الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

العالم الموسوعي "محمد محيي الدين عبد الحميد"

4946 0 434
في تاريخ البشرية رجال شوامخ ، وعلماء موسوعيون ، وأئمة مجددون لا يكثرون في كل جيل ، بل يظهرون عبر التاريخ على فترات متتابعة .
ومن هؤلاء الشيخ العلامة الإمام : محمد محيي الدين عبد الحميد ، لا يوجد عالم ولا طالب على ظهر الأرض إلا ويعرف قدره ، لأنه إن فاته أن يتتلمذ عليه ، فقد تتلمذ على كتبه،وتحقيقاته،وشروحه،وهوامشه التي تجل على النظير .
لقد سارت مؤلفاته وتحقيقاته الخالدة في العالم مسير الضوء في الآفاق ، فرأينا الجامعات والمعاهد والمدارس ودور العلم تتخذ كتبه نبراسـًا وهاديـًا ، وتقرر بعضها على طلاب الجامعات والدراسات العليا والمعاهد ، لأنه نفض عن تراثنا ، وهو أشرف تراث في الوجود ، غبار السنين ، وقدمه بشروح ضافية ، وهوامش دقيقة سامية ، ارتوت منها العقلية الإسلامية والعربية ، ونهل من معينها الذي لا ينضب القاصي والداني ، وإن التعريف بسيرة هذا الإمام الجليل المجدد تشرق بنور العلم ، وتتدفق ينابيعها بأثمن ما في تراث أمتنا من كنوز ، لقد قدم للمكتبة الإسلامية والعربية ثلاثمائة كتاب في سائر العلوم والإسلامية والعربية ولا يتمكن من إنجاز هذا الكم الهائل من الأعمال العلمية إلا من كان منقطعـًا للعلم متبتلاً في محراب التأليف والتحقيق ، يؤثر خدمة العلم على كل عزيز وغال ، يحمل خصائص العباقرة الأفذاذ .
فكيف نشأ هذا الإمام الجليل ، وكيف حقق معجزة التأليف وخدمة التراث على هذا النحو ؟
استقبل بيت العلم والفضل في " كفر الحمام " بمحافظة الشرقية الشيخ " محمد محي الدين عبد الحميد " سنة ثماني عشرة وثلاثمائة وألف للهجرة الموافق لليوم الثالث والعشرين من شهر سبتمبر عام تسعمائة وألف للميلاد وعرفت أسرة والده وأسرة والدته وأسرة زوجته بالعلم والكرم والتأليف والتحقيق ، فورث المجد العلمي كابرًا عن كابر ، فسعد منذ ولادته بحياة إسلامية كاملة ، وتنفس في مناخٍ علمي ، وتربع على موائد الكتاب والسنة ، والفقه واللغة ، وحب التراث منذ نعومة أظفاره .
وفي كُتَّاب قريته " كفر الحمام " بالشرقية ، حفظ القرآن الكريم في باكورة صباه ، ثم التحق بالأزهر الشريف ، فتدرج من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الثانوية فالمرحلة الجامعية حتى حصل على درجة التخصص في التدريس ، ثم عين عقب تخرجه مدرسـًا لمعهد القاهرة الأزهري ، ثم كان من أوائل علماء الأزهر الذين عينوا في الكليات إبان إنشائها ، فعين في كلية اللغة العربية ، وكان خيره أعضاء هيئة التدريس الذين خدموا العلم في الدراسات العليا ، وتدرج في وظائف الكلية ، حيث عين وكيلاً ، ثم عميدًا لكلية اللغة العربية ، ثم أحيل إلى المعاش عندما بلغ سن التقاعد ، وكان على عكس عامة الناس الذين تنتهي بهم سنُّ الخدمة فيركنون إلى الراحة ولو بعض الوقت ، فقد كان فضيلته بعد تركه للمناصب الرسمية أكثر تدفقـًا في العطاء .
فقد مكنه تخليه عن الوظائف الرسمية والمسئوليات الإدارية ، أن يتفرغ للعلم ، وأن يستعيد ـ بحق ـ شبابه ، فشمر عن ساعد الجد تأليفـًا وتحقيقـًا وتعليقـًا ، وإحياء لكتب التراث التي اندثرت أو كادت لولا جهود هذا الإمام التي تذكر فتشكر .
جهوده في علوم اللغة العربية والنحو والصرف :
لقد قدم للمكتبة العربية والإسلامية الكثير والكثير، من ذلك " التحفة السنية " و " تنقيح الأزهرية " و " قطر الندى " و " أوضح المسالك " و " شرح الأشموني " وعشرات في هذا المضمار ، كما قدم شروحـًا لدواوين الشعر وكتب الأدب ، وخدم العلوم العربية خدمة تفوق الوصف ولولاه لاندثر الكثير من هذه المصادر الكبرى التي جاءت بها قرائح أسلافنا ، ولنبوغه الفائق في مضمار علوم اللغة العربية كان عميدًا لكلية اللغة العربية ، واختير عضوًا بجمع اللغة العربية .
جهوده في علوم السنة :
وكما خدم اللغة العربية وعلومها وتراثها خدم كذلك علوم السنة النبوية ، رواية ودراية ، وقام بالتحقيق والتعليق ، والتنظيم والتنسيق ، فقد كان من بينها كتب لا يستطيع القارئ أن يقف على تعداد ما فيها ، ولا على أبوابها أو أوائلها وأواخرها فيسرها لأهل العلم وقرب منالها لطلاب الحديث ، فجاءت تحقيقاته لكتب السنة تحمل مناهج فريدة وعملاً فنيـًا متميزًا ترى ذلك في كتب " سنن أبي داود " و " الترغيب والترهيب " و " شرح ألفية السيوطي في مصلح الحديث " و " المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد " و " الجامع الصغير " و " فتح المبدي " ، ولأهمية جهوده البارزة في خدمة السنة عهد إليه المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية برئاسة لجنة السنة ، حيث أخرج كتاب صحيح البخاري على نسق فريد تحقيقـًا وتعليقـًا ،حتى الجزء الثامن ، وقد وفقني الله تعالى مع هذه اللجنة أن أكمل ما بدأه فتم بحمد الله لنا إكمال هذا الكتاب النفيس الذي يعتبر أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى ، وأقوم الآن بشرح صحيح البخاري متخذًا نسخة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية دليلاً وأصلاً لدقة تحقيقها وتميزها عن سواها .
جهوده في العلوم الفقهية :
وخدم علم الفقه وأصول الفقه والاستنباط ومصادر التشريع ، وقدم للمكتبة الإسلامية أهم التراث والمصادر الفقهية المخدومة علميـًا مثل " الموافقات في أصول الأحكام " و " الطرق الحكيمة في السياسة الشرعية " و " المسوَّدة في أصول الفقه " لابن تيميه و " الحاوي للفتاوي " للسيوطي و " الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع " للخطيب و " منهاج الوصول في علم الأصول " و " الدروس الفقهية على مذهب السادة الشافعية" و " أحكام المواريث على المذاهب الأربعة " و " الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية " و " شرح الرحبية " .
جهوده في علم التوحيد والتفسير والتاريخ :
وكانت له جهوده في علم التوحيد فقدم " رسالة التوحيد " للشيخ محمد عبده " الفَرْقُ بين الفِرَق " للبغدادي ، و " شرح جوهرة التوحيد " للقاني ، و" مقالات الإسلاميين " للاشعري .
كما كانت جهوده في خدمة التفسير ، والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي وتحقيق كتب الرجال الكبرى التي تعتبر ـ بحق ـ من أهم المراجع التي لا غنى للعلماء وطلاب العلم عنها في كل جيل من الأجيال .
ولخدمة للشريعة الإسلامية وكتب الفقه عُيِّن رئيسـًا للجنة الفتوى بالأزهر ، وعضوًا بمجمع البحوث الإسلامية ، ومن أراد أن يستوعب تراث هذا العالم الجليل والإمام العظيم فلن يستطيع ، لأن المذكور في تاريخ حياته الآن إنما هو بعض التراث المطبوع الذي ألفه أو حققه ، أما باقي تراثه الذي لا وجود له في المكتبات ، وقد يوجد عند بعض أقارنه أو أبنائه وبعض المخطوطات التي لم تطبع بعد فهي من الأهمية بمكان ، بحيث يجب أن نميط عنها لثام الزمن ، وقد كلفنا بعض أبنائنا في كليات اللغة العربية أن يسجلوا بعض بحوث درجاتهم العلمية " للماجستير والدكتوراه " في جوانب حياة هذا الإمام وكتبه وتراثه الخالد ، حتى ننفض عنها غبار السنين ونخرجها ليستفيد منها طلاب العلم والعلماء ، وقد شكلت لجنة للقيام بإعداد بحوث وتنسيق مؤتمرات علمية لأئمة الإسلام الأجلاء وشيوخه من الفقهاء والمحدثين وسائر المتخصصين في كل علم من العلوم حتى يتعرف الخلف على مسيرة السلف تواصلاً للأجيال وتحقيقـًا للآمال .
وبعد : فهذه السطور ما هي إلا إيماءة موجزة لحياة إمام جليل ، وعالم موسوعي ، عل أبناءنا من طلاب الدراسات العليا ، وعشاق الثقافة الإسلامية والعربية ينحون نحوه ، ويقتفون آثار أئمتهم الأعلام .
وجدير بنا أن نبرز للتاريخ أمجاد أزهرنا الشريف ، وأن نجلي بعض صفحات تاريخهم وعطائهم .
فلم يكن العلامة الإمام " محمد محي الدين عبد الحميد " عالمـًا موسوعيـًا فحسب ، أو إمامـًا مجددًا مجتهدًا فقط ، بل كان إلى جانب هذا وذاك كريم العطاء ، له أياد بيضاء ، يبذل عن سخاء؛ فهو ابن محافظة الشرقية ، التي عرفت بالجود والأريحية ، فزاده العلم جودًا على جود ، وعطاءً على عطاء .
وكان من العلماء العاملين ، الذين طبقوا ما علموه وعملوا به فكان قدوة العلماء ، ونموذجـًا مثاليـًا في التقوى والعطاء .
ومع هذا كله فكان يجمع بين عزة النفس والحفاظ على كرامته والاعتزاز بأزهريته ، إلى جانب تواضعه الجم وحبه الكبير لشيوخه ، وأدبه الرفيع مع أساتذته ووفائه لدينه وعقيدته ، وولائه لربه وأمته .. فسلام عليه في الخالدين ، وحيـا الله الأزهر الذي أنجبه ، والإسلام الذي ربَّاه ، ورفع الله ذكره في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا .
                     صوت الأزهر ،عدد المحرم ،1422هـ

مواد ذات الصله



تصويت

قال بعض السلف :متى رأيت تكديرا في الحال فابحث عن نعمة ما شُكِرت أو زلة فُعِلت قال تعالى(ذلك بأن الله لم يك مغيِّرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). في رأيك ما هو أهم سبب لزوال النعم؟

  • عدم شكرها
  • عصيان المنعم بنعمته
  • منع النعمة عن مستحقها
  • الإسراف والتبذير
  • جميع ما سبق