الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

اعتزلت الناس حتى أدمنت العزلة، فكيف أتخلص منها قبل ضياع العمر؟

السؤال

السلام عليكم.

أنا فتاة عمري 28 سنة، عزباء، تركت الدراسة في 2008، كنت قبل هذا اجتماعية، أحب الخروج رغم مشاكلي النفسية، ورغم أنني أعاني من رجفة في يدي ورقبتي عند الأكل أمام الناس، لكنني كنت أواجه كل هذا ولا أهتم، وأحتسب الأجر عند لله، ولم أستعمل أي أدوية.

بعد عام 2008 أصبحت في عزلة بحكم الظروف، وبحكم طبيعة المجتمع السعودي، فلم أكن أخرج، ولا أجد من يخرجني، وكنت أتسوق نادرا، بسبب بخل والدي الذي كان مقصرا معي، رغم أنه لم يكن مقصرا مع أخواتي، وكنت أحصل على القليل من هدايا جداتي وأمي.

في عام 2011 كانت آخر مناسبة زواج حضرتها، بحكم طبيعة ووقت الزواج عندنا، والتي لم تناسب مزاجي، وفي عام 2012 قررت حضور زواج إحدى قريباتي، ولكن أمي رفضت بحجة أن ملابسي غير مناسبة، وأمرتني بتغييرها، لكنني عاندت ولم أذهب للعرس، وقررت مقاطعة حفلات الزواج.

مرت السنوات، ونحن في عام 2015 وأنا لا أختلط بأحد، ولا أجالس أحدا، ولا أحضر الحفلات، لكني في 2014 تناولت لوسترال، كنت قررت أن آخذه عندما تمت خطبتي، فقررت تناوله ليساعدني في بداية زواجي، لكن الخطبة لم تستمر، والدواء كان جيدا نوعا ما، لكن نتائجه انتهت بعد خمسة أشهر.

ومنذ سنتين مرضت بالتهاب المعدة بسبب الحموضة وسوء التغذية، وإلى الآن أشعر ببعض الألم أحيانا، وقبل تسعة أشهر أصابتني هذه الأعراض عند الشعور بالخوف، أو مواجهة أحد، حتى كنت أشعر بالغثيان والتوتر والإسهال عندما أقرر الخروج، فكنت أذهب إلى الحمام بعد نصف ساعة من تناول الطعام، لأنني أشعر برغبة في الإخراج، فأشعر بالتعب من حالة الإسهال والتوتر والقلق والإرهاق، مما يزيدني عنادا في أن لا أختلط بالناس، ولا أخرج من عزلتي، وأبقى في فراشي.

بحثت في الإنترنت عن حالتي، فوجدت -على ما أظن- ما يسمى بتهيج الأمعاء - القولون العصبي-، فأنا لست متأكدة، لكن في بداية حالتي ذهبت إلى مستوصف حكومي، ولم يشخصوا حالتي، فقط أعطوني أدوية، ولم تنفع.

أنا أريد أن أخرج من عزلتي، لكن في مجتمعي صعب، فمرات أقول لنفسي: لو أنني لست في السعودية لكنت خرجت من وحدتي وعزلتي بسهولة، ولكن ليس من حل سوى الزواج، أطلب منكم الحل، أريد دواء مناسبا يخرجني من عزلتي التي دامت قرابة خمس سنوات، وسببت لي الكثير من الوساوس والمتاعب والاكتئاب، ولأنني لم أنعزل عن الناس بسبب الرهبة، يعني ليس لدي الخوف من الناس -ولله الحمد-، عندي فقط الرجفة وبعض الارتباك وعدم التعود، والسبب أنني تعودت على الوحدة والعزلة، وبسبب نظرة المجتمع للفتاة العزباء، أريد حلا أرجوكم، هل من دواء للعزلة، أم الشخص يجب عليه أن يتغلب عليها بنفسه؟ وما هي الطريقة؟ وهل هي مرض؟

وسؤالي الثاني: هل حالتي التي ذكرتها هي القولون العصبي؟ وأريد وصفة دواء لعلاجه أو حتى مسكن، وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مسك الجنة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

لا أدري لماذا من دون إخوتك لا يعطيك والدك المال اللازم لشراء حاجاتك وفي ذات الوقت يُعطي لإخوتك، وأُمُّك تُصِرُّ عليك على لبس زيّ ولباس معين، هل في شخصيتك شيء من العناد لوالديك؟ ولذلك هما يتصرفان معك بهذه الطريقة كعقاب لك، أم ماذا؟

هذا الأمر كنت أريد لو فصَّلتِ فيه أكثر، ولكن على أي حال: ما تحسين به من اضطرابات القولون ما هو إلَّا أعراض قلق وتوتر، تأتي في شكل اضطرابات في الجهاز الهضمي كإسهالٍ - وهكذا - وواضح أنه توجد أعراض جسدية أخرى للاضطرابات من قبل - كما ذكرت -: خفقان القلب، وارتجاف اليد عند مقابلة الناس، فأنت تعانين من بعض سمات القلق الذي يأتي في شكل أعراض جسدية.

واضح أنك تحسَّنت على الـ (لسترال Lustral) لأنه يزيد مادة الـ (سيروتونين Serotonin) في مخ الإنسان، ويُساعد في علاج الاكتئاب والقلق والتوتر.

العزلة الاجتماعية ليس لها علاج كيميائي - أي دوائي - يجب أن تُخرجي نفسك أنت منها، يجب أن تتعايشي مع ظروف المملكة وتقاليدها، وتحاولي بقدر الاستطاعة أن تتحرَّكي في الوسط المتاح لك، وسط أقاربك أو صديقاتك، تحرَّكي، اختلطي بالناس، اخرجي من هذه العزلة، أنت التي بيدك إخراج نفسك من العزلة، وقد ذكرتِ مرارًا أنك لا تعانين من الرهاب الاجتماعي، إذًا بيدك أنت وحدك تفكين العزلة، وقبل أن تفكي العزلة مع الأقارب والأصحاب، أرجو أن تحاولي تحسين العلاقة بينك وبين والديك، حاولي طاعتهما في المعروف، وأحسني إليهما، و-إن شاء الله تعالى- هم سيحسنون إليك.

الحبوب أو الأدوية التي تُساعد في أعراض القلق والتوتر كثيرة، وطالما استفدتِ من اللسترال فيمكن الرجوع إليه أيضًا، لسترال أو كما يُسمَّى علميًا (سيرترالين Sertraline)، خمسين مليجرامًا، ابدئي بنصف حبة - أي خمسة وعشرين مليجرامًا - قبل النوم لمدة أسبوع، ثم بعد ذلك حبة كاملة، وسوف يبدأ في العمل والمفعول في خلال أسبوعين، وسوف تزول أعراض القلق والتوتر -إن شاء الله تعالى- خلال ستة أسابيع إلى شهرين، ويمكن الاستمرار في تناوله لمدة ثلاثة أشهر، مع الاختلاط وفكّ عُزلتك، و-إن شاء الله تعالى- تعيشين حياة طبيعية.

وفَّقك الله وسدَّدك خُطاك.
--------------------------------------------------
انتهت إجابة: د. عبدالعزيز أحمد عمر -استشاري الطب النفسي وطب الإدمان-،
وتليها إجابة: د. أحمد الفرجابي -مستشار الشؤون الأسرية والتربوية-.
-------------------------------------------------
مرحبا بك -ابنتنا الكريمة- في موقعك، ونتمنى أن تستفيدي من توجيهات مستشارنا النفسي الفاضل، ونشكر لك الاهتمام والسؤال، ونسأل الله أن يوفقك، ويصلح الأحوال، وأن يقدر لك الخير ويحقق الآمال.

لا شك أن من كتبت هذه الاستشارة تمتلك قدرات كبيرة، فالكلام واضح ومرتب، ونسأل الله أن يزيدك توفيقا وخيرا، واعلمي أن المؤمنة التي تخالط وتصبر خير من التي لا تخالط ولا تصبر، فتوكلي على الله، وتداخلي مع من حولك، واذهبي إلى دور القرآن، وشاركي في المحاضرات والتجمعات والفعاليات، واعلمي أن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، وتعوذي بالله من شيطان يجلب لك الأحزان، ويحاول أن يعزلك عن بنى الإنسان فعانديه، واكسري الحواجز الوهمية، وتقربي قبل ذلك لرب البرية، واعلني رضاك بقضائه وقدره، وانظري إلى من هم أقل منك، كما وجهنا رسولنا -صلى الله عليه وسلم-، وطبعا هذا في أمور الدنيا، أما في أمور الآخرة، فالمطلوب النظر إلى من هم فوقنا، لنتأسى بهم، وإذا شكر الإنسان ما أولاه الوهاب، نال بشكره المزيد، وحفظ الله عليه ما أعطاه فلا يبيد.

وهذه وصيتنا لك بتقوى الله، ثم بكثرة اللجوء إليه، ونؤكد لك ما قاله لك الطبيب من ضرورة القيام بخطوات عملية في كسر العزلة، والتخلص من قيودها الوهمية، وسوف تجدين من كن في وضع أصعب لكنهن تجاوزن الصعاب، وعندك بسيط ولك تجارب ومشاركات، ولا تهتمي بنظرات الناس، وتذكري أن رضاهم غاية لا تدرك، والعاقلة مثلك تجعل همها إرضاء الله العظيم، وقد أسعدنا تواصلك، ونتمنى أن تستمري في التواصل مع الموقع، ونتشرف نحن بخدمة أبنائنا وبناتنا، والحل بيدك، فاستعيني بالله وتوكلي عليه، واقتربي من والديك ومن أفراد أسرتك، ونسأل الله أن يسهل أمرك، وأن يلهمك السداد والرشاد، وأن يضع في طريقك رجلا من المصلحين العباد، وأن ينفع بكما البلاد والعباد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً