زوجي بخيل في ماله ووقته وحياته ولي منه طفلان فلماذا أستمر معه؟

2013-07-14 04:16:46 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا سيدة أبلغ من العمر 34، متزوجة ولي طفلان –والحمد لله-.

مشكلتي: زوجي بخيل بماله ووقته وحياته، لم تكن عندي مشكلة في ذلك فأنا مستقلة ماديا ناجحة طموحة، لم أتعب نفسي في التفكير في هذه المسألة، ولكن المصيبة هي الحياة السلبية التي يفرضها علي، ينتقدني على كل عمل خير أعمله، أو كل ريال أصرفه، ناهيك عن أن حديثه الدائم هو: سلسلة الكوارث التي سوف تحدث لنا، والفقر الذي سوف يجتاح العالم، وسيخنقني ويجعلني من الفقراء كلام سخيف لا يصدر إلا من ضعاف العقول، رجل كريه بمعنى الكلمة، لا يملأ قلبه إلا الحسد والحقد، يقارن نفسه بكل من حوله، أتعبني ودمر نفسية أطفالي.

لا أستطيع أن أغير طبعه، ولا أستطيع أن أدخل معه في نقاش، إنسان فوضوي سيادي، لا يعرف أبسط قواعد الحوار، لم أكتب هذه الرسالة حتى تقول لي: اصبري؛ فلولا صبري لما استمرت حياتي معه 7 سنوات، الحقيقة أني لم أكتشف خبث نفسه إلا بعد طفلي الثاني، وذلك بسبب سفره المستمر، ولا أخفي ما أحس به، إني لا أكن له أي احترام، أحاول أن أعوض نقص أطفالي بنفسي، تحملت أشياء كثيرة بدونه.

ولكن السؤال الذي لا أعرف إجابته: لماذا أصبر وفي الإسلام فسحة كبيرة؟ ولماذا أتحمل ظلمه وبخله وشحه وأنا أستحق حياة كريمة؟ لماذا أعيش معه في الظلام وأنا أعرف النور؟ أعرف مدى أهمية الأب للأولاد ولكن لا أدري أي بشر أنا حتى أعاقب نفسي هذا العقاب وأستمر بالحياة معه؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ um falah حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله جل جلاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يبارك فيك، وأن يحفظك بما يحفظ به عباده الصالحين، وأن يعينك على أداء رسالتك في تربية أبنائك تربية طيبة، وأن يرزقك القوة على اتخاذ القرار الصائب فيما يتعلق بالعلاقة بينك وبين زوجك، وأن يجعلكم من سعداء الدنيا والآخرة.

وبخصوص ما ورد في رسالتك -أختي الكريمة الفاضلة أم فلاح– فإنه مما لا شك فيه أن زوجًا بهذه الصفات يعتبر في غاية الإزعاج، وأن وجوده في حياة الأسرة يمثل نوعًا من العقوبة القدرية التي تدفع الأسرة كلها ثمنها، إلا أننا أحيانًا قد تأتينا أمور قدرية لن نجد أمامها حلاًّ إلا الرضا والتسليم، وذلك كالأمراض العضوية أو الأمراض المستعصية التي تُصيب الإنسان ووجد الطب بكل أطيافه وبكل إمكاناته في قمة العجز عن أن يحقق نوعًا من الراحة أو السكينة للمريض، ففي تلك الحالة لن يكون له أفضل من الصبر الجميل.

أختي الكريمة أم فلاح: الذي فهمتُ من كلامك أنك تظنين أن الصبر تصرف سلبي، ولكننا في الواقع نرى أن الصبر تصرف إيجابي بمعنى الكلمة؛ لأن الله تعالى لم يأمرنا به إلا لعلمه أن فيه النفع والخير، ألم يقل مولانا تبارك وتعالى: {والله مع الصابرين} إذن الصابر أو الصابرة في معية الله تبارك وتعالى، وهو مأجور يقينًا، بل إن أجره أعظم من سائر الأجور الإيمانية كما قال الله تبارك وتعالى: {إنما يُوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب} فأصحاب الصبر الجميل لا يُكال عليهم بالمكيال ولا يُعد عليهم بعداد ولا يوزن عليهم بميزان، وإنما يأخذون من عرض كرم الكريم سبحانه وتعالى جل جلاله وتقدست أسماؤه.

ثانيًا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم– أخبرنا بقوله: (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا) فإذن نحن نرى أن الصبر مفتاح الفرج يقينًا كما هو دارج على ألسنة العامة، فالصبر ليس تصرفًا سلبيًا كما تظنين، وإنما هو تصرف إيجابي؛ لأن الله تبارك وتعالى سيجعل عاقبة الأمر إلى خير، وهذا ما بشر به النبي -صلى الله عليه وسلم– وما نراه في دنيا الواقع، ما من أحد تعرض لابتلاء أو امتحان أو اختبار ويصبر إلا ويجعل الله تبارك وتعالى عاقبة أمره إلى خير.

ولذلك إذا كنت تقولين: (لا تقل لي: اصبري) فأنا أرى أن هذا نوعا من القنوط الذي لا ينبغي أن يتسرب إلى قلب المرأة المؤمنة، خاصة وأنك تتمتعين بقدر كافٍ من الوعي والثقافة والعلم، ولذلك هذا الكلام أعتقد أنه جانبه الصواب، وإنما نحن سنوصيك بالصبر، ونوصيك بالصبر الجميل كما قال الله تبارك وتعالى لنبيه محمد -عليه الصلاة والسلام–: {فاصبر الصبر الجميل} وقال له:{فاصبر صبرًا جميلاً}، والله يحب الصابرين.

إذن نوصيك بالصبر الجميل -بارك الله فيك– ومحاولة عدم العجلة في اتخاذ القرارات التي قد تحسم الأمور من وجهة نظرك، ولكن في الواقع أي قرار يُتخذ بتوقف مسيرة الحياة الزوجية هو من القرارات المكلفة جدًّا، وتكلفته في الواقع ليست لأطرافه –أنت وزوجك– وإنما تكلفته الباهظة للأسرة التي سوف تتشتت وتتمزق.

نعم زوجك –كما تقولين– بخيل بمشاعره وعواطفه وأمواله ووقته؛ إلا أنه يبقى هو الأب أيضًا، وله في قلب أبنائه مكانة، وإذا فقدوه سيشعرون بأنهم فقدوا ركنًا عظيمًا في حياتهم، وهذا أمر ينبغي أن نُقر به، فأنت تريدين الراحة لك فيما يبدو في الظاهر من هذه المشاكل وتلك المعاناة وهذا الرجل السلبي السيادي -كما ذكرت– الفوضوي، ولكن أقول: إن الراحة ليست سهلة إلى هذا الحد، فأنت ستتحولين إلى أُمٍّ وأبٍ في وقت واحد.

نعم أنا معك أن الإسلام أعطاك مساحة من الحرية وأن من حقك أن تعيشي حياة كريمة طيبة أبية بعيدة عن هذا الضياع، وهذا حقك الشرعي، ولكن أقول أيضًا من حق أبنائنا علينا أن نصبر على الطرف الآخر حتى يعجز الصبر عن صبرنا، سبع سنوات مما لا شك فيه فترة ليست بالقصيرة، لكنها لن تكون نهاية الأمر أيضًا، فإن أيوب عليه السلام أصابه المرض الذي سمعتِ به في القرآن الكريم وقيل أنه مكث قرابة الثمانية عشر عامًا وهو مريض، حتى نفر وانفضَّ عنه كل الناس ولم يبقى معه إلا زوجه، ثم جاء فرج الله تبارك وتعالى، وأعاد الله إليه ما سُلب منه من صحة ومال وعيال.

لذا أرى -بارك الله فيك– عدم العجلة وأكرر ذلك، ومن الممكن أيضًا أن نحاول تقديم بعض التنازلات في سبيل إغراء الطرف الآخر بعلمية التغيير، قد تكون الطريقة التي تتعاملين بها أيضًا ليست هي الطريقة المثلى أو المناسبة التي يتم بها احتواء زوجك، ولذلك أتمنى أن تستعملي أسلوبًا آخر، لعله يؤثر فيه، أحب أن أذكّرك بأن زوجك ضحية تربية هذا شأنها، فإن زوجك لم يختر أخلاقه ولا قيمه ولا مبادئه، كما أنه لم يختر اسمه وصورته التي صوره الله عليها، وإنما هذه أمور قدرية وأمور تربوية تلقاها دون أن يستطيع أن يغيّر منها شيئًا؛ لأنه كان كالعجينة بين يدي أهله عندما كان صغيرًا.

ولذلك أنا أرى -بارك الله فيك– عدم العجلة وأرى البحث عن وسيلة أخرى للحوار، ولا مانع من إدخال بعض الأطراف العاقلة الراشدة القريبة أو ذات علاقة بالأسرة، لمحاولة وضع خارطة طريق جديدة لأسرة لا تعيش مشاكلاً ولا همومًا ولا كدرًا، إن استطعنا ذلك يكون حسنًا، وإن لم نستطع فمن حقك أن تفكري في البدائل، وإن كنت لا أُحبذ ذلك، ولكن أتمنى أن تصبري، وأن تجتهدي في إصلاح زوجك، وأنا أعلم أنك قادرة على ذلك، وثقي وتأكدي من الله لم ولن يتخلى عنك، ولعل عينك أن تقرَّ قريبًا بصلاحه واستقامته وتحويله إلى شخصية جذابة رائعة، وأسأل الله أن يكون ذلك عاجلاً غير آجل، إنه جواد كريم.

هذا وبالله التوفيق.

www.islamweb.net