مخيم الفارعة شاهد على مأساة اللجوء

2670 0 487


من إجزم وعين غزال وأبو شوشة في لواء حيفا، ومن العباسية وأبو كشك في يافا، ومن مجدل صادق وشحمة في الرملة، ومن يازور واللجون وبيسان وعكا، ومن غيرها من القرى والمدن المهجرة في فلسطين المحتلة عام 1948 وفد أهالي هذا المخيم "الفارعة".
تشتتوا في أصقاع الضفة الغربية فاستقر بهم المقام في أريحا، ولما انتشرت الحشرات والأوبئة هناك نقلوا إلى سفح الفارعة بين نابلس وجنين، فأتى الشتاء على خيامهم فاقتلعها من جذورها. وهكذا استمروا في التنقل إلى أن سكنوا التلة التي يقبع عليها هذا العرين المرابط المسمى الفارعة. ولأن المعتدي لا يكف عن ملاحقة الضحية، فقد أقيم جوار مخيم الفارعة سجن الفارعة الشهير والذي أغلق في العام 1995، ليشكل على مدار عقود مضت صفحة سوداء في معاناة لاجئي مخيم الفارعة الذين فقدوا بسبب هذا المعسكر الصهيوني 25 شهيدا في الانتفاضة الأولى.
ويكفي القول إن أعلى نسبة إصابات وإعاقات في الضفة الغربية خلال الانتفاضة الأولى حسب الإحصاءات الرسمية كانت في مخيم الفارعة. وبسبب هذا السجن العسكري والذي تم تحويله بعد انسحاب الجيش الصهيوني إلى مركز شبابي كشفي لمحافظات الشمال فإن مساحة المخيم لم تزد عن خمسين دونما هي حصة أهل هذا المخيم من كل ما يحيط بهم من سهول خضراء.
ورغم سكون هذا المخيم، فإن الولوج في رحابه ينبئك بالكثير عن معاناة أهله. فمن مواطنين ما زالوا يسكنون بيوت الطين، إلى إهمال متعمد من قبل المؤسسات حسبما يقول أهالي المخيم، إلى بؤرة احتكاك مباشرة مع الجيش الصهيوني بفعل وقوع المخيم على شارع رئيسي، إلى قنوات الصرف الصحي المكشوفة والجارية بين المنازل، إلى 14 شهيدا قدمهم المخيم منذ اندلاع انتفاضة الأقصى إضافة إلى عدد كبير من الجرحى منهم خمسة إعاقتهم دائمة.

** الموقع الجغرافي:***
يقع مخيم الفارعة على مسافة 17 كم شمال شرق مدينة نابلس، 5 كم جنوب بلدة طوباس و 25 كم جنوب مدينة جنين، (على طريق نابلس - طوباس)، عبر طريق ملتو، وهو جزء من منطقة جبلية. يقع المخيم على تلة صخرية منحدرة، يظهر فيها المخيم كقلعة فوق تل محاط بسلسلة جبال. ويقبع على ملتقى خطوط مواصلات، تصل القرى المحيطة بالأغوار، مثل: سيريس، الجديدة، ميثلون، صانور وياصيد. و يحيط به مجموعة من القرى منها طلوزة، الباذان، طمون، طوباس وسيريس. وتعود أصل التسمية إلى عين الفارعة المحاذية للمخيم، ونسبت للفارعة بنت همام أم الحجاج بن يوسف التي شربت من هذا العين، ذات المياه العذبة دائمة الجريان، و تقدر مياه هذا النبع ب 2.50 مليون متر مكعب سنويا.

** لمحة تاريخية :***
أقيم هذا المخيم على أرض مستأجرة، سلمت لوكالة الغوث الدولية من قبل وزارة الإنشاء والتعمير الأردنية سنة 1949م، لبناء مخيم للاجئين عليها، بعد نكبة 1948م، وهذه الأرض جزء من أراضي طوباس وأراضي عائلة عبد الهادي وقد شيد المخيم عام 1950م.
حيث أقامت وكالة الغوث الدولية في بداية الأمر خياما للسكن والمؤسسات العامة من مدارس وعيادة ومسجد، واستمر الوضع حتى عام 1951م. وفي سنة 1951م تم إنشاء بيوت من الاسبست. وفي عام 1952م: تم إنشاء بيوت من الأسمنت، وما بين الأعوام 1958 - 1959م تم إنشاء قسم آخر تابع للمخيم، يقع إلى الغرب من المخيم أصبح فيما بعد جزءا منه، ويدعى هذا القسم بالمخيم الغربي. ويعود سبب اختيار هذا الموقع لبناء مخيم عليه إلى عاملين:

1- القرب من رأس نبع المياه، والمسمى نبع رأس الفارعة.
2- ليتمكن السكان من العمل في الزراعة، لان الموقع زراعي، وبحاجة إلى أيد عاملة في ذلك الوقت، حيث أن المنطقة مشهورة جدا بالزراعة، وخاصة الحمضيات والخضار بكافة أنواعها، وتكثر فيها الآبار الارتوازية، والتي تستخدم لسقي المزروعات.
وتبلغ مساحة المخيم 225 دونم معظمها جبلي، ويسكن في مخيم الفارعة حاليا، حوالي 6916 نسمة. وقد بلغ عدد السكان في المخيم عام 1967م حسب الإحصاء الإسرائيلي حوالي 2544 نسمة، وعام 1987م حوالي 4302 نسمة.
تعود أصول سكان المخيم إلى حوالي 81 قرية ومدينة من أراضي فلسطين عام 1948م، حوالي 80% منهم قدموا من شمال فلسطين من منطقة حيفا، والباقي من الوسط والجنوب. وفي البداية تم نقل عدة عائلات من العوجا إليه، ثم بدأ نقل كثير من اللاجئين الفلسطينيين إليه من عدة مواقع أخرى.وقد شهد المخيم حتى أوائل التسعينات هجرة عكسية إلى خارج المخيم، وبالتحديد إلى منطقتي طولكرم وجنين، وذلك لقرب هذه المدن من أماكن العمل في داخل فلسطين المحتلة عام 1948، إلا أن نسبة الهجرة حاليا قليلة جدا بسبب التكاليف العالية للسكن خارج المخيم والبطالة المتفشية في صفوف الشعب الفلسطيني عموما. حيث تبلغ نسبة المقيمين داخل المخيم من مجموع سكانه الأصليين 72%والمقيمين خارجه 28%، أما الكثافة السكانية فيه فتقدر بحوالي 35-40م2 /نسمة.

** مخيم الفارعة تحت الضوء:***
التقينا السيد ياسر أبو كشك، رئيس اللجنة الشعبية في مخيم الفارعة، والمكونة من مختلف الأطر السياسية داخل المخيم ليتحدث لنا عن الإشكاليات التي يعايشها سكان الفارعة سيما في ظل تصاعد الإجرام الصهيوني في انتفاضة الأقصى، حيث قال: يتميز هذا المخيم بكونه المخيم الوحيد من كل مخيمات اللاجئين الذي لا يقع بجوار مدينة، مما أعطاه صفتين إحداهما إيجابية والأخرى سلبية، أما الأولى فهي انه يتمتع بجو ريفي، ويقع في منطقة يمكن اعتبارها صحية إلى حد ما على عكس المخيمات الأخرى ذات الأجواء الموبوءة و المزدحمة حول المدن.
والجانب السلبي في هذا والذي شكل معاناة للمخيم تمثلت في انه مغيب من قبل المؤسسات بشكل كبير. حيث هضمت حقوق سكانه على جميع الأصعدة حتى من قبل وكالة الغوث في بعض الأحيان، ويفصل ذلك قائلا: "يقوم الصليب الأحمر الدولي وبشكل دوري بتوزيع القرطاسية ومستلزمات الطلبة على جميع القرى المحيطة بنا، بينما يمنع من دخول المخيم بقرار من وكالة الغوث التي لا تقوم بذات المهمة التي يقوم بها الصليب الأحمر. بل إن الوكالة تهمل المخيم حتى في توزيع المساعدات التموينية، فهي توزع كل أربعة شهور مرة، ولا يصلنا إلا نصف ما يصل المخيمات الأخرى، حيث تعطى أولوية للمخيمات القريبة من المدن.

** إهمال وكالة الغوث00 واستشهاد الطفل محمد مبارك:***
لا يتوقف قصور عمل الوكالة في هذا الجانب، إذ أن أهل المخيم لم ينسوا إلى الآن قصة الشهيد محمد احمد مبارك، والذي استشهد بسبب إهمال عمل العيادة التابعة للوكالة في المخيم، وقد حدث حينها احتجاجات كبيرة من قبل المواطنين ضد هذا القصور الذي أودى بحياة طفل بريء. وقد جرت تفاصيل القصة على النحو التالي:
بسبب وقوع المخيم على الشارع الرئيسي الذي تمر به دوريات عسكرية بشكل دائم، تطلق قوات الاحتلال النار والغاز المسيل للدموع باتجاه الطلاب أثناء خروجهم من المدرسة، وفي إحدى المرات أصيب الطفل محمد جراء استنشاق الغاز، ولم تكن إصابته حرجة، وتم نقله إلى مقر العيادة حوالي الساعة الثانية، ولسوء الحظ فان الطبيب المناوب لم يكن موجودا، ولصعوبة نقله إلى طوباس وهي أقرب مدينة من المخيم وتبعد عنه بنحو 12 كلم، ولعدم توفر سيارة إسعاف خاصة بالمخيم ولكثرة وجود الحواجز العسكرية بين طوباس ومخيم الفارعة استشهد الطفل محمد مبارك ! وقد خصتنا اللجنة الشعبية بصور عن كتب المراسلات بينها وبين وكالة الغوث واللجنة الشعبية قبل وبعد الحادثة
ويذكر هنا أن أهالي المخيم كانوا قد حذروا الوكالة من عدم توفر طبيب مناوب طوال الوقت في المخيم الذي يشهد مواجهات يومية مع دوريات الجيش الصهيوني. ورغم كل النداءات السابقة بين اللجنة والسيد كوك، إلا أن الوكالة لم تستجب لطلبهم مما نتج عنه استشهاد الطفل محمد مبارك. و حمل أهالي المخيم وكالة الغوث المسئولية الكاملة عن استشهاد ابنهم.

** غياب المؤسسات الوطنية: ***
وإذا كان هذا هو حال قصور عمل الوكالة فان المؤسسات الوطنية لم تكن بأحسن حالا كما يضيف السيد أبو كشك. فوزارة الشئون الاجتماعية في السلطة الفلسطينية تسقط المخيم من حساباتها تحت ذرائع واهية، فكلما توجه أهالي المخيم إلى مقر الوزارة في نابلس، اخبروهم أنهم تابعون لجنين، وعندما يتوجهوا إلى جنين اخبروهم أنهم تابعون إلى نابلس. وعليه فقد ضاعت حقوق المخيم بين سوء الإدارة في جنين ونابلس.
وتتضح المشكلة أكثر إذا علمنا أن المخيم لم يدخله منذ بداية انتفاضة الأقصى سوى / 40 / طردا غذائيا فقط هي مجمل المساعدات التي وصلت، مقارنة بأرقام مرتفعة جدا في المناطق المجاورة، حسبما يقول الأهالي.

** سلطة المياه ترفض: ***
لم تكن سلطة المياه الفلسطينية بأحسن حالا في تعاملها مع أهالي المخيم من غيرها. فقد قامت مؤسسة دولية بالتبرع بمبلغ 1.2 مليون( شيكل) من اجل حفر بئر للمخيم إلا أن سلطة المياه رفضت ذلك بحجة أن حفر هذا البئر يؤثر على مياه نبع الفارعة، علما بان دراسة أجريت وأثبتت انه لا علاقة لحفر البئر بمياه الفارعة، إضافة إلى وجود أكثر من 20 بئرا في الجوار لأهالي القرى المجاورة. وقد زودنا بكتب توضح ذلك من قبل اللجنة المحلية، التي أضافت أن سلطة المياه أخبرتهم بعد أن أوضحوا لهم أن البئر لا يؤثر على مياه نبع الفارعة بان هذه مجرد حجة وأنهم لن يوافقوا على حفر البئر، الأمر الذي حدا بمؤسسات المخيم إلى رفع كتاب إلى رئس السلطة الفلسطينية يناشدونه فيه التدخل لحفر البئر، إلا أن ذلك لم يجد إلى الآن.

** الجانب التعليمي:***
يتمتع المخيم بنسبة تعليم مرتفعة. إذ يوجد في المخيم الآن أكثر من 300 طالب جامعي يتوزعون على مختلف جامعات الوطن، إضافة إلى مئات آخرين تخرجوا قبلهم، وعلى صعيد التعليم الإلزامي يتوزع نحو 2000 طالب وطالبة على مدرستي المخيم، مما يعني اكتظاظا في الصفوف كما في باقي المخيمات. وما أن ينهي الطلبة الصف التاسع الأساسي فإنهم يتوزعون على مدارس القرى المجاورة لعدم وجود مدرسة ثانوية قريبة منهم سوى في طوباس التي تبعد 12 كلم.

** سنعود إلى أرضنا:***
"نحن نقدم الشهداء، ولكن في النهاية سنحصل على وطن، وسنعود إلى أرضنا منتصرين، القضية ليست قضية كيس طحين ولا تكاليف معيشة. نحن على استعداد أن نسكن الخيام ونبقى نقاتل حتى النهاية، فالقضية قضية وطن"، هذا ما عبر عنه أعضاء اللجنة المحلية في مخيم الفارعة بعد أن انهوا حديثهم عن معاناة السكان ومشاكلهم، مؤكدين أن لا شيء يمكن أن ينسيهم بلدانهم التي هجروا منها في فلسطين المحتلة عام 1948

مواد ذات الصله



تصويت

في شهر شعبان تهب علينا رياح الحنين لشهر رمضان المبارك، نسأل الله أن يبلغنا إياه ما هو أكثر شيء تشتاق إليه في رمضان؟

  • - التراويح والقيام
  • - صحبة المصحف
  • - التزاور
  • - الصدقات
  • - غير ذلك