الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

اللاأدرية؛ أزمة عقل (1)

  • اسم الكاتب: د.هيثم طلعت-إسلام ويب
  • تاريخ النشر:12/07/2016
  • التصنيف:زيف الإلحاد
  •  
4241 0 434

 

اللاأدرية Agnosticism؛ هي مرحلة منتصف الطريق، فاللاأدرية أحد الفرق الإلحادية الثلاث الكبرى "إلحاد – ربوبية- لاأدرية"، وتتميز اللاأدرية عن غيرها من الفرق الإلحادية أنها لم تجزم بوجود خالق ولم تنفِ وجوده، بل تجعل كل الاحتمالات قائمة.

وهي بذلك أشبه ما تكون بمرحلة عارضة طارئة –موقف وقتي-، ولذا فهي أقل الفرق الإلحادية الثلاث أتباعًا. -1-
إذ أن البديهة المُركبة في البشر هي الوصول إلى الحقائق والاستقرار عليها، وإلا ما حدث تقدم في حياة البشر –فشرط التقدم أن تستقر على موقف ثم تنتقل منه لغيره-، أما اللاأدرية فهي تفترض حالة من حالات التوقف –عدم الجزم بشيء-، أو كما يسميها الملحد ريتشارد داوكينز Richard Dawkins : "اللاأدرية؛ حالة من حالات الجُبن الفكري، فهي كالجالسين على السور –الراقصين على السلم باللهجة المصرية- fence-sitting, intellectual cowardice ". -2-

ولذا فهي غير مستساغة ولا توجد لها ركائز داخل النفس، ولا يقبل الإنسان السوي أن يحيا ويموت تحت هذا المُسمى " لا أدري"، فالإنسان يعرف أنه توجد حقائق واضحة جلية، ولولا هذه المعرفة ما صّحَّ علم ولا فكر.

وعلى قِلة أتباع اللاأدرية فقد انقسمت إلى طوائف شتى؛
الفرق والمذاهب اللاأدرية المعاصرة:
1- اللاأدرية القوية المغلقة Strong Agnosticism
2- اللاأدرية الضعيفة Weak Agnosticism
3- اللاأدرية البرجماتية Apathetic Agnosticism
4- اللاأدرية الملحدة Agnostic atheism
5- اللاأدرية المؤمنة Agnostic Theism

وتجتمع هذه الفِرق على عدم الجزم بصحة المعتقد الديني وأيضاً عدم الجزم بتخطئته، وتختلف فيما بينها في قوة التوجه نحو هذا أو ذاك!

وقوام حجة اللاأدرية أن خبرتنا البشرية لا موضوعية –من العسير التحقق من صحة معطياتنا-، وبالتالي يستحيل الإجابة عن مسألة كبرى مثل وجود الله-سبحانه وتعالى-.
وهنا تناقض ظاهر لا يخفى، حين يتحدثون عن مسألة وجود الله سبحانه وتعالى وكأنهم يُعرفونها مسبقًا بأنها موضوعية، فما أدراهم أنها كذلك إلا لو كان العقل البشري يُميز المسائل الموضوعية من المسائل الذاتية!

ثم مَن قال أنها موضوعية أو غير موضوعية ومَن أدراهم أنها مسألة مستقلة وليس كمثلها شيء؟

ثم إن أدلتنا العقلية على الإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى تقوم على براهين أولية قبلية A-Periori وليس قياسات عقلية.

والبرهان العقلي الأولي لا علاقة له بالخبرة البشرية بل هو سابق في الوجدان والوجود عليها.

فالإنسان يولد ببراهين عقلية أولية مسبقة، اتفق على وجودها الملحد والمؤمن، فيُسميها المؤمن ب"الفطرة" أو "الصبغة الإلهية" {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون} (١٣٨) سورة البقرة.
ويُسميها الملحد بالغرائز الأولية instincts .

ومن اللافت للنظر أن علم اللغويات الحديثة التي أسس لها نعوم تشومسكي Noam Chomsky تقوم على أن العقل لا يولد كصفحة بيضاء بل يحتوي على الكثير من المقدمات الأولية knowledge is innate .
وأصل علم اللسانيات الحديث لا يمكن دراسته دون التسليم مسبقًا بوجود فطرة منسوجة مسبقًا داخل العقل البشري وأنه ليس صفحة بيضاء. -3-

فالعقل يمتلك براهين أولية أو قبلية، لا تعتمد على الخبرة ولا يتم اكتسابها أو توريثها عبر الأجيال، ومن هذه البراهين العقلية القبلية الأولية برهان السببية!
فهو برهان قبلي أولي لا ينفك ولا ينخرم، فأنت موجود ووجودك لا يُفسر نفسه بنفسه إذن لك موجِد {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} (الطور:٣٥) .

إنه دليل عقلي أولي كوني، يتجاوز أُطر الزمان والمكان، ولا يتقيد بخبرتنا البشرية بل هو أعم وأعمق.

وقوام كل العلوم النظرية والتجريبية على برهان السببية، فلولا اضطراد هذا البرهان ولولا استقراره في الأذهان ما صحت معادلة ولا انضبطت تجربة ولا سلّمنا بنتيجة ولصارت كل العلوم لغوٌ فارغ!
فبرهان السببية هو برهان كوني أعلى من القانون وعليه تقوم كل العلوم!

أيضًا من أدلة الإيمان بالخالق أن هذا العالم موجود ووجوده يفيد عرضيته وتغيره، والعالم لا يفسر نفسه بنفسه، إذن لابد لهذا العالم من موجِد {أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون} (الطور:٣٦) .

إذن نحن نقوم بالإيمان بالخالق استنادًا إلى برهان عقلي أولي يسبق الخبرة البشرية ويسبق كل ملكاتنا المكتسبة.

ثم قبل هذا وذاك بأي دليلٍ من خارجنا نحن مُطالبون بالتمرد على خبرتنا البشرية؟
بأي دليلٍ من خارجنا نحن مضطرون لعدم الانصياع لمكتسباتنا البشرية؟
بأي دليلٍ نرفض كل ما تمدنا به حواسنا؟

الآن الموقف انقلب! نحن الذين نُلزم اللاأدري بالتسليم بما ترصده الحواس وهو يرفض ويعاند، مع أنه داعيه المذهب الطبيعي والمبشر الأول به، أليس كذلك؟

زِد على ذلك أن براهيننا القبلية الأولية أعلى وثوقية من خبرتنا العلمية التجريبية بكثير وأكثر منها ضبطًا وإتقانًا.
ومع ذلك اللأدري يُسَّلِّم بصحة العلم الطبيعي التجريبي، ويقطع به!

أضف إلى ما سبق أن أدلتنا لا تنحصر في البراهين القبلية الأولية، بل هذه أحد البراهين لا أكثر، وإلا فبرهان النبوة هو برهان آخر قائم بذاته ومنفصل عن البراهين الأولية.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رائعته ثبوت النبوات: " ليست المعجزة هي الشرط الأوحد للنبوة، فمُدعي النبوة إما أن يكون أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين ولا يُلبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، وقد أسلم السابقون الأولون أمثال أبي بكر الصديق وخديجة والمُبشَّرون قبل انشقاق القمر والإخبار بالغيب والتحدي بالقرآن، .... و كثيرٌ من الناس يعلم صدق المُخبر بلا آية البتة، وموسى ابن عمران لما جاء إلى مصر وقال لهم إن الله أرسلني علموا صدقه قبل أن يُظهر لهم الآيات، وكذلك النبي لما ذكر حاله لخديجة وذهبت به إلى ورقة ابن نوفل قال هذا هو الناموس الذي أتي موسى، وكذلك النجاشي، وأبو بكر علموا صدقه علمًا ضروريًا لما أخبرهم بما جاء به وما يعرفون من صدقه وأمانته مع غير ذلك من القرائن يوجب علمًا ضروريًا بأنه صادق، وخبر الواحد المجهول من آحاد الناس قد تقترن به قرائن يُعرف بها صدقه بالضرورة، فكيف بمن عُرف بصدقه وأمانته وأخبر بمثل هذا الأمر الذي لا يقوله إلا مَن هو أصدق الناس أو أكذبهم، وهم يعلمون أنه من الصنف الأول دون الثاني." -4-

فبرهان النبوة هو برهان مستقل آمن بمثله ما لا حصر له من البشر ومنهم ما لا يُحصى من المفكرين والعقلاء عبر التاريخ.

أيضًا من البراهين التي تقطع بصحة القضية الدينية تلك البراهين التي تتجاوز إطار القيد المادي في هذا العالم مثل برهان الأخلاق، فالأخلاق لا مصلحية ولا مادية وتستمد بانتظام معناها وقيمتها من عالمٍ آخر لا علاقة له بهذا العالم المادي المجرد، ومع ذلك يُسلِّم بصحة معنى الأخلاق في ذاتها المؤمن والملحد واللاأدري.
مع أن الجميع يعلمون أنه ليس للأخلاق مستند مادي يدعمها، بل الأخلاق في أجلى تعريفاتها أنها: "تأتي دائمًا ضد المادة وضد المصلحة الشخصية."
ولا تخضع لرغبات البشر أو نزواتهم فالخير خير عن الصالح والطالح، والشر شر عند الصالح والطالح، فهي تستمد معناها باستمرار من عالمٍ آخر ولا يوجد داخل هذا العالم لها مستند يدعمها!

فهذه كلها براهين مستقلة تؤكد سخافة دعوى اللاأدرية، وخطأ حصرها للأدلة في نطاق الخبرة البشرية، مع الجزم بأن كل العلوم التجريبية تقوم على الخبرة البشرية، ولا مجال لنقد الخبرة البشرية بدليل من داخلها، ولا يوجد خارجها ما ينقدها!

هوامش المقال
----------------------------
1- http://www.nature.com/nature/journal/v386/n6624/abs/386435a0.html
2- The god Delusion, p.70
3- http://en.wikipedia.org/wiki/Universal_grammar
4- ثبوت النبوات، شيخ الإسلام ابن تيمية، ص 573.

مواد ذات الصله



تصويت

أعظم الخذلان أن يموت الإنسان ولا تموت سيئاته، وأعظم المنح أن يموت ولا تموت حسناته، في رأيك ماهي أفضل الحسنات الجارية فيما يلي؟

  • - بناء مسجد
  • - بناء مدرسة
  • - بناء مستشفى
  • - حسب حاجة المكان والزمان
  • - لا أدري

الأكثر مشاهدة اليوم

زيف الإلحاد

أخلاق الإنسان الحديث 1

بؤرةٌ حديثةٌ موحلةٌ تلك التي غاص فيها إنسان القرن الحديث، شكّلت تقويماتٍ سقيمة وباهتةٍ نتيجة مذاهب فكريّةٍ عزفها...المزيد