الوسواس القهري وجدوى العلاج السلوكي وحده فيه

2009-07-21 13:32:46 | إسلام ويب

السؤال:
أعاني من الوسواس القهري منذ بضع سنوات خاصة في العبادات، فتكبيرات الإحرام مثلاً تأخذ مني بضع ثوان للقيام بها والدخول في الصلاة، حيث يخالجني شعور بعدم استطاعتي ذلك، وحدة هذه الوساوس تزداد أحياناً وتنخفض أحياناً لدرجة قريبة من العدم، مع وجود شيء من المشقة في كل الأحوال، ولا أنكر أني بدأت أتعب وأمل من هذا الأمر، ولكني لا أرغب في تناول أدوية، فما مدى جدوى العلاج السلوكي أو المقاومة التي أتخذها كعلاج؟!

علماً بأن حالتي تحسنت كثيراً، ولكن هل من الممكن أن يزول المرض تماماً بلا أدوية؟ وهل من الخطر إبقاء الوضع كما هو دون أدوية؟ وهل علي أن أصد الأفكار التي تراودني كأن أزيح الملابس من جهة القبلة كي لا أذكر التعري والوسواس الجنسي فينزل مني ما يبطل وضوئي وصلاتي، أم من الأفضل أن أزيل هذه المثيرات أو دواعي التفكير لتسلم صلاتي؟!


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ م حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

إن الوساوس القهرية هي حالة من حالات القلق الخاصة، وهي تكون في شكل أفكار أو اجترارات أو خيالات ذهنية أو مخاوف أو تكون أفعال أو طقوس تتسلط على الإنسان ويحاول الإنسان ردها وطردها، ولكن تظل متسلطة عليه، وتسبب له الكثير من القلق حين يحاول مقاومتها.

الوساوس لا شك أنها أمر سلوكي مكتسب وليس أكثر من ذلك، والعلاج يتمثل في أن يعرض الإنسان نفسه لهذه الوساوس دون أن يستجيب استجابات سلبية.

العلاج السلوكي ذو قيمة ولا شك أنه يساعد كثيراً، ولكن لابد أن أوضح لك وبكل أمانة ودقة علمية أن الأدوية الآن أصبحت مهمة وضرورية في علاج الوساوس القهرية، ولا شك أن الدواء زائد العلاج السلوكي يعطي أفضل النتائج العلاجية.

العلاج السلوكي وحده نسبة نجاحه هي عشرين بالمائة، والعلاج الدوائي لوحده نسبة نجاحه ترتفع إلى أربعين أو خمسين بالمائة، وأما العلاج السلوكي مع العلاج الدوائي فإن نسبة النجاح والاستجابة دائماً أكثر من ثمانين بالمائة.

إذن من هذه الإحصاءات نقول أن المنهج الصحيح هو تناول الدواء وتطبيق العلاج السلوكي، والأدوية الحديثة في نظري هي نعمة كبيرة من نعم الله؛ لأنه قبل سنوات قليلة كانت لا توجد أدوية تساعد كثيراً في علاج الوساوس؛ لأن المساهمة الكيميائية أو البيولوجية في الإصابة بالوساوس لم تكن واضحة، ولكنها الآن أصبحت واضحة للعلماء، حيث اتضح أن هنالك مناطق معينة في المخ منها منطقة تعرف باسم (خلية أو نواة Caudate)، هذه المنطقة يضطرب فيها إفراز موصل أو ناقل عصبي يعرف باسم (Serotonin)، وهذا يساهم مساهمة كبيرة في حدوث الوساوس القهرية.

أرجو أن يكون شرحي المبسط هذا واضحاً ومقنعاً لك بضرورة تناول الدواء، وأنا من جانبي أؤكد لك تماماً أن الأدوية الحديثة سليمة وغير إدمانية وغير تعودية، كما أن آثارها الجانبية قليلة جدّاً وجرعاتها مختصرة جدّاً، حيث يتم تناولها مرة أو مرتين في اليوم وليس أكثر من ذلك.

هذا هو المنهج العلمي الصحيح، وأقول لك أن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها، فأشكرك كثيراً على حسن نيتك ومجاهداتك لعلاج الوساوس بالطريقة السلوكية، ولكني أقول لك أن الدواء أيضاً مهم وفعّال وهو نعمة كبيرة يجب ألا تحرمي نفسك منها. كما أن تناول الدواء يسهل على الإنسان كثيراً الانخراط في العلاجات والتمارين السلوكية بسهولة أكثر؛ لأن إزالة القلق في حد ذاته يجعل العلاج السلوكي أسهل كثيراً.

المبدأ السلوكي هو أولاً: أن تكتبي كل هذه الوساوس أولاً على ورقة، وتقومي بتحليلها، بمعنى أن تتأملي فيها، وتحاولي أن تقتنعي قناعة راسخة بسخفها، ومن ثم تعملي على تحقيرها.. هذا هو المبدأ الأول في العلاج.

بعد ذلك قومي وبإصرار شديد على مقاومتها وعدم اتباعها مطلقاً، على سبيل المثال فيما يخص تكبيرة الإحرام: اربطي التكبيرة بأمر معين، قولي لنفسك (سوف أرفع يدي في بداية الصلاة، وفي هذه اللحظة سوف أكبر) هذا هو الرابط، أو يمكن أن تقومي بأي رابط آخر. قد كان لدي مريض لديه تردد كبير جدّاً في تكبيرة الإحرام، ووجد أنه حين يضغط على إصبع رجله الكبير على الأرض في هذه اللحظة يستطيع أن يكبر تكبيرة الإحرام دون أي معاناة.. هذه بعض الروابط التي نسميها بالحيل النفسية تساعد الإنسان كثيراً.

بعد ذلك اربطي هذا التردد الذي يأتيك في التكبيرة بمنفر، وهذا يسمى بالتعزيز السلوكي السلبي، هذا المنفر على سبيل المثال: تتأملي أنك تترددين في تكبيرة الإحرام، وفكري في هذه الفكرة عدة مرات، وفجأة قولي لنفسك (قف قف قف) قوليها بصوت عالٍ، وأنت هنا بالطبع تكوني خارج الصلاة وأنك تخاطبين هذا التردد بأن يقف.

أمر آخر يمكن أن تستفيدي منه وهو تمرين آخر ربط ما بين الفكرة أو الفعل الوسواسي وأحد المنفرات، وهو إيقاع الألم على النفس.

اختاري أيّاً من هذه الوساوس وقومي بالضرب على يدك بقوة وشدة شديدة، حتى تحسين بالألم، كرري هذا التمرين عشر مرات، أي الفكرة الوسواسية تزاوج معها فكرة إدخال الألم على النفس وذلك بالضرب بشدة على اليد.. هذا التمرين وجد أنه بالتدريج سوف يُضعف الفكرة الوسواسية، هذا التمرين سيكون جيد جدّاً مع الأفكار التي ذكرتها فيما يخص التعري والوساوس الجنسية.

فكرة إزاحة الملابس، أنا لا أراها فكرة مناسبة، لأنك هنا قد أخرجت نفسك من نطاق الوساوس بمنطق ليس بسليم، ونحن نؤمن ونقتنع تماماً أن المواجهة للوساوس وتحقيرها هي الأفضل. أصري أن تكون الملابس في وضعها وقولي لنفسك (أنا لن أفكر في هذا الوساوس، بل سوف أحقره تماماً).

أنا سعيد أن أسمع أنك تجاهدي نفسك في أن تقف هذه الوساوس، والآن أقول لك لابد أن تتناولي الدواء، بالرغم من أنك ذكرت لا ترغبين في تناوله ولكنني أعتقد أنه ضروري وضروري جدّاً، وأنا قد ذكرت الإحصاءات العلمية التي توضح منافع العلاج السلوكي والتي توضح فائدة العلاج الدوائي كلٍ لوحده، والفائدة الأكبر هي التي يجنيها الإنسان حينما يطبق العلاج السلوكي ويتناول العلاج الدوائي.

الدواء الذي سوف أصفه لك هو من الأدوية الفعالة والأدوية البسيطة، وهو دواء معروف يعرف علمياً باسم (فلوكستين Fluoxetine)، ويسمى تجارياً باسم (بروزاك Prozac)، أرجو أن تبدئي في تناوله بجرعة كبسولة واحدة (عشرين مليجراماً) يومياً بعد الأكل، تناوليها لمدة شهرين، ثم بعد ذلك ارفعي الجرعة إلى كبسولتين في اليوم، واستمري عليها لمدة ستة أشهر، ثم خفضي الجرعة إلى كبسولة واحدة في اليوم لمدة عام، ثم بعد ذلك خفضي الجرعة إلى كبسولة واحدة كل يومين لمدة شهرين، ثم توقفي عن تناول الدواء، وهو من الأدوية السليمة وسوف تجنين منه إن شاء الله فائدة كبيرة.

لا شك أنه ليس من السليم أبداً إبقاء الأمر على ما هو عليه، فالوساوس يعرف عنها أنها قد تتحول، قد تتبدل، قد تتعدد، ولذا علاجها بالصورة التي أوضحتها لك هو الأفضل.

شيء آخر أرجو أن تركزي على دراستك، وأن تعيشي حياتك بكل هدوء، وطبقي أيضاً تمارين الاسترخاء، لأنها وجدت أنها مفيدة؛ لأن الوساوس تحمل مكوّن قلقي كبير، والاسترخاء لا شك أنه ضد القلق، ولتطبيق هذه التمارين – تمارين الاسترخاء – يمكنك الحصول على أحد الأشرطة أو الكتيبات الموجودة في المكتبات والتي توضح كيفية إجراء هذه التمارين، ويمكنك الاستفادة من الاستشارات التالية حول علاج الوساوس القهرية في الصلاة والطهارة سلوكياً : (262448 - 262925 - 262925 - 261359 - 262267).

وبالله التوفيق.

www.islamweb.net