الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أشعر بكتمة الصدر وأحس بانقباض في جسدي، ما العلاج؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نشكر جهودكم الكبيرة عسى الله أن يجعلها في ميزان حسناتكم.

لقد سبق وأن أرسلت استشارة، وأجبتموني، بعد ذلك والله وحده يعلم كم ارتحت نفسياً، ولكن بقي الكثير من المعاناة داخلي، حيث إنني ولدت -والحمد لله- وأنجبت بنتاً طبيعية، بالرغم من مخاوفي، ولكن قلقي النفسي مستمر وفي ازدياد -ولله الحمد-.

لقد نصحتموني بأن أذهب إلى طبيب نفسي، ولكن يصعب علي ذلك جداً، وأملي في الله ثم فيكم، وأتمنى أن أجد لديكم العلاج لحالتي، لأنني أتعذب كثيراً، ولا أحس بحلاوة الحياة.

أشعر بكتمة الصدر وأحس بانقباض في جسدي ووجهي، حتى عند الكلام أحس بهذا الانقباض، وعدم الارتياح في الكلام، ورهاب من الناس، وعندي وساوس من أنني تحت المراقبة! لا أحس بكآبة، ولا أفكر في الانتحار ولو أن نومي جيد، ولا تأتيني أحلام مفزعة في النوم.

كما أنني أكون جداً سعيدة عند ظهور مناسبة، لكن بمجرد أن أكون وسط الناس أحس بأنني مخنوقة جداً، وقد بدا على الجميع ملاحظة ذلك، وقد أحسست بتغير في المعاملة، تميل إلى الاحتقار، وهذا يزيد من عذابي، ولقد مرت سنتان وأنا على هذا الحال!

بماذا تنصحونني؟ علماً أنني مرضعة، وأتمنى أن أجد العلاج على يديكم، وأن لا تبخلوا علي بنصائحكم القيمة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ رباب حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،

شكراً لك على السؤال، والتواصل معنا.

طبعاً إنه لأمر طبيعي أن يشعر الإنسان ببعض الارتباك عند الحديث حينما يكون وسط جمع من الناس، وخاصة إذا كانوا أكبر منه في العمر أو في المكانة الاجتماعية، وإنه لأمر طبيعي أيضاً أن يشكك الإنسان بنفسه قليلاً عندما يحاول القيام بمشروع ما.

ربما بعض هذا الشك والقلق يدفعنا للتحضير والاستعداد المناسبين لهذا العمل، وإذا اشتدت أعراض الارتباك أمام الناس، وخاصة أنك تشعرين بضيق الصدر والاختناق، فالغالب أنها حالة من الرهاب الاجتماعي.

لكن أريد أن أذكر أيضاً موضوعاً هاماً، وهو موضوع الثقة بالنفس، والناس عادة نوعان في مصدر ثقتهم في أنفسهم، وتقديرهم لذاتهم.

النوع الأول يأخذ تقديره لذاته، وبشكل أساسي من خلال نظرة الآخرين له، وبحيث عندما يرتاحون له ويثقون به، نجد أن ثقته بنفسه قد زادت، بينما عندما يستصغرونه، ولا يقيمون له بالاً، فإن ثقته بنفسه تنقص ولحدّ كبير، وقد يعاني كثيراً من شعوره هذا عن نفسه، والذي لا يحبه ولا يرضاه، إلا أنه هكذا اعتاد.

النوع الثاني، هو يعرف قيمة نفسه، ويثق بإمكاناته، وبغض النظر عما يعتقده الناس فيه، وسواء عليه قدّروا عمله أم لم يقدّروه، فهذا قد يؤثر فيه بعض الشيء إلا أنها لا تهزّ ثقته في نفسه وتقديره لها.

من الأمور الهامة لحياتنا ولصحتنا النفسية، هو أن نقدّر ذواتنا، وبحيث لا نسمح للآخرين أن يحطموا هذه الثقة بالنفس، وخاصة أن الناس قد لا يقدّرون الأثر الكبير الذي يمكن أن يتركه كلامهم عنا في أنفسنا وحياتنا، وهنا تأتي مسؤوليتنا الشخصية عن أنفسنا في حمايتها، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول لنا "إن لنفسك عليك حقاً"، وإذا لم نقدّر نحن هذه النفس التي نحملها بين جنبينا، فكيف لنا أن نطالب الآخرين بتقديرها؟!

حاولي أن تنمي ثقتك في نفسك، ولتكوني من النوع الثاني الصحيّ، وذلك من خلال أمور كثيرة، ومنها تنمية المهارات المختلفة التي تتقنينها، وكذلك الهوايات والاهتمامات المتنوعة، وحاولي أن تكرري في نفسك بعض العبارات الإيجابية عن نفسك من مثل "أنا قادرة" و"أنا أستطيع".

الله تعالى يقول لنا رافعاً ثقتنا في أنفسها لتقديرها "ولقد كرّمنا بني آدم" ويقول "وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض".

بالنسبة لعلاج الرهاب الاجتماعي، فالأفضل والدائم هو العلاج المعرفي السلوكي، وذلك عن طريق إكثار اللقاء بالآخرين لتجنب الشعور بالخوف والارتباك، وإنما اقتحام هذه المواقف والحديث مع الناس، ويمكن أن تكون البداية بمجرد التواجد مع الزحمة من الناس، ومن ثم الحديث لفترة قصيرة مع مجموعة صغيرة من الناس، وحتى تطمئني للحديث معهم، وما هو إلا وقت قصير حتى تجدي أن هذا الخوف قد خفّ أو اختفى، فهذا العلاج السلوكي هو الأفضل في مثل هذه الحالات، ويمكن عادة أن يشرف على هذه المعالجة أخصائي نفسي يتابع معك تطور الحالة.

إذا طالت المعاناة، فيمكنك الاستعانة بأحد الأخصائيين النفسيين ممن يمكن أن يضع لك برنامجاً علاجياً، ويتابع معك هذا العلاج.

يمكن للطبيب النفسي أيضاً أن يصف لك أحد الأدوية التي تساعد عادة على تجاوز مثل هذه الأعراض، والتي يمكن حتى أن تدعم تأثير العلاج السلوكي، وهناك عدد جيد من هذه الأدوية، ومنها دواء "باروكستين" وهو في جرعة 20 ملغ، وإن كان عادة نبدأ بنصف الحبة (10 ملغ) لأسبوع تقريباً، ومن ثم الجرعة الكاملة 20 ملغ مرة واحدة في المساء.

ننصح عادة باستعمال الدواء لعدة أشهر تصل إلى ثلاثة أشهر، والعادة أن يتابع العلاج الطبيب، من أجل التأكد من فعالية العلاج، وتحديد مدة العلاج وكيفية إيقاف الدواء، والذي ينصح أن يكون بالتدريج من أجل تفادي أعراض الانسحاب، ونحن ننصح عادة وبشكل عام باستعمال الأدوية النفسية تحت إشراف طبيب متخصص، إلا إذا تعذر الأمر كثيراً.

هناك أيضاً دواء الإنديرال، وخاصة للتخفيف من الأعراض الجسدية الفيزيولوجية كالارتعاش والتعرق وغيرها، الأمر الذي يمكن أن يشجعك على الاقتراب من الناس وعدم الرهبة منهم.

وفقك الله، ويسّر لك الخير.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً