيونية مجموعة من العوامل الموضوعية ، التي مكنتها من تحقيق مشروعها.
وبالأساس فإن الحركة الصهيونية أقامت دولتها بالاعتماد على وسائل الاستيطان الإحلالي والقوة العسكرية ، وبفضل الاعتماد على دعم القوى الاستعمارية ، بخاصة بريطانيا ثم الولايات المتحدة الأميركية .
ومن الصعب تصور إمكانية نجاح هذه الحركة في تحقيق أهدافهابمعزل عن هذا الدعم الذي تلقته من الدول الكبرى المهيمنة في العالم، التي كان لها، من الأصل، دور كبير في قيام هذه الحركة وتطورها، والتي رأت في قيام هذه الدولة مصلحة خاصة لها في سياستها إزاء هذه المنطقة.

= العوامل الخارجية:
أما بالنسبة للعوامل الخارجية، فقد مكنت بريطانيا- وهي الدولة المنتدبة على فلسطين - الحركة الصهيونية من ترسيخ أقدامها في هذا البلد ، إذ منحت هذه الحركة - ممثلة بالوكالة اليهودية - مكانة سياسية، شكلت البرعم الأول للدولة الإسرائيلية، في حين أنها حالت دون التمثيل السياسي للفلسطينيين.
كما منحت هذه الوكالة الأراضي الخصبة ، وقدمت الحماية للتجمعات الاستيطانية، ورعت الألوية العسكرية الأولى لهذه الحركة في إطار جيشها.
وبالأخص فإن بريطانيا عملت على وأد الحركة الوطنية الفلسطينية. وينقل وليد الخالدي في محاولاته الهامة لإعادة كتابة تاريخ النكبة ، عن محمد عزة دروزة ، رصده لخسائر الفلسطينيين ( في النصف الثاني من عقد الثلاثينيات ) على يد الجيش البريطاني، حيث يقول: "بلغ عدد المعتقلين خمسين ألفا وعدد الشهداء سبعة آلاف وعدد الجرحى عشرين ألفا ، وعدد البيوت المنسوفة ألفين".
وبحسب الخالدي فقدبلغ عدد الأسلحةالمصادرة من الفلسطينيين خلال الفترة1936 -1940، بحسب المصادر الرسمية البريطانية:6371 بندقية و3220 مسدسا و 1812 قنبلة و 425 بندقية صيد".

ويقدر الباحث أحمد السيد النجار، مجموع المساعدات التي وصلت إلى إسرائيل، منذ قيامها، بحوالي 180 مليار دولار أي 450 مليار دولار بأسعار الوقت الراهن؛ حيث يقدر المساعدات الأميركية لإسرائيل بحوالي 66588 مليار دولار، والمساعدات الألمانية بحوالي 60 مليار دولار، في حين بلغت أموال الجباية اليهودية الموحدة حوالي 19368 مليار دولار. وبالطبع فقد استفادت إسرائيل، من الناحية الاقتصادية، كثيرا من استيلائها على أراضي فلسطين وأملاك الفلسطينيين، والبني التحتية والمنشآت، والمياه.
وبتقدير سامي هداوي فإن قيمة الأملاك التي سلبتها إسرائيل بلغت حوالي 743 مليون جنيه استرليني( بأسعار العام 1948)وهذا المبلغ يساوي بحسب الباحث سلمان أبو ستة 130 مليار دولار( بأسعار العام 1993) . بمعنى أن مجموع المساعدات والمكاسب التي حصلت عليها إسرائيل منذ قيامها، حتى الآن، بلغت حوالي 600 مليار دولار، لحوالي ستة ملايين نسمة!

إلى جانب الدعم السياسي والمالي والأمني والتكنولوجي الذي تلقته إسرائيل من الدول الكبرى، كان للوضع العربي نصيبه في تحمل مسؤولية قيام هذه الدولة.
ويمكن ملاحظة الفارق الهائل بين الاستعداد العسكري للتجمع اليهودي في فلسطين، قبل النكبة، ومستوى الاستعداد العربي. وبحسب وليد الخالدي : فعندما بدأت التعبئة العامة للمستوطنين اليهود، في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، بلغ عدد الذين تقدموا للخدمة 82.500 رجل وامرأة حتى 15 أبريل 1948، ثم 94.500 شخص عشية إعلان الدولة.
وقد تألف جيش الميدان في 15 أيار/مايو 1948، من 30.574 مقاتلا نظموا في عشرة ألوية. وارتفع ملاك هذا الجيش بسرعة إلى 40.825 (6 حزيران 1948)، ثم إلى 88.033 (19 تشرين الأول 1948). وبالنسبة لموازنة الحرب فقد بلغت تبرعات الجالية اليهودية في أمريكا وحدها 50 مليون دولار، جمعت ما بين كانون الثاني وآذار 1948. وكان مبلغ 50 مليون دولار يشكل ضعف ميزانية جيش مصر لعام 1946/1947.

في المقابل صمد عرب فلسطين بمساعدة جيش الإنقاذ غير النظامي(نحو5000 جندي)، لغاية آخر آذار 1948، بالإضافة إلى عدة آلاف من المجاهدين الفلسطينيين والعرب الذين قلل مستوى تدريبهم وقلة تسلحهم وضعف إمكانياتهم من مستوى أدائهم.
أما بالنسبة للجيوش العربية، فإن الدول العربية المستقلة حديثا - وبحكم أوضاعها السياسية - لم تستطع تحشيد قوة تزيد عن القوة التي حشدها التجمع الاستيطاني اليهودي الذي يقدر عدده بحوالي 600 ألفا، مع الفارق في التسليح والإمكانيات و- بالأساس - في الإرادة السياسية ووحدة القيادة .

ولم يكن الوضع العربي دون مستوى المواجهة العسكرية فقط فقد كان دون مستوى التحدي الجديد من نواح عديدة.
فمثلا إذا أخذنا قضية الهجرة اليهودية من البلدان العربية، يمكننا معرفة مدى قصور الوضع العربي. فقد هاجر إلى فلسطين في ظل الانتداب البريطاني حوالي483 ألف مهاجر/مستوطن 8 -10% فقط منهم من يهود البلدان العربية، وقدر مجموع المهاجرين اليهود إلى إسرائيل بعد قيامها، فيما بين 1948 –1993 بحوالي2.300 مليون، منهم 687 ألف مهاجر في الأعوام الثلاث الأولى لقيام إسرائيل ما أدى إلى مضاعفة عدد اليهود فيها، وكان 50% من مصادر هذه الهجرة من البلدان العربية!

أيضا فقد شكلت ممانعة النظام العربي لقيام كيان فلسطيني على باقي الأراضي الفلسطينية، التي أفلتت من الاغتصاب الصهيوني، عاملا من عوامل تثبيت شرعية إسرائيل، بمساهمتها بتغييب الهوية الفلسطينية في مواجهة إسرائيل وتبريراتها الصهيونية.
ولا شك أن الحؤول دون قيام تمثيل سياسي للفلسطينيين أضعف من قدراتهم، وشكل نجاحا للحركة الصهيوينة.
كما أن ضعف الإرادة السياسية في المواجهة وتدني مستوى التضامن العربي في مواجهة مجمل الاستحقاقات الناشئة عن وجود إسرائيل ساهم بدوره في استقرار إسرائيل، وتطورها، وتعقد المشكلة الناجمة عن قيامها في مختلف المجالات.

هذه الاستنتاجات لا تعني التقليل من أهمية العامل الذاتي في قيام هذه الدولة وتدعيم مصادر شرعيتها وتطورها فيما بعد، ولكنه يعني أنه لولا ضعف مستوى المواجهة العربية، لأسباب ذاتية وموضوعية، ولولا دعم الدول الكبرى لما تمكنت هذه الحركة من تأمين هجرة اليهود إلى فلسطين والاستيطان فيها، ولا تأمين كل وسائل القوة للتغلب على المقاومة الفلسطينية والعربية، ولما استطاعت إسرائيل، فيما بعد، تأمين إمكانيات استمرارها وتطورها من النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية.
وهذايعني أيضا ان إسرائيل لم تنشأ كنتاج للتطور المجتمعي والاقتصادي والثقافي والسياسي للتجمع اليهودي في فلسطين وإنما نشأت نتيجة تضافر عدد من العوامل الذاتية والموضوعية (الداخلية والخارجية) التي سمحت بقيام هذه الدولة في حينه.

وبالطبع فإن إسرائيل لم تستكن للدعم الخارجي، بل عملت على استثماره بأفضل ما يمكن، وقد ساعد على ذلك طبيعة نظامها المؤسسي ، والمستوى المتقدم للتعددية والتنوع السياسي والثقافي فيه ، المدعوم بحياة ديمقراطية لمواطنيها، كما ساعد على ذلك إدارتها الحديثة لمختلف أنشطتها المجتمعية والاقتصادية .
ويكفي أن نعلم أن إسرائيل تسخر 3% من دخلها القومي الذي يبلغ حوالي 100 مليار دولار للبحث والتطوير العلمي، في بلد تعداده حوالي ستة ملايين نسمة، في حين يسخر العام العربي، لهذا الأمر، اقل من 1% من ناتجه القومي، البالغ 600 مليار دولار، لحوالي 270 مليون نسمة!

وختاما سيستمر الجدل حول نصيب كل عامل من العوامل المذكورة، في قيام إسرائيل وتطورها، وفي غضون ذلك ستستمر إسرائيل في مواصلة تحديها للأوضاع العربية، حتى يستطيع العرب وضع الأسس الجدية اللازمة لمواجهة استحقاقات هذا التحدي في مختلف جوانبه: السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية ( وليس العسكرية فقط ).
ودون هذه الاستحقاقات فإن إسرائيل ستواصل استهتارها بالحقوق العربية مراهنة على أن الزمن يعمل لصالحها. وبذلك لا يستطيع العرب مواجهة إسرائيل فقط، بالادعاء بأنهم انتهجوا طريق السلام والوئام معها، فهذا الأمر وحده، كما أثبتت التجربة، قد يكون له مفاعيل عكسية على هذه الدولة المصطنعة.
ــــــــــــــــــــــ
* كاتب سياسي فلسطيني = عن : ميدل إيست أونلاين

مواد ذات الصله



تصويت

أعظم الخذلان أن يموت الإنسان ولا تموت سيئاته، وأعظم المنح أن يموت ولا تموت حسناته، في رأيك ماهي أفضل الحسنات الجارية فيما يلي؟

  • - بناء مسجد
  • - بناء مدرسة
  • - بناء مستشفى
  • - حسب حاجة المكان والزمان
  • - لا أدري