ابتعدت عن صديقاتي المتبرجات صونًا لديني، فهل فعلي صحيح؟
2025-11-30 01:32:51 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قرأت أنه ينبغي للمرأة المحجبة ألا تخالط المتبرجات، أو تمشي معهن وتتخذهن صديقات؛ لأن هذا فيه إقرار بالمعصية، وقد يجرُّ المرأة المحجبة إلى التأثر بهن ويفسد عليها دينها، ويجعل أصحاب القلوب المريضة من الرجال يطمعون فيها لمصاحبتها المتبرجات.
فبفضل الله تبتُ، وقررت أن أقطع علاقتي بأي فتاة متبرجة، وبدأت بزميلاتي في المدرسة، فلم أجلس بجوارهن في الدرس، وجلست بمفردي، سألتني إحداهن عن حالي، فأخبرتها بقراري، وأني لن أقبل إلا بصديقة تقربني إلى الله، وأني أخاف على نفسي، ولن أخاطر بهذا الأمر، فتفاجأت وقالت إنها تحب الله وسيهديها الله للحجاب، وأن قلبها طيّب، وأن القرار يرجع لي في الأخير، فقلت لها: يوم ترتدين الحجاب ستجدينني أول من يفرح لك ويكون معك، أما أن نكون صديقات وهي على هذا الحال فلا؛ لا أريد أن أُعرّض نفسي لما يُسخط الله.
والحمد لله، شعرت أن هذه الفتاة تأثرت بهذا الموقف، فصارت تتحدث في القسم عن الدين أكثر، وأنها تحب مرافقة الطيبات من النساء، أسأل الله أن يهديني وإياها.
المشكلة أنني بدأت أشعر بوسواس أني تكبرت عليها، وأني رأيت نفسي أفضل منها، وأن هذا ليس هجراً لله، بل تكبر على من ابتلاه الله بالمعاصي، وأنه يجب أن أبقى صديقة لها، في الحقيقة أخاف على نفسي ولا أريد أن أكون في موضع لا يرضي الله، وفي نفس الوقت أقول: ماذا لو كان هذا التصرف خاطئاً وظلمتهن؟
لقد بذلت لهن النصح من قبل سواء بأسلوب الترغيب أو الترهيب، وأشعر أنهن يردن ارتداء الحجاب، لكن لا يفعلن شيئاً؛ لذلك قررت الابتعاد عنهن لأحافظ على ديني.
هل تصرفي صحيح؟ وإن كان نعم، فما هي حدود تعاملي معهن في القسم حال الهجر؟ وهل أرد عليهن السلام إذا بادرن؟ وإن سألنني عن شيء في الدرس للضرورة، هل أرد عليهن؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ تسنيم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك دوام تواصلك بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يزيدك هدًى وصلاحًا، وأن يُيَسِّر لك الخير ويعينك على التفقه في دينك.
ولقد سعدنا جدًّا -ابنتنا الكريمة- حين قرأنا في هذه السطور التي كتبتها ما يدل على حرصك الشديد على حفظ دينك والابتعاد به عن كل ما قد يُشوش عليه، أو ينقصه، أو يفسده؛ وهذا من توفيق الله تعالى لك.
وممَّا لا شك فيه أن من جملة المؤثرات على الإنسان وعلى دينه الصحبة والرفقة التي يعيش معهم، والحكماء يقولون: "الصاحب ساحب"، والرسول ﷺ يقول: "الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ".
وضرب مثلًا لصاحب الخير ولصاحب السوء بحامل المسك ونافخ الكير (يعني الحدَّاد)، فحامل المسك إمَّا أن تشتري منه مسكًا، وإمَّا أن يُحذيك -أي يعطيك منه- وإِمَّا أَنْ تَجِدْ مِنْهُ رِيحًا طَيَّبَة، بخلاف الحدَّاد، فإمَّا أَنْ يَحْرِقك ويحرق ثيابك، وإمَّا أن تجد منه ريحًا خبيثة.
وهذا المثل ظاهر جدًّا في تقريب هذه المعاني، وحثّ المسلم على اختيار الأصحاب والرفقاء الذين ينتفع بهم في دينه ودنياه، وأن يبتعد عن مرافقة مَن يضرُّه في دينه أو في دنياه.
ولكن هذه الصحبة قد تكون نافعة للإنسان المنحرف أو الإنسان الفاسد، إذا كان الإنسان الصالح قادرًا على التأثير عليه؛ فحينها ينبغي له أن يحتسب أجره عند الله تعالى، ويحاول إصلاح ما أمكن إصلاحه في الناس، فـ "الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من الذي لا يُخالط الناس ولا يصبر على أذاهم"، هكذا قال الرسول ﷺ.
ولهذا نحن ننصحك بأن تكوني حكيمة في معالجة كل موقف على حدة، فإنك ستجدين بلا شك تفاوتًا كبيرًا بين صديقاتك؛ بعضهنَّ قريبات التأثر وينتفعن بك وبتذكيرك وبنصيحتك، فهذا النوع ينبغي أن تحرصي على دوام الصحبة لهنَّ والتذكير والنصح، فهو من أفضل الأعمال التي تتقربين بها إلى الله -سبحانه وتعالى-، وقد قال الرسول ﷺ: "لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحَدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النِّعَم".
أمَّا من ترين أنك ستتضررين بمجالستها ولن تستفيد هي من مجالستك لها، وربما تضررت أنت، ففي هذا الحال الأفضل بلا شك أن تبتعدي عنها لتحافظي على نفسك، ولكن هذا لا يعني الهجر التام والقطيعة الكاملة، فإن الأصل في علاقة الإنسان المسلم بأخيه المسلم أن يكون وَصُولًا له، غير قاطع، كما قال الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام مسلم وهو كذلك في البخاري مع اختلاف في الألفاظ: قال ﷺ: "حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِت: قِيَلَ مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ"، وقال في الحديث الآخر: "لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاث، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيَعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ".
فالقاعدة الأصلية أن المسلم لا يهجر أخاه المسلم وإن كان عاصيًا، لكن الهجر من أجل ارتكاب المسلم معصية من المعاصي شرعه الرسول ﷺ إذا كان فيه مصلحة، فإذا كان في هذا الهجر مصلحة شرعية، مثل أن يرتدع هذا العاصي بسبب هذا الهجر ويرجع عن فسقه ومعصيته؛ فهذا الهجر مشروع، لأنه وسيلة لتغيير المنكر، وإصلاح الحال، فإذا لم يكن من وراء هذا الهجر مصلحة متحققة؛ فإنه لا يجوز، والأصل -كما قلنا-: المسلم إذا لقي أخاه المسلم يُسلِّم عليه ويحسن إليه، لعل في إحسانه ما يؤلّف قلبه ويرده إلى الحق والخير.
فهذه هي الضوابط الشرعية لهذه المسألة، وأنت بعد ذلك ينبغي أن تتصرفي تصرف الطبيب الذي يضع من الدواء بقدر المرض، ولا يصرف الدواء إلَّا إذا كان فيه منفعة.
استعيني بالله -سبحانه وتعالى- وأكثري من دعائه أن ينفعك ويفقهك في دينك، وأن ينفع بك، وخير ما نوصيك وننصحك به هو تعلُّم الدين والتفقُّه فيه، ومعرفة أحكام الله تعالى، فإذا تعلَّمت دينك فإنك ستمضين في طريقك على بصيرة ونور، وقد قال الله -سبحانه وتعالى- موجهًا خطابه لنبيه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾.
نسأل الله أن يُفقهك في الدين، وأن ينفع بك.