هل تصرفات أخي دليل على مرضه النفسي؟

2011-05-24 09:26:37 | إسلام ويب

السؤال:
نحن عائلة مكونة من ثمانية أشخاص, نعيش في الغربة بعيدا عن الوطن, هو الخامس بيننا, خلال المرحلة الابتدائية كان كثير الحركة ومشاكسا في المدرسة فهو يكرهها, ويعاني من صعوبة في الحفظ, وقلة تركيز، بينما نحن إخوته كنا من المهتمين بالدراسة والمتميزين, شخصيته حساسة مما جعله عرضة للسخرية من قبل زملائه, والتعنيف من قبل معلميه, كتوم, ولم يكن يبوح لنا بشيء مما كان يتعرض له من ضرب من قبل معلميه وزملائه, وفي البيت مشاكس, وكثيرا ما كان يتعرض أيضا للتوبيخ والتعنيف والطرد لعدم هدوئه, وكثرة مشاغبته, وعدم تصرفاته المتزنة.

عمره الآن 20 عاما, منعزل اجتماعيا, ترك المدرسة بعد أن أنهى الصف الثاني ثانوي, رافض للعمل في أي مجال يكون فيه ناس, وذلك بعد تجربة فاشلة في العمل؛ حيث اشتغل في مكتبة وكان صاحب المكتبة قاسيا جدا معه، فكثيرا ما كان يوبخه على أخطاء بسيطة، ولم يكن يتجاهل له شيئا وفي الأخير طرده، وبعدها أصبح شرطه أن يعمل أن يكون في مكان خالٍ من الناس.

ليس لديه أي صديق, وفي المرحلة المتوسطة تعرف على طالب ولكنه كان صديق سوء, ولم تنجح علاقته معه, لا يحتك بأفراد أسرته إلا نادرا -عند مصلحته- لحوح عند رغباته, وعنده نفس طويل في الجدال وإقناع من أمامه لتحقيق رغباته, كثير الطلبات, يفكر في نفسه كثيرا, ويشكو بين الوقت والآخر من ضعف نظره أو رائحة في فمه أو غيره, وعندما شكا من الرائحة في فمه, وذهب به للطبيب أصر أن لا يذهب معه أحد منا خصوصا والدي, وعندما ذهب لدكتور العيون لفحص نظره لم يكن عنده أي مرض فيها وأعطاه معقما, وعند انتهاء الدواء قال أخي إنه لم يستفد, وإن ألم عينيه لم يزل مستمرا, وأصر على أن يذهب لدكتور ثانٍ وثالث! شكاك لدرجة كبيرة, يهتم كثيرا بنظافة هندامه؛ حيث إنه يغسل ملابسه بمفرده, يهتم أيضا بصحته, ويبحث كثيرا عن ما يعزز ويحسن الصحة, يرفض أن يرافقنا لأي مكان, ملتزم بالصلاة في المسجد ويحافظ على الأذكار والتسبيح وعلى ورده من القرآن يومياً.

ذهب به أبي لدكتور نفسي وذلك بعد ترجٍ شديد له؛ لأنه كان يرفض الذهاب, وشخص الدكتور حالته بالوهم الضلالي بناء على ما ذكره له والدي من تصرفات, ولكن بالنسبة لأخي فهو لم يتحدث مع الطبيب سوى أنه يعاني من فقد الثقة بنفسه ويريد حلا لذلك, وعندما سأله الطبيب لماذا؟ لم يجب, كتب لنا الدكتور دواءين، وقال يجب أن يأخذهما وإن رفض فيجب إدخاله المستشفى حتى يعطوه إياه بالطريقة المناسبة, ولكنه رفض الدواء، وقال إنه ليس مريضا، بل كل ما عنده اكتئاب وقد ذهب, وحتى نحن لا نشعر أن عنده ذلك المرض فهو لا يبدو عليه أنه مريض, يأكل ويشرب, ومستمع بحياته, ويشاهد البرامج التي يفضلها, ويذهب لممارسة الرياضة, وبدأ الآن بحفظ القرآن الكريم, ولكن مشكلته معنا ومع أبي بالتحديد.

مع العلم أن معاملته معنا أنا وأمي تحسنت في الآونة الأخيرة, فأصبح يطلب مني إذا احتاج شيئا ويأخذ ويعطي مع أمي بالحديث عندما تتحدث معه بخلاف السابق، فقد كان يرفض الحديث مطلقا معنا, ولكن كل ما يقلقنا انتقامه من أبي, حاول أبي تحسين معاملته معه, فأصبح يلبي أي طلب له ليعبر له عن حبه له, وأصبح يجلس معه, ويحاول التقرب منه، وأوضح له أن ضربه وتعنيفه له في الصغر لم يكن إلا لمصلحته, ولكن دون جدوى، فلم يغير ذلك من تجنبه واعتزاله لنا, بدأ يدخن منذ فترة، وعرفنا ذلك - دون أن يعلم بعلمنا- من رائحة ملابسه, وترافق مع فترة تدخينه ظهور أعراض انتقام من أبي, وتطاول عليه, فوجدناه مرة قد أحرق نظارة أبي، وأخرى مزق فيها ثوبه, وغير ذلك.

مع العلم أنه عندما كنا صغارا كان عندما يغضب من أي أحد يفعل ذلك معه فيمزق ملابسه أو يخرب أي شيء له, هل أخي مريض نفسيا؟ وكيف نستطيع إنهاء حالة العزلة التي يعيشها؟ وكيف نجعله ينخرط في المجتمع؟ وكيف نتعامل معه حيال ذلك؟ والأهم كيف ننهي حالة الانتقام التي يعيشها تجاه أبي؟

وجزيتم خيراً.


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ زهور الريف حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،

فليس من السهل حقيقة أن يشخص الإنسان دون أن يتم الفحص عليه، لكن المعطيات التي وردت في رسالتك تعطينا بعض المؤشرات التي نسأل الله تعالى من خلالها أن نتوفق في أن نقدم لكم النصيحة المفيدة.

الذي استخلصته من حياة هذا الشاب وتدرج تطوره الاجتماعي وما حدث له في المدرسة، وبعد ذلك افتقاد الوظيفة وانعزاله وتقلب مزاجه، والشكوك، والظنان الذي يعاني منه، أستطيع أن أقول: إن لديه علة نفسية ولا شك في ذلك، والعلة حقيقة نعطيها الانطباع بما يسمى بحالة بسيطة من الفصام الوجداني، والفصام الوجداني هو معلومة من أعراض المخاوف والانعزال والقلق والتوتر وربما شيء من الاكتئاب مع بعض الظنان، والذي يسمى بالتوهمات أو الضلالات، وهنا يحاول الإنسان أن يعزل نفسه كثيرًا، وقد لا يحسن الظن بالآخرين، لذا تظهر العدوانية في بعض الأحيان.

أعتقد أن هذا هو التشخيص الأقرب لحالة أخيك، وأرى أنه محتاج للعلاج، ويجب أن لا نتجاهل موضوع عنفه نحو الوالد.

أنا لا أريد أن أسبب لكم قلقًا داخل المنزل، لكن المريض النفسي لا أحد يستطيع أن يتنبأ أو يضع احتمالات معينة حيال تصرفه، خاصة حين "يتعانف"، لكن بعد تناول الدواء هؤلاء المرضى يرجع لهم استبصارهم بصورة تامة, وتنتفي درجة الخطورة إن شاء الله تعالى.

أعتقد أن علاجه يمكن أن يتم من خلال شخص واحد في المنزل أو خارج المنزل، شخص واحد يكون لديه علاقة جيدة معه، ويثق به، وهذا الشخص يقوم بدور ما نسميه بالمعالج المساعد، أي يتفاوض معه، يتحاور معه، ويحاول إقناعه بأن لديه شيئا من الإجهاد النفسي البسيط، نحن نراك منعزلاً بعض الشيء، والحمد لله تعالى يوجد أطباء ومختصون جيدون جدًّا, وأنا أعرف الدكتور فلان وفلان، وهو مؤتمن على الأسرار ويأتيه الناس من كل مكان، وهكذا.

حين تسوق مثل هذه الأفكار له دون أن نشعره أنه مريض أو ضعيف أو شيء من هذا القبيل، لا نناقشه في موضوع المرض، سمّه إجهادا نفسيا، سمّه عدم القدرة على التوافق، أي شيء من هذه الكلمات التي فيها شيء من الإبهام لغير العارفين بالأمور الطبية النفسية.

هذا هو الأمر المهم أن يذهب إلى العلاج, توجد طرق أخرى، توجد أدوية يضعها بعض الناس في الطعام أو في المشروبات لذويهم، لكني لا أفضل هذا المنهج؛ لأن الأمور والضوابط الأخلاقية قد لا تسمح بذلك، بالرغم من أن التصرف هو بحسن نية، لكن لكل إنسان حدوده وحقوقه وحرمته.

لا شك أن العلاج متاح في بعض الدول عن طريق تطبيق القوانين، هنالك قوانين للصحة النفسية، وأنا أعرف أن المملكة العربية السعودية فيها قوانين متميزة وقوانين راقية، إذا اتضح أن الشخص يعاني من اضطراب حقيقي، وقد يسبب خللا أو مشكلة للآخرين فلابد أن تتم حماية الآخرين وكذلك حمايته، وهذا يتم عن طريق إدخاله إلى المستشفيات ضد رغبته.

هذا أمر طويل ومعقد, وله فنيات، ولا أعتقد أنه يوجد حقيقة للجوء إليه مع مثل هذا الأخ، لكني وددت أن أذكر هذا الأمر من قبيل عرض الحلول المتكاملة.

بالنسبة لكم يجب أن يكون التعامل معه فيه شيء من الود، الود واللطف وشيء من الأريحية, وإشعاره بأهميته, وأنه إنسان مرغوب فيه، وأن الحياة دائمًا الإنسان يجتهد فيها ويكابد فيها، ويكون هنالك أمل ورجاء، ولا نشعره بأي نوع من النقص، وهذا الرجل بفضل الله تعالى محافظ على صلاته وملتزم بذلك، وهذا شيء ممتاز جدًّا، وأعتقد أن أحد المصلين الذين يثق فيهم يمكن أيضًا أن يقوم بدور المعالج المساعد الذي تحدثنا عنه آنفًا.

إذن المعاملة الحسنة, وعدم استضعافه, وعدم إشعاره بأنه معلول أو ناقص نسبة لوجود هذا المرض.

الآن بفضل الله تعالى توجد أدوية ذات فعالية ممتازة وتعالج مثل هذه الحالات، وأعتقد أنه سوف يستجيب استجابة جيدة لأحد الأدوية المعروفة.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، ونشكرك على اهتمامك بأمره.

www.islamweb.net