دعوت الله فحدث العكس، فما السبب؟
2025-02-27 00:57:51 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم.
كنت ملتزمةً بالصلاة، والنوافل، والقيام، وكان لي حاجة عند الله كنت أدعوه بها في كل الأوقات، وكلي يقين بأنها ستتحقق، ولكنها لم تتحقق، بل جاءت على العكس تمامًا، ولم أستوعب لماذا فعل الله هذا بي؟
تركت الدعاء والصلاة شيئًا فشيئًا، وكلما حاولت الرجوع راودني صوت داخلي: لماذا ترجعين إلى الله وهو لم يستجب لك؟
أصبحت أخاف من الدعاء؛ حتى لا يستجاب لي بالعكس كما حدث، وأريد الرجوع إلى الله كما كنت لأني أشعر بأني تائهة، ولا أعرف ماذا أفعل؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أماني حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.
أختي الفاضلة:
تعامل المؤمن مع الله تعالى لا يكون وفق علاقة مشروطة، إما أن يحقق له ما يريد، أو ينتكس ويعصي الله.
ومن كان هذا حاله فإن في إيمانه خللاً، ولا يفقه تدبير الله تعالى، ولا علمه وإحاطته بعباده، وقد ذكر الله تعالى هذا الصنف من الناس فقال سبحانه: (ومن الناس من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين)، فمن داوم على هذه الحال فإنه خاسر خسرانًا مبينًا -كما أخبر ربنا تبارك وتعالى-.
أختي الفاضلة:
ما تمرين به قد حذر منه النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول قد دعوت ربي، فلم يستجب لي).
والدعاء ليس فقط لقضاء الحاجات، وتلبية الرغبات، بل هو توحيد واعتراف بحول الله وقوته، والتجاء إلى سعة علمه وتدبيره، فنلجأ إليه سبحانه ليختار لنا ما فيه خير وصلاح، حتى وإن كان ظاهره الخير، لأنه لا يعلم عواقب الأمور إلا الله سبحانه وتعالى، فكمْ من شيء ظاهره الخير، ولكن كانت عاقبته شرًا وفسادًا.
لذلك عندما نستخير الله تعالى ونطلب منه أن يختار لنا، فنحن ننخلع من حولنا وقوتنا، ونفر إلى حول الله وقوته، فندعوه كما في دعاء الاستخارة المأثور: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسمي حاجته) خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسمي حاجته) شر لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، فاصرفه عني، واصرفني عنه، وقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به).
أختي الفاضلة: لقد أسأت الظن بالله تعالى حين قلت: (لماذا يفعل الله هذا بي؟)، فلا يجوز أن يقول المؤمن هذا في حق الله تعالى؛ فالله يقول:"لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون"، وهذا دليل على أن يقينك بالله ضعيف، وثقتك واستقامتك مشروطة بحصول الخير لك من الله، وهذا ليس حال المؤمن الحق، فعليك أن تتوبي من سوء الظن بالله تعالى، ومن هذا القول الشنيع في حق الله.
أختي الفاضلة: اعلمي أنه ما من دعوة يدعوها المسلم إلا نال بها الأجر والثواب، سواءً تحقق له ما يريد أو لم يتحقق له، وفي هذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها»، قالوا: إذن نكثر، قال: (لله أكثر).
أختي الفاضلة: لقد وجد الشيطان فيك هذا الضعف، فدخل إلى قلبك منه، وبدأ يُزين لك ترك الدعاء، وحتى الاستقامة، وهدفه أن تصلي إلى حد اليأس من فضل الله ورحمته، والله يقول: (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)، فاليأس من رحمة الله باب يدخل منه الشيطان لدفع الإنسان لكل شر وسوء -والعياذ بالله-.
أختي الفاضلة: كمْ من خير تمناه الإنسان، واجتهد في بلوغه فكان عاقبته شر عليه، وكمْ من شر كانت عاقبته خيرًا؛ يقول تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون).
وتأملي -أختي الفاضلة - قول الله: (والله يعلم وأنتم لا تعلمون)، فالذي يعلم ما هو خير لك وما هو شر هو الله وحده، ونحن البشر نرى الخير الظاهر حسب علمنا القاصر، وهذا هو ظن المؤمن بربه دائمًا.
لذلك ننصحك -أختي الفاضلة- أن لا تفتحي بابًا للشيطان ليُقنطك من رحمة الله، وبادري للتوبة النصوح إلى الله، ولا تستعجلي إجابة الدعاء، وعلاقة المؤمن بربه أعظم من مجرد إجابة الدعاء، وقضاء الحاجات؛ فنعم الله وفضله وعطاؤه أعظم من ذلك: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها).
كذلك ننصحك -أختي- للخروج من هذا التيه الذي أنت فيه، بأن تصلحي علاقتك بالله تعالى بحسن التوبة النصوح، والاستجابة لله تعالى ظاهرًا وباطنًا؛ فالاستجابة الصادقة لله باب لإجابة الدعاء، قال تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان، فليستجيبوا لي، وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون)، ففتشي في نفسك، هل حقًا قلبك مستجيب لله ولأمره، أم أن الاستقامة كانت لغرض تحقيق هذه الحاجة؟
فاتهمي نفسك بالتقصير؛ فالله لا مكره له، ولا راد لفضله؛ فقد يكون فيك من الذنوب الخفية أو المعاصي التي تحجب الدعاء، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر).
وكذلك انظري في مطعمك؛ فالمأكل الحرام من أهم أسباب حرمان إجابة الدعاء.
أختي الفاضلة: نحمد الله أن في قلبك رغبةً في العودة إلى الله، وهذا من فضل الله عليك، فبادري دون تأخير إلى التوبة النصوح، واستعيذي بالله من وساوس الشيطان وغوايته، واعلمي أن الله يغفر الذنب، ويقبل التوبة، ويفرح برجوع عبده إليه، وأكثري من الاستغفار؛ فهو باب للرزق، ودفع للشر، واعلمي أن تأخير إجابة الدعاء، أو عدم الإجابة لحكمة يعلمها الله، فكوني راضيةً بقدر الله واختياره لك؛ فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط.
أسأل الله أن يوفقك للخير، وأن يشرح صدرك للطاعة، وأن يذهب عنك وساوس الشيطان ومكائده.