زوجتي عذبتني بشكها وغيرتها المبالغ فيها!

2024-02-25 23:37:46 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم

أيها الفضلاء، تزوجت من امرأة منذ سنوات -ويا ليتني ما تزوجت- وعندي منها من البنين والبنات، لا أعيب عليها ديناً، ولكن أعيب عليها خلقاً.

كلنا ذوو عيوب، إلا أن الأمر لم أعد أطيقه، فعندها من الغيرة غير المحمودة، والمبالغ فيها، والشك ما الله به عليم، لدرجة أنني أخشى أن أصل رحم أخواتي البنات بالهاتف أمامها حتى لا أكدر حياتي، فإن اتصلت أمامها عذبت، وإن اتصلت خلفها بحثت، وعلمت ثم عذبت أيضاً.

كنت محافظاً قدر الاستطاعة طول حياتي على صلاة المسجد، إلا أنه وبعد أن تزوجت ولقرب بيت أمي مني، ومروري عليها بعد الصلاة يومياً، فقد قعدت أو أقعدت –لا أدري- عن صلاة المسجد، أملي كبير في الفراق أو التعدد، وأخشى ضياع الأولاد.

أفيدونا مأجورين مشكورين.


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ haroon حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

بارك الله فيك –أخي العزيز– وأشكر لك حسن ظنك وتواصلك مع الموقع، سائلاً الله تعالى أن يفرج همك وييسر أمرك، ويصلح زوجتك، ويشرح صدرك، ويلهمك الصبر والحكمة والسداد والصواب والهدى والرشاد.

بخصوص شكواك من غيرة زوجتك -أعانك الله- فينبغي أن تعلم أولاً أن حياة الدنيا -لاسيما الحياة الزوجية- طُبعت على الابتلاء، ومما يُسهم في التخفيف من مشاعر الهم والضيق: استشعار حسن الثواب والجزاء في الصبر على البلاء، وفضل الشكر على النعماء، والإيمان بالقدر والرضا بالقضاء، وتنمية الإيمان بلزوم ذكر الله تعالى والدعاء، والصحبة الصالحة، وطاعة الله تعالى وقراءة القرآن.

لا يخفى أن الغيرة –أخي العزيز حفظك الله– إحساس طبيعي، وفطرة بشرية، وظاهرة صحية، مبعثها الحب للشيء والأنانية والتنافس، لكنها نوعان، فنوعٌ ممدوحٌ محمودٌ، وهي الغيرة المعتدلة والمنضبطة بضوابط الشرع والأخلاق، كالحرص على حدود الله تعالى ومحارمه من التعدي عليها والتجاوز لها (تلك حدود الله فلا تعتدوها)، كغيرة المسلم على مصالح الدين وحقوق الناس في أعراضهم وأموالهم وأنفسهم، وفي إخلالهم بعبودية الله وطاعته، ومثل هذه الغيرة المحمودة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليغار، وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرّم الله عليه) متفقٌ عليه، وقال أيضاً: (أتعجبون غيرة سعد؟ فوالله إني لأغير من سعد، وإن الله تعالى أغير مني) متفقٌ عليه.

هناك نوعٌ من الغيرة مذمومٌ صاحبه، وهو الذي يكون دافعه المبالغة والإفراط في الأنانية والظنون وحب الاستحواذ والتملك للآخرين، وهو الذي عليه زوجتك –أصلحها الله– وهذا النوع كثيراً ما تكون له آثار سلبية وعواقب وخيمة؛ حيث يفضي إلى سوء الظن بالآخرين، واتهامهم وإيذائهم والإضرار بهم، والإساءة إليهم وإلى العداوة والتفكك الأسري؛ حيث يكدّر العلاقة الزوجية والاجتماعية ويعكّر صفوها.

لما كان هذا النوع نوعاً من المرض النفسي يؤدي بصاحبه إلى القلق والإحباط، وعدم الشعور بالأمان والسعادة في نفسه ولمن حوله؛ حيث إن مبعثه خفيٌ، ويغلب على صاحبه عدم القصد إليه، كما يصعب عليه التخلص منه إلا بتوفيق الله تعالى ومجاهدة النفس؛ ولذلك فإن الواجب من جهتك –أخي العزيز– إزاء غيرة زوجتك التالي:

التعامل بصبر وحلم وهدوء وحكمة، والدخول مع زوجتك في حوار صريح وواضح عن دوافع هذه الغيرة ومبرراتها، والاستعانة إن لزم الأمر بمن تأنس منهم الثقة والأمانة والمروءة والحكمة في إقناعها والتأثير عليها والقبول لديها؛ حيث إن معرفة دوافع هذه الغيرة يمكّنك على الحرص على تجنب إثارتها ما أمكن؛ مما يسهم في التخفيف من حدتها أو إخمادها بإذن الله تعالى.

من الأهمية بمكان إقناع زوجتك بوضعها غير الطبيعي، وتغيير نمط حياتها ليتوافق مع الاستقرار النفسي والعاطفي بضرورة تنمية الثقة بنفسه والثقة بالآخرين، والتحلي بالقدرة على السيطرة على نفسها والتحكم بغيرتها، وتذكيرها بخطورة هذا المرض وهذه الآفة، وبعواقب الغيرة الوخيمة ومبعثها المخالف للشرع في سوء الظن بالآخرين، والمقارنة الظالمة بهم أو الحسد لهم، وعدم احترامهم واعتبار حقوقهم وخصوصياتهم، واتباع الوساوس والشكوك والأوهام غير المستندة إلى أدلة الشرع والعقل والواقع.

كما أنصحك بلزوم الهدوء والإخلاص والرومانسية معها، وإشعار زوجتك بالطمأنينة والاستماع إلى مبرراتها، والابتعاد عن استفزاز غيرتها ما أمكن، والابتعاد عن مسببات الغيرة وعمّا يثيرها في الوقت المناسب، وإبعاد زوجتك عن العزلة، ومناقشتها عن مخططاتكم المستقبلية، وبإشغال زوجتك الغيورة بالعمل أو التنزه أو الرياضة، والخروج إلى المجتمع للتنفيس عن مشاعر الغيرة وصرفها ومدافعتها.

إن أمكن فيُمكن نصيحتها بعرض نفسها على طبيبة نفسية مختصة إذا لم تجدِ الحلول ولزم الأمر.

أؤكد عليك بضرورة لزوم الصبر والتحمّل وحسن الظن بالله تعالى والثقة بالنفس، وحسن المعاملة لزوجتك، ومراعاة غيرتها، والحذر من الوقوع في إثارتها ما أمكن.

لا أنصحك بمفارقتها مطلقاً ما أمكن؛ إذ الأصل في العلاقات الزوجية قوله تعالى: (أمسك عليك زوجك واتقِ الله)، كما لا أنصحك بالزواج بأخرى؛ منعاً من ضياع الأولاد وتعمّق المشكلة، إلا عند شدّة الحاجة والمقدرة المادية والنفسية وبعد الاستشارة والاستخارة.

أوصيك باللجوء إلى الله تعالى بالدعاء أن يحفظكم ويسلمكم من كل سوء ومكروه، ويجمع بينكما على خير، ويرزقكم الذرية الصالحة والحياة السعيدة والمطمئنة.

والله الموفق والمستعان.

www.islamweb.net