لماذا كان انتصارا عظيمأ؟!!

3379 1 672

الانتصار الكبير الذي تحقق لقوى الثورة في انتخابات رئاسة الجمهورية لا يمكن فهم واستيعاب عظمه وخطورته إلا إذا نظرنا إلى طبيعة المعركة والنتائج السياسية التي ستترتب عليها، وليس إلى الفارق البسيط الذي انتهت إليه.

لم تكن هذه الانتخابات كأي انتخابات أخرى في تاريخ مصر، ولم تحتشد قوى الظلام والهيمنة والفساد في تاريخ مصر كما احتشدت في تلك الموقعة، وعندما كان الفريق أحمد شفيق يوجه كلامه لحملته أثناء الانتخابات بأن هذه هي "المعركة الأخيرة"، وأن هذه معركة الحياة أو الموت لكم، فقد كان يعني تمامًا ما يقول، وكل القوى التي احتشدت خلفه ـ وخاصة مافيا المال والإعلام وفلول الجهاز الأمني والإداري ـ كانت تدرك ذلك المعنى جيدًا.

ولعل النتائج التي حصل عليها شفيق تكشف للجميع كم كانت معركة الموت فعلاً ، وكم حشد فيها الفلول من المال والطاقة والجنون حتى الدقائق الأخيرة للتصويت، علينا أن نتذكر أن حسني مبارك أيام عزه ومجده وصَوْلجانه ـ قبل الثورة ـ في انتخابات 2005، وهي الأكثر شفافية في عهده، حصل فيها على ستة ملايين صوت وربع المليون، بينما حصل شفيق بعد الثورة على اثني عشر مليون صوت انتخابي، بما يعني أن هناك جهودًا مضاعفة ورهيبة تمت على أعلى مستوى من أجهزة رسمية ووسائل إعلام بإمكانيات هائلة وضخ أموال لشراء ذمم وأصوات، وخاصة في النصف الثاني من اليوم الأخير وحملات مكثفة بالوعود مارسها الفلول المتغلغلون في أجهزة إدارية وأمنية وخلايا المجتمع الصغيرة في الأحياء والقرى والنجوع والمدن، وضغوط رجال أعمال مليارديرات على قطاع واسع من العمالة التابعة لهم، وحشدهم في حافلات كبيرة بالجملة إلى اللجان ، فضلاً عن الرشاوى العلنية التي قدمها شفيق لمئات الآلاف من السائقين، بأنه سيُسقِط عنهم أقساط التاكسي، وسيسوي أوضاع مَن اعتدوا على الأرض الزراعية ـ قُوت مصر ـ ولن يحرك محاضر الضبط ضدهم، ولن يزيل الأبنية التي بنوْها عليها.

ودعْ عنك حملة إعلامية مركزة وشديدة السوداوية ومترعة بالكذب الفج، ودع عنك حملات الخداع والابتزاز بالتخويف التي تعرّض لها إخواننا الأقباط من قِبَل الفلول، حتى دفعوا الكنيسة للاحتشاد التصويتي غير المسبوق ضد مرشح الثورة، كل هذا احتشد في مواجهة قوى الثورة، ليس احتشادًا عاديًّا، بل احتشاد مَن يدرك أنه يخوض معركة لا تحتمل الخسارة أصلاً؛ لأن الخسارة تعني دماره المباشر، فقاتلوا بكل عنف وعصبية وجنون؛ ولذلك كانوا يتحدثون بثقة كبيرة قبل التصويت بأيام بأنهم قادمون، وأن الثورة ماتت، وسوف نستكمل مراسم الدفن يومي السبت والأحد، وأن النتيجة لن تكون فقط فوز شفيق، ولكن فوزه بفارق كبير من الأصوات، وقد استمعت بنفسي لرموز سياسية وبرلمانية ونشطاء كبار في المنظمات الحقوقية والأهلية من أباطرة المال الأمريكي، وهم يتحدثون بمنتهى الثقة أن شفيق سيفوز بفارق لن يقل عن ثلاثة ملايين صوت.

كانوا يعرفون أنهم احتشدوا ليوم "الموت أو الحياة"، وأن كل شيء مرتب والمسألة منتهية، ولذلك هم لا يصدقون حتى الآن أن مرشح الثورة فاز، هم يتخيلون أنهم الآن ليسوا في واقع الهزيمة، وإنما "كابوس" في المنام ربما يظهر أنه كان مجرد "حلم" سيئ ويمر.

وأعترف بأننا أيضًا لم نكن ندرك أننا أمام كل هذا الجبروت والاستعداد الهائل إلا بعد أن ظهرت النتائج والأرقام، وفي تجارِب شعوب أخرى نجح الفلول بخبراتهم المتراكمة وقدراتهم الضخمة في هزيمة الثورات حتى بعد نجاحها، كما حدث في رومانيا وأوكرانيا؛ لأن الثورات عندما تخوض نِزالاً ديمقراطيًّا بعد وقت قصير من انتصارها، تُفاجَأ بأنها أمام آلة ضخمة متغلغلة في جميع خلايا الجهاز الإداري والأمني للبلاد حتى أصغر جزء فيه، وهي خلايا مدربة وخبيرة ومحترفة في مقابل ثورات تتمسك بالطموح والنقاء والنبل، فتخسر في النهاية وتنكسر الثورة.

في مصر اختلف السياق، ورأى العالم تجرِبة جديدة مختلفة كليًّا، وسيسجلها التاريخ للدراسة والتأمل؛ إذ أن الثورة لم تكن تنطلق فقط من الطموح الأخلاقي والنبل، وإنما وجدت ـ من حسن حظها ـ خط حماية قويًّا للغاية من التيار الإسلامي بكل روافده متغلغلاً أيضًا في كل خلايا المجتمع ومتلاحمًا معها، وإن افتقد لأي وجود في جهاز الدولة الإداري والأمني.

ومثلما نجحت قدرات الإسلاميين في حماية الثورة في المواجهة الفاصلة يوم موقعة الجمل، نجحوا هذه المرة في حماية الثورة من السيناريو الكابوسي للتجرِبة الرومانية، مصر دائمًا مختلفة، والمصريون دائمًا يكتبون التاريخ بلغتهم هم وعبقريتهم هم.

مواد ذات الصله



تصويت

في شهر شعبان تهب علينا رياح الحنين لشهر رمضان المبارك، نسأل الله أن يبلغنا إياه ما هو أكثر شيء تشتاق إليه في رمضان؟

  • - التراويح والقيام
  • - صحبة المصحف
  • - التزاور
  • - الصدقات
  • - غير ذلك