ابتُليتُ بوسواس العقيدة وأشعر أني غير مؤمن، فكيف أتخلص منه؟
2025-11-30 00:24:29 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ابتُليتُ بالوسواس منذ صغري في أمور عدة، وكنت أتغلب عليه بفضل الله، لكنني ابتُليتُ بوسواس منذ فترة طويلة، وهو لا يبارح بالي أبدًا.
أشعر أني غير مؤمن -والعياذ بالله- ودائمًا عندما أفكِّر أني أريد أن أظل على دين الإسلام عند الموت، أشعر أني أتردد في ذلك، وأنا لا أريد أن أتردد، لكن يراودني شعور: هل فعلًا أتردد أم لا؟
وكلما أردت أن أقوي إيماني بالبحث، أجد أن كل الأدلة مقنعة على وجود الله، وعلى أن الإسلام هو الدين الصحيح، لكنني أحس بداخلي بشعور بعدم التصديق -والعياذ بالله- وهذا الشعور يضايقني، فأستمر في البحث، وهذا الشعور مستمر.
وعندما أشاهد أي مقطع فيديو أنتبه انتباهًا شديدًا لكل كلمة يقولها الشخص، ولو كانت بنية الضحك، فأنتبه لها كثيرًا؛ لأني أخاف أن تكون كلمة أو جملة كُفرية، فأضحك عليها وأقع في الكفر -والعياذ بالله- ثم أقول: ماذا أفعل إذا ضحكت، وبعدها استوعبت أنها كلمة كفرية؟
وكذلك عند مشاهدة مثلًا (الأنمي) أو ما شابه، أنتبه لكل القدرات الخارقة وأحلل في عقلي دائمًا ما إن كانت كُفرية أو لا، وأنا على هذه الحال منذ سنوات.
وعندما أقوم بعمل أشعر أني مراءٍ، وأني لا أبتغي به إرضاء الله، فكيف أعرف أني أبتغي بذلك إرضاء الله عز وجل أم لا؟
أفيدوني، بارك الله فيكم، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ خالد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -أخي الكريم- في إسلام ويب، وردًّا على استشارتك أقول، ومن الله تعالى أستمد العون والتوفيق:
نشكر لك ثقتك بموقعنا الذي عمَّ نفعه بفضل من الله، واكتسب ثقة الكثير من الناس، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا دومًا عند حسن ظنكم، وأن يعيننا على بذل النصح والمشورة الصائبة لكم.
ما تشكو منه هو وسواس قهري فكري بامتياز، وقد مرّت على الأطباء والعلماء حالات لا تُحصى مثل حالتك، وكان لتوجيهاتهم أثر ونفع في تعافي مَن كتب الله له التوفيق، فعمل بتوجيهاتهم، واتبعها خطوة خطوة.
لعلك تدرك أن الشيطان الرجيم من ألدّ أعداء الإنسان، وقد حذرنا الله منه، وأرشدنا إلى اتخاذه عدوًّا فقال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}، وقال: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}.
الشيطان الرجيم يريد أن يفسد على الإنسان دينه وعقيدته، ولذلك أول ما يأتي إليه بصورة ناصح، فيوسوس في أذن الإنسان ليستكشف مدى ثبات المسلم على دينه، فإن أصغى لتلك الوساوس علم أنه ضعيف، وأنه سيسقط في يده، وإن استعاذ بالله من الشيطان الرجيم علم مدى قوته، فخنس ولم يعد، فهو إذًا أول ما يريد الإصغاء؛ فإن أصغى المسلم انتقل به إلى المحطة الثانية وهي المحاورة، فإن استسلم وحاور انتقل به من خاطرة لأخرى، فأفسد عليه دينه.
الوسواس يتعرض له كل أحد، بل إن من الصحابة من تعرض لتلك الوساوس، ولكنهم جاهدوا أنفسهم وسألوا النبي ﷺ فأعطاهم الدواء، فذهبت عنهم تلك الوساوس، ففي الحديث أنه: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: «وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ»، فجعل النبي ﷺ تلك الخواطر علامة على قوة إيمان صاحبها.
ودونك -أخي الكريم- إجابة وافية، نأمل أن تتبعها خطوة خطوة، ففيها المخرج -بإذن الله- من هذا المأزق الذي أوقعك فيه الشيطان الرجيم من خلال وساوسه.
أولًا: طبيعة ما تعاني منه شرعًا.
ما يرد عليك من أفكار كفرية، وإحساس بعدم التصديق، وخوف من الضحك على كلمة قد يكون ضحكك عليها سببًا للكفر، وتحليل قدرات الأنمي، وشعورك أنك غير مؤمن، كل هذا ليس منك، ولا هو باختيارك، بل هو وسواس قهري لا يؤاخذك الله عليه إطلاقًا، فالنبي ﷺ يقول: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ».
وهذا نص صريح بأن مجرد الخواطر، ولو كانت في أعظم المحرمات، لا تُؤاخذ عليها ما دمت لا تتعمدها، ولا ترضى بها، ولا تنطق بها، ولا ينتج عنها عمل، وهذا بنص الحديث النبوي.
ذكرنا لك فيما سبق، مما ورد في صحيح مسلم، أن الصحابة قالوا للنبي ﷺ: «إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ» أي: وجود الوساوس مع كرهها دليل على قوة الإيمان لا ضعفه.
هذه الوساوس نوع من المرض، وصاحبها لا يكفر بها، ولا ينقص إيمانه، ولا يؤاخذ عليها، لكن يجب عليه الإعراض عنها، وألا يسترسل معها، وأن يجاهد نفسه للخروج منها، فمن جاهد نفسه هداه الله كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
ثانيًا: الفرق بين الوسواس والكفر.
الكفر لا يكون إلَّا إذا اجتمعت ثلاثة أمور: "علم، واختيار، وقصد". أمَّا ما عندك فهو: "غير مقصود، ولا بإرادتك، بل بضدها، ويزعجك، وتخاف منه"، إذًا هذا وسواس قهري، وليس له أي أثر على إيمانك.
ثالثًا: لماذا تشعر بعدم التصديق مع أن الأدلة تقنعك؟
السبب في ذلك أن الوسواس القهري يجعل الدماغ يرسل شعورًا مخالفًا للحقيقة، ليس لأنك لا تصدّق، بل لأن الوسواس يختبرك ويقيس ردّ فعلك، فإن استرسلت معه زاد، وإذا أهملته وتغافلت عنه ذهب وتلاشى.
رابعًا: ماذا تفعل عندما تضحك أو تلاحظ كلمات كفرية؟
كن على يقين أن الضحك العابر بدون قصد، أو من غير إدراك كامل، أو ردّة فعل تلقائية، لا يُحاسب عليها الإنسان، ولا يكفر بها صاحبها، طالما أنه لم يتعمد الموافقة على الكلمة، ولم يضحك استحسانًا لمعناها، ولم يفهم كامل السياق، وحصل عنده خوف بعد حصول الضحك، وكل هذا حصل منك، وعليه فأنت بريء تمامًا من الكفر بسبب الضحك، ولا يلزمك شيء، بل إن الالتفات لهذا النوع من المراقبة هو أصل الوسواس، ويجب عليك قطعه.
خامسًا: تفكيرك الزائد في نيتك، هو جزء من الوسواس.
فسؤالك: كيف أعرف أني أبتغي وجه الله أم أني مرائي؟ هذا من أشهر أنواع الوسواس المنتشر في أوساط الموسوسين، وإجابة على سؤالك، فقد نص العلماء على أن الرياء إذا تعمّده الشخص ورضي به ولم يدافعه فإنه يُحاسب عليه، وأما مجرد الشعور فهذا وسواس لا يُحاسب عليه الإنسان.
إذا أردت أن تعرف نيتك فاسأل نفسك: لماذا أنا أعمل هذا العمل؟ هل أريد وجه الله؟ فإن كان الجواب: نعم، فاثبت على ذلك، ولا تلتفت لأي شعور آخر، بل كلما جاءك مثل هذا الشعور فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا تكرر هذا السؤال مرة أخرى، ولا تفتش عما في داخلك، فالتفتيش مرض حقيقي.
سادسًا: سأذكر لك برنامجًا علاجيًا واضحًا من الناحيتين الشرعية والنفسية، والذي آمل أن تنفذه حرفيًا، وستجد نفسك بإذن الله تعالى تخرج من هذه الدوامة، وسوف تبشرنا بذلك:
1- أعرض إعراضًا تامًا عن هذه الأفكار، ولا تناقشها، ولا تحللها، ولا ترد عليها، ولا تبحث عن دليل.
2- كلما عرضت لك مثل هذه الأفكار فقل لنفسك: هذه وساوس شيطانية، واستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا تلتفت لها، وانهض من المكان الذي أتتك وأنت فيه، ثم أشغل نفسك بأي عمل مفيد؛ سواء داخل البيت أو خارجه.
3- اجتنب الانفراد بنفسك، وعش مع أصدقائك وأفراد عائلتك، واندمج معهم اندماجًا كليًا، ولا تسمح للوسواس أن ينفرد بك، واستعن بأصدقائك وأفراد أسرتك ألَّا يتركوك تنفرد بنفسك في جميع أوقاتك، وأن ينبهوك في حال حدوث تفكير عميق وبعدٍ عما يدور في المجلس، فذلك سيعينك -بعد الله- على عدم الانفراد.
4- أي عمل تقدم عليه لا تتركه، بل استمر فيه، ولا تُصغ للوساوس أنك مرائي، واستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وانفث عن يسارك ثلاث مرات من دون ريق، واحذر من إلغاء أي عمل والقيام بإعادته، فذلك هو مبتغى الوسواس.
5- عليك بالعلاج السلوكي، وهو علاج نافع، بل هو أفضل من تناول العقاقير الطبية، وهذا العلاج خلاصته: تجاهل الأفكار الوسواسية، وعدم الاطمئنان لها، وترك الرد على تلك الأفكار، والاستمرار في العمل رغم القلق الذي تحس به.
6- لا بأس من زيارة طبيب مختص بالأمراض النفسية إن لزم الأمر، شريطة أن تتبع تعليماته في تناول الدواء دون أي زيادة أو نقص إلا بإرشاد منه إن لزم الأمر.
7- تجاهل أي فكرة كفرية فورًا، وإذا ضحكت على كلمة أو مرّت كلمة كفرية فلا تلتفت لها، ولا تعد التفكير فيها.
8- لا تبحث عن أدلة لإثبات صحة الإسلام ولا شيء من هذا القبيل، ولا تفتش في نيتك، فذلك يزيد من المرض.
9- نوصيك بالمحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها، مع الإكثار من نوافل الصلاة والصوم وتلاوة القرآن واستماعه، فذلك مما يعين على تجاهل تلك الأفكار السيئة.
10- مارس الرياضة مع مجموعة من الأصدقاء الصالحين، فذلك مما ينسّي تلك الوساوس الشيطانية ويعين على التعافي منها.
11- تضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى، وتحين أوقات الإجابة، وسل ربك أن يصرف عنك الشيطان الرجيم ووساوسه، وأحسن الظن بالله تعالى، وأنه سيستجيب دعواتك.
سابعًا: رسائل هامة كي يطمئن قلبك:
• أنت لست كافرًا ولا منافقًا، بل أنت مسلم، وإيمانك -ولله الحمد- قوي.
• أنت لست شاكًّا في دينك، وإنما أنت تعاني من الوسواس.
• ما تشتكي منه عانى منه الكثيرون، وتعافوا حين اتبعوا النصح والإرشاد، وأنت سوف تتعافى -بإذن الله- إن اتبعت ما نصحناك به.
• أنت لست مؤاخذًا على شيء لم تفعله بمحض إرادتك، وإنما تلك الأفكار ناتجة عن وسواس قهري خارج عن إرادتك، والله يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا}.
• لست آثمًا بما يدور في عقلك من الأفكار السيئة.
نسأل الله تعالى أن يعافيك مما أنت فيه، وأن ينصرك على الشيطان الرجيم، إنه سميع مجيب، ونسعد بتواصلك.