الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ماذا يريد البابا؟‍‍

1345 0 333
فاجأنا بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني في بداية هذا العام- الذي يعتبر بداية الألفية النصرانية الثالثة - بنشاط غير عادي ، وبمبادرات تاريخية غير مسبوقة . ففي يوم 24 فبراير وطِئت قدماه أرض مصر التي يعيش فيها أكثر من 60 مليون مسلم مع أقلية نصرانية كاثوليكية لا يزيد عددها على ربع مليون . وقد استقبل البابا في زيارته لمصر استقبالاً رسمياً وبحفاوة بالغة ، وأقام قداساً للكاثوليك وزار دير سانت كاترين .
ثم في يوم 13 مارس قام بتقديم اعتذار وطلب للمغفرة عن خطايا الكنيسة الكاثوليكية تجاه من خالفوها الاعتقاد . وخص بالذكر شعب إسرائيل ، ولم يذكر شيئاً عن ضحايا المسلمين الذين اضطهدتهم كنيسته سواء إبّان الحروب الصليبية أو في الأندلس ، وكأن دماء ثمانية ملايين من المسلمين أمر لا يستحق البكاء من أحد؟!
وبعد ذلك قام في 20 مارس بزيارة إلى الأردن ، واستقبل فيها رسمياً وبحفاوة ، ثم زار أرض فلسطين يوم 22 مارس حيث زار بعض الأماكن التاريخية ذات الصلة ، ولم ينس زيارة متحف فاش ياديم الذي يجسد – حسب الديانة الصهيونية – مأساة اليهود على أيدي النازيين ، حيث يزعم اليهود أن ستة ملايين يهودي قد أحرقوا في أفران الغاز وطبعاً اليهود لا يكذبون ‍‍‌‌.
وأمس 5/5/2001 زار البابا سوريا ، وهي المرة الأولى التي يزور فيها بابا الفاتيكان سوريا ، واستقبل – كالعادة – ببالغ الحفاوة والتكريم ، وتأتي جولة البابا - وهي الـ 93 له خارج الفاتيكان لإكمال مسيرة الحج على خطى القديس بولس من فلسطين إلى مصر والأردن وانتهاء بسوريا التي جاءها القديس شاؤول بهدف اضطهاد المسيحيين فأصبح على يد القديس حنانيا الدمشقي أحد دعاة المسيحية في العالم.

والعجيب في هذه التحركات البابوية : النشاط والتنازلات ولكن الأعجب هو دعوته البريئة إلى المصالحة وتوحيد الأديان وهذا ما يحتاج منا إلى وقفة تأمل لنرى ما وراء دعوة الرجل الطيب ‍‍.
يقول القس البروتستانتي مارتي الأستاذ المتفرغ بجامعة شيكاغو في مقال له بمجلة نيوزويك الأمريكية نشر في 27 مارس الماضي : إن المصالحة كلمة معروفة في القاموس المسيحي . ويقول إن المهمة التي يضطلع بها البابا ليست هينة ، ولكن يكفيه أنه يسعى إلى تذكير الناس بأنها فكرة لا ينبغي التبّرم بها . ويزعم الكاتب أن المصالحة لها بعدان أحدهما : بين الله والإنسان ، والآخر : بين الإنسان وأخيه الإنسان ، ثم يزعم أن المصالحة بين الله - تعالى ، عزّ وجل - قد حدثت بصلب المسيح عليه السلام حيث لم يأخذ الله الناس بأوزارهم ، وإنما خلصهم منها في شخص المسيح الابن . وهذه الفكرة يؤمن بها أكثر من مليارين من البشر هم أتباع الديانة النصرانية بمذاهبها المختلفة وهي - والكلام للقس مارتي - فكرة مقدسة تقوّي مفهوم الحب بين البشر وقد تبناها مصلحون نصارى كثيرون ، فدعوا للحب ، وقاوموا الكراهية والظلم . فجعل كل منهم من نفسه مسيحاً جديداً .
ولنا وقفة: إن فكرة المصالحة لا ينبغي أن تبرر الظلم بحيث يحاسب إنسان عن خطايا غيره ، ولا نظن أن العقل السليم المجرد يقبل فكرة الصلب بحيث إن الأب يذبح ابنه ليكفّر عن خطايا الآخرين . فلماذا لا يغفرها ابتداءً لتكون المصالحة كاملة ؟ فإن تعذرت المصالحة بالمغفرة فلا أقل من أن تكون مبنية على العدل . إذ كيف تزر وازرة وزر أخرى ؟

أما المصالحة بين البشر فيقول القس مارتي إنها موجودة في الكتاب المقدس فمثلاً يقول عيسى في موعظته على الجبل : إذا كنت جئت بقربانك عند المذبح ، وفي صدرك أن أخاك يكرهك ، فاترك قربانك واذهب ، وصالح أخاك أولاً ، ثم ارجع ، وقدّم قربانك . ثم يقول ليس البابا يوحنا بولس الثاني أول من سعى إلى المصالحة على أساس دجيني ، فالحركة البروتستانتية الأرثوذكسية الرسمية تحاول منذ مائة سنة مصالحة الأجنحة المتصارعة في النصرانية ، وكذلك أبدى البابا جون الثالث والعشرون من قبل مشاعر المصالحة تجاه النصارى الآخرين ، وتجاه اليهود. وفي الخريف الماضي قطع الفاتيكان مع الاتحاد العالمي اللوثري البروتستانتي شوطاً في المصالحة والتقارب ، وإن كان الطريق لا يزال طويلاً . كما ان اعتذار البابا الأخير لليهود من غير التعرض لجرائم النازية يثبت أن المصالحة لا تزال في أول الطريق . كما ان المصالحة بين الكاثوليك والمسلمين تخطو خطواتها الأولى وأخيراً ينادي القس أصحاب الأديان السماوية بالرجوع إلى أصل عقائدهم لدفع عجلة التحرك نحو السلام والمصالحة . ويضر المثال بالمجتمع الأمريكي الذي يعيش فيه المسلمون ذوو الأعداد المتنامية مع اليهود ذوي الأقلية ذات النفوذ الواسع ، مع الأغلبية المسيحية حيث يتعامل الجميع بحرية . ثم يقول إن المصالحة تعني التخلص من الحرب ومن الرغبة في التفوق ، والسعي للانتقام ، وتطويل أمد العداوة .

هذا الكلام الذي نقلناه باختصار يجعلنا نطرح سؤالين: لماذا الصراع ؟ وكيف المصالحة ؟ وللجواب عن السؤال الأول نقول إن الصراع هنا قائم على الاختلاف بين البشر في أصل العقيدة. وعندما تصل الاعتقادات إلى حد التناقض فلا بد أن تكون إحدى العقائد حقاً مطلقاً وغيرها باطلاً . وإذا أردنا التوفيق بين هذه العقائد كنا كمن يجمع المشرق والمغرب معاً ، أو كمن يقول إن الشيء موجود وغير موجود في الوقت نفسه . وهذا بالضبط كمن يريد الجمع بين الاعتقاد بأن عيسى عليه السلم عبد من عباد الله تعالى خلق بمعجزة ليست بأعظم من معجزة خلق أبيه آدم عليه السلام ، وبين الاعتقاد بأن عيسى ابن الله . إذ كيف يتخذ الرحمن ولداً ؟ ولماذا ؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
وكذا الحال في الجمع بين الاعتقاد في أن عيسى صلب والاعتقاد بأنه لم يصلب . فهل الله تعالى لا يقدر على أن ينجي عيسى من أعدائه كما نجى موسى عليه السلام ومن قبله إبراهيم ومن قبلهما نوحاً ؟ الله تعالى يقول : ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ) ويقول كذلك : ( بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً ). (سورة النساء: 157).
وما أبعد البون بين اعتقاد النصارى ذاته في كون عيسى إليهاً ، وبين اعتقادهم في أنه صُلِبْ . ولله درّ ابن القيم القائل :
عجباً للمسيح بين النصارى وإلى أيّ أب نسبوه
أسلموه لليهود وقالوا إنهم بعد قتله صلبوه
فإن كان ما يقولون حقّاً وصحيحاً فأين كان أبوه ؟
حين خلّى ابنه للأعادي أتراهم أرضوه أم أغضبوه ؟
أما كيف تكون المصالحة بين الأديان ؟ فإما أن تكون بالاجتماع على عقيدة واحدة ، وهذا ما ينادي به الإسلام : ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ، ولا نشرك به شيئاً ، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ، فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنّا مسلمون ). (آل عمران: 64) ومع ذلك فالإسلام قد فسح المجال لأهل الديانات الأخرى ، ولم يشهد التاريخ تسامحاً دينياً كالذي مارسه الإسلام تجاه أهل الأديان المخالفة . ولكنه مع ذلك جلّى الخلاف بينه وبينهم ، وأنذرهم عاقبة شركهم وإعراضهم عن الحق ، لأنه الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ليس إلا دين جميع الأنبياء والمرسلين ، من لدن آدم حتى عيسى عليهما السلام ، وبيّنن لهم أن الذي يدينون به دين محرّف ، بدليل اختلافهم فيه فيما بينهم .
هذا باختصار هو ما يقدمه الإسلام لأهل الأديان الأخرى ، فهل هو نفس ما يريده هؤلاء ؟ أغلب الظن أنهم يريدون مصالحة قائمة على التنازلات . وهذا ما لا بد أن نحذره ، لأن الله تعالى يقول : ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملّتهم ). إن التقريب بين الحق والباطل مبدأ خداع، لأنه يعني منتصف الطريق بينهما . وهذا لا يكون إلا بخسارة الحق ، وفقدانه مساحة من أرضه . ولذا لا بد أن نتذكر قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : [ فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم ] . (الزخرف: 43).

مواد ذات الصله



تصويت

قال بعض السلف :متى رأيت تكديرا في الحال فابحث عن نعمة ما شُكِرت أو زلة فُعِلت قال تعالى(ذلك بأن الله لم يك مغيِّرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). في رأيك ما هو أهم سبب لزوال النعم؟

  • عدم شكرها
  • عصيان المنعم بنعمته
  • منع النعمة عن مستحقها
  • الإسراف والتبذير
  • جميع ما سبق