الدولة الفلسطينية.. ضجيج بلا طحين

2040 1 603

منذ أن أكدت الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق جورج بوش اهتمامها بإقامة دولتين إحداهما إسرائيلية والأخرى فلسطينية، كحل للصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تعرض مفهوم الدولة الفلسطينية لغموض شديد بسبب تباين الرؤى بين الأطراف المعنية حول المقصود بهذه الدولة، فإذا بنا أمام أطروحات مختلفة بين دولة ممسوخة أو منقوصة السيادة أو ذات سيادة وقابلة للحياة أو قابلة للحياة دون سيادة. ولعل الزخم الأميركي الذي أحاط بحل الدولتين هو الذي أعطى دافعاً قوياً لدى كل الأطراف الأخرى المعنية للتجاوب مع الفكرة من حيث المبدأ، ولكن كل الأطراف بما فيها الولايات المتحدة ذهبت إلى تفسير يرضيها وظلت تتعامل بهذا التفسير دون أن تدخل في صدام مباشر مع المخالفين لها في الرأي، مما جعل المفهوم بمثابة طائر غير محدد الهوية يجوب الفضاء دون أن يستقر له حال أو تتضح له هوية.

في "إسرائيل"، لم يشأ بنيامين نتانياهو ولا شارون قبله الدخول في صدام مع الإدارة الأميركية حول هذا العرض بإقامة دولة فلسطينية، ولكن كلا منهما صم أذنيه عن الفكرة وراح يطلق التصريحات التي ترضي واشنطن وتجعلها تعتقد أن العرض يمكن تنفيذه ويستحق المعاناة في القبول بمفاوضات شاقة وبتنازلات وصفت تارة بأنها شجاعة وتارة أخرى بأنها تاريخية يتعين الوفاء بها على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.

لم يشغل شارون نفسه كثيراً بالقضية خصوصاً أنه لم يجد حماسة حقيقية لها من جانب إدارة بوش ولم يتعرض لضغوط تدفعه إلى الإذعان بإجراء خطوات على طريق إقامة الدولة الفلسطينية، بل على العكس وجد ضمانات مكتوبة من بوش بأن يستمر في الاستيطان!.

وعندما جاءت إدارة أوباما أبدت حماسة شديدة لحل الدولتين ووضعته في مواجهة نتانياهو بصورة أوحت للكثيرين بأن واشنطن تملكت الشجاعة لكي تراهن على مستقبل علاقاتها بالدولة العبرية بالقطيعة إن لم تتجاوب حكومة نتانياهو مع هذا المطلب. وكان موقفها المتشدد بضرورة أن توقف "إسرائيل" الاستيطان كاملاً الآن وليس غداً من المؤشرات القوية التي رسخت الانطباع حول جدية الموقف الأميركي. ولكن نتانياهو استطاع أن يجهض التحرك الأميركي على نحو سريع حيث لم يستغرق الأمر منه سوى أقل من عام واحد وجدت إدارة أوباما نفسها بعده متهمة بالفشل في إنقاذ عملية السلام.

فمع أنه قبل بمبدأ قيام الدولتين ووافق بعد شهور عديدة من تولى إدارة أوباما الحكم على قيام الدولة الفلسطينية صراحة، إلا أنه تعمد طوال اللقاءات العديدة التي أجراها المبعوث الأميركي للسلام جورج ميتشل إجهاض الفكرة من أساسها عندما طرح شروطاً جعلت موافقته على قيام الدولة الفلسطينية حبراً على ورق، بل إنها أكدت في نفس الوقت وجود فريق مؤثر داخل "إسرائيل" يفضل استمرار الاحتلال ويرفض قيام الدولة الفلسطينية.

وكان من بين هذه الشروط نزع سلاح هذه الدولة وإقرار السلطة الفلسطينية أولاً بيهودية الدولة الإسرائيلية بما يعني إلغاء حق العودة للاجئين وتهويد القدس، وكذلك الاحتفاظ بمساحة كبيرة من الأراضي بمحاذاة الضفة الغربية لدواع أمنية، فضلاً عن احتفاظ "إسرائيل" بخزان المياه الجوفي. وتحت تأثير الطرح الإسرائيلي بقيادة نتانياهو اضطرت إدارة أوباما أن تسحب مطلبها بوقف الاستيطان كشرط لاستئناف المفاوضات وأن تطالب السلطة الفلسطينية بأن تقبل استئناف المفاوضات دون أي شروط مسبقة.

وإذا كان نتانياهو من الفريق الإسرائيلي الذي نظر للدولة الفلسطينية على أنها ليست مسألة ملحة وتمسك باستمرار الاحتلال، وفي أحسن الأحوال طرح موافقته على دولة ممسوخة لا وجود لها من حيث الواقع، فان هناك فريقاً إسرائيلياً آخر أقل قوة وتأثيراً يمثله إيهود باراك وزير الدفاع ونفر قليل للغاية من الوزراء المشاركين في الائتلاف اليميني الإسرائيلي الحالي رأى أهمية قيام الدولة الفلسطينية حتى تحافظ "إسرائيل" على يهوديتها، ولكنه طرح تصورات تفيد بأن تكون هذه الدولة منقوصة السيادة ولا تنطبق عليها المزايا التي تضمنتها القرارات الدولية ذات الصلة، وهكذا سمعنا كثيراً من تحدث في "إسرائيل" عن الحدود المؤقتة للدولة الفلسطينية المفترضة في إطار حل انتقالي للصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وبالمقابل، فإن الولايات المتحدة سواء في عهد بوش أو أوباما تحدثت عن الدولة الفلسطينية كدولة مستقلة وقابلة للحياة ولم يسمع أحد شيئاً واضحاً في سمة السيادة في هذه الدولة، بل على العكس بدا واضحاً أن واشنطن توافق على الشروط الإسرائيلية التي تجعل هذه الدولة لا تتمتع بالسيادة على النحو المعروف بالنسبة لأي دولة مستقلة في العالم. ومالت واشنطن إلى تصور الحكم الذاتي الذي ينصرف في حقيقة الأمر إلى إدارة شؤون الحياة اليومية للفلسطينيين وليس إلى حرية القرار في كل ما ينصرف إلى الشؤون الاستراتيجية للدولة وبناء علاقاتها الخارجية.. وعندما تحدثت عن القابلية للحياة بأنها كانت تعني تواصل الدولة الفلسطينية جغرافياً، وحيث كانت تعلم جيداً أن الاستيطان لا يحقق القابلية للحياة لهذه الدولة، فإنها أعلنت بوضوح رفضها للاستيطان. ولكن بمرور الوقت تراجعت عن هذا الموقف وقالت إن الاستيطان لا يجب أن يشكل عقبة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة! بما يعني أن نظرة واشنطن من حيث الجوهر لا تخرج عن تفعيل حكم ذاتي للفلسطينيين يختص بشؤونهم الإدارية وحياتهم المعيشية الإنسانية لا بشؤونهم الأمنية والسياسية.

كلا الموقفين أو التصورين الإسرائيلي والأميركي لإقامة الدولة الفلسطينية لم يكن غائباً بالطبع عن السلطة الفلسطينية التي عبرت عن رفضها نظرياً لكل منهما عندما قالت: إن هذه الدولة يجب أن تكون مستقلة وذات سيادة وقابلة للحياة. ولتحقيق هذا الهدف شددت على المرجعية الدولية لأي مفاوضات ووضع جدول زمني لها ووقف الاستيطان لأن هذا وذاك يشمل الإقرار للفلسطينيين بدولة في حدود 4 يونيو 1967، وفي حالة عدم التمسك بهذه الحدود فإن لها أن تحصل على نفس المساحة (تبادل الأراضي)، وينهي الاحتلال ويقيم دولة قابلة للحياة. ولكن من الوجهة العملية فان السلطة الفلسطينية ذهبت إلى مسار آخر مختلف رأت أنه يحقق لها مطالب إقامة الدولة تدريجياً وبحكم الأمر الواقع وراهنت حتى الآن على ثلاثة أمور: الأول هو وقوف المجتمع الدولي بجانب إقامة الدولة الفلسطينية استناداً إلى اقتناعه بعدم شرعية الاحتلال وبحرص السلطة الفلسطينية على التجاوب مع كل مبادرات السلام ولم يجد أبو مازن حرجاً في الإعلان أكثر من مرة عن رفضه لقيام انتفاضة ثالثة على غرار انتفاضة الحجارة في 1987و2000 مما رسخ الانطباع لدى العالم بأنه يسعى مخلصاً إلى توقيع اتفاق سلام مع الإسرائيليين لا إلى مواصلة العنف بكل أشكاله وعدم التوصل إلى اتفاق. وثانيهما التعويل على رغبة اليمين الإسرائيلي في الحفاظ على يهودية الدولة الإسرائيلية خصوصاً أن الولايات المتحدة تؤيد هذه الرغبة بشدة. والفكرة من وراء هذا التصور هي اقتناع أبو مازن وفريقه بأن الزمن إذا كان لا يعمل لصالح الفلسطينيين حيث يسمح ل"إسرائيل" بفرض الأمر الواقع (استمرار الاحتلال والاستيطان) فانه لا يسمح لها بأن تحقق يهودية الدولة الإسرائيلية لأن وصفاً كهذا يعني استمرار وجود الفلسطينيين والإسرائيليين معاً تحت مظلة «دولة الاحتلال» بما ينفي في نهاية المطاف عن "إسرائيل" سمة الدولة اليهودية الخالصة.

وتندرج رغبة إيهود باراك مثلاً في ضرورة انجاز اتفاق سلام مع الفلسطينيين ضمن هذا التصور. وثالثهما هو ما يجري على الأرض فعلاً من جهود للسلطة الفلسطينية لإقامة مؤسسات الدولة المنتظرة وقبولها بتعاون أمني مع الإدارة الأميركية لتدريب أفراد قواتها المسلحة. وفي هذا السياق يلعب سلام فياض رئيس الوزراء الفلسطيني دوراً مهماً يلقى بصدده إشادة العواصم الأوروبية وواشنطن ذاتها. وهنا تطل مسألة الزمن مرة أخرى حيث أن فياض يحتاج لنحو عامين من الآن لاستكمال بناء المؤسسات التي ستجعل المجتمع الدولي مقتنعاً بأن هناك إمكاناً لقيام دولة فلسطينية قادرة على إدارة شؤونها بنفسها دون الإضرار بأمن "إسرائيل" وعلى إقامة علاقات ومصالح مع بقية المجتمع الدولي يمكن حمايتها وتطويرها. وضمن هذا التصور فإن محمود عباس قد يحتاج إلى الوقت على عكس ما هو متصور بأنه يعمل لصالح حكومة نتانياهو.

المصادر السياسية والإعلامية في "إسرائيل" لا تختلف حول أهمية الخطة التي يقوم بها سلام فياض من حيث أنها ستجعل السلطة الفلسطينية - بعد عامين - تطلب قراراً من مجلس الأمن يتبنى إعلان قيام الدولة الفلسطينية، وفي تلك الحالة فإن الولايات المتحدة لن تستخدم الفيتو حيث لن يكون معقولاً أن تستخدمه ضد مشروع سياسي فلسطيني ترعاه وتؤازره!

خطة أبو مازن تهدف إذن إلى إنضاج الدولة الفلسطينية على نار هادئة إذا جاز التعبير. المفاوضات يمكن أن توجد حلولاً للقضايا الاستراتيجية، وقد توصلت بالفعل قبل ذلك إلى حلول خلال اللقاءات الطويلة التي عقدها محمود عباس مع أولمرت خصوصاً في مسائل مثل اللاجئين والترتيبات الأمنية في الضفة ومستقبل القدس الشرقية، وربما كان ذلك من أسباب تشدد عباس بضرورة استئناف المفاوضات مع حكومة نتانياهو من النقطة التي انتهت إليها في عهد حكومة أولمرت. وفي قرارة نفسه يؤمن بأنه عندما تقوم الدولة فإن أحداً لا يستطيع رسم حدود سيادتها من الناحية العملية، فكل ما تتحدث به "إسرائيل" اليوم عن نزع السلاح وغيره يمكن أن يتوارى تماماً عندما تظهر دولة فلسطينية إلى النور لأنه سيكون من الصعب للغاية تفسير كل ما تتخذه من قرارات وخطوات تعبر عن سيادتها على أنه موجه ضد "إسرائيل"، كما أن شبكات العلاقات والمصالح التي ستنشأ بين السلطة وأطراف المجتمع الدولي ستكون كفيلة بإسقاط التحفظات الإسرائيلية مستقبلاً.

وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع مثل هذا التصور الذي يحكم تفكير أبو مازن وفريقه عن الدولة المنتظرة، فإن المشاكل التي يواجهها لا تتعلق بعناصر هذا التصور - اتفاقاً أو اختلافاً حول أهميتها وجدواها للحقوق الفلسطينية - وإنما تأتي من الطرفين اللذين يشكلان بقية أضلاع المثلث وهي "إسرائيل" والولايات المتحدة. ف"إسرائيل" غير متفقة داخلياً على كيفية إتمام اتفاق سلام مع السلطة الفلسطينية، فإذا كانت الصحافة الإسرائيلية تصف نتانياهو بأنه خائف (معاريف 5/2/2010) فإنها تصف إيهود باراك بأنه لا يملك رؤية للحل، أي أنه يوافق على اتفاق سلام - حفاظاً على يهودية الدولة الإسرائيلية. ولكنه لا يقول ماذا سيفعل هو لإنجاز هذا الاتفاق. ومن جهة أخرى فإن كل عناصر النخبة الحاكمة الإسرائيلية من الليكود أو العمل أو كاديما أو حتى أحزاب اليمين المتشدد تتصارع فيما بينها على السلطة. لقد فشلت مباحثات عباس مع حكومة أولمرت برغم أنها توصلت إلى حلول لبعض قضايا الحل النهائي لأن هذه الحكومة سقطت من الداخل كغيرها من الحكومات السابقة، وما تواجهه حكومة نتانياهو داخلياً ليس بالأمر المختلف حيث يتصارع أفرادها على البقاء في الحكم ومن هنا لن يسمع عباس كلمة إسرائيلية واحدة تساعده على تنفيذ خطته لإقامة الدولة الفلسطينية.

وعلى الضفة البعيدة فان الحماسة التي سادت سياسة أوباما وقت أن تسلم الحكم لم تعد قائمة، وإذا اضطر لتفعيل المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية عبر مباحثات التقريب التي تضمنتها جولة ميتشل الأخيرة في المنطقة فانه لن يدخل في مواجهة مع حكومة نتانياهو وسيوافق على حلول جزئية لن ترضي أحلام عباس بالطبع. وهكذا يظل مفهوم الدولة الفلسطينية حائراً بلا مستقبل واضح.

ـــــــــــــ

الوطن القطرية

مواد ذات الصله



تصويت

أعظم الخذلان أن يموت الإنسان ولا تموت سيئاته، وأعظم المنح أن يموت ولا تموت حسناته، في رأيك ماهي أفضل الحسنات الجارية فيما يلي؟

  • - بناء مسجد
  • - بناء مدرسة
  • - بناء مستشفى
  • - حسب حاجة المكان والزمان
  • - لا أدري

الأكثر مشاهدة اليوم

فلسطين .. مآسي أمة

هل ستعطش "إسرائيل" أم سيرويها العرب؟

المياه، الموارد الطبيعية، الموقع الإستراتيجي: هذه هي العوامل التي تمثل أساس بقاء "إسرائيل" أو نهايتها، ف"إسرائيل" دولة صغيرة في الشرق الأدنى، إلا أنها تحتل موقعاً إستراتيجياً ممتازاً، فهي تقع في الجنوب الغربي لقارة آسيا...المزيد