مختصر ابن الحاجب
ص - قالوا : إذا قال : اقتل زيدا ثم قال : لا تقتل المشركين ، فكأنه قال : لا تقتل زيدا ؛ فالثاني ناسخ .
قلنا : التخصيص أولى لأنه أغلب ، ولا رفع فيه لو تأخر الخاص .
قالوا : على خلاف قوله : ( لتبين )
قلنا : ( تبيانا لكل شيء ) .
والحق أنه المبين بالكتاب وبالسنة .
قالوا : البيان يستدعي التأخر .
قلنا : استبعاد .
قالوا : قال ابن عباس - رضي الله عنهما - كنا نأخذ بالأحدث [ ص: 313 ] ( فالأحدث ) .
قلنا يحمل على غير المخصص جمعا بين الأدلة .
بيان المختصر
ش - القائلون بأن العام المتأخر لا يخصص بالخاص المتقدم ، احتجوا بأربعة وجوه :
الأول - أن العام المتأخر بمنزلة التنصيص على الأفراد ; لأنه إذا قال : اقتل زيدا المشرك ، ثم قال : لا تقتل المشركين ، فإنه بمنزلة قولنا : لا تقتل زيدا المشرك ولا خالدا المشرك ولا عمرا المشرك ولا شك أن هذا ناسخ لقوله : اقتل زيدا ؛ فكذا ما هو بمنزلته .
أجاب بأن قوله : لا تقتل المشركين يحتمل التخصيص بخلاف صورة التنصيص على كل واحد من الأفراد ، وإذا احتمل التخصيص واحتمل النسخ فالحمل على التخصيص أولى ; لأن التخصيص أكثر وقوعا من النسخ .
ولأن التخصيص لا رفع فيه للحكم ، كما لو تأخر الخاص بخلاف النسخ فإن فيه رفعا للحكم .
ولأن التخصيص لا يبطل العام بالكلية ، والنسخ يبطل العام بالكلية ، والجمع بين الدليلين - ولو بوجه - أولى .
الثاني - وهو دليل لمن ينفي تخصيص الكتاب بالكتاب مطلقا - أن القول بتخصيص الكتاب بالكتاب على خلاف قوله تعالى : [ ص: 314 ] ( لتبين للناس ) لأنه يدل على أن الرسول - عليه السلام - هو المبين لكل القرآن ، فلو كان الكتاب مخصصا للكتاب يلزم أن يكون المبين غيره . وإذا كان غير الرسول مبينا يلزم أن لا يكون الرسول مبينا ، لامتناع تحصيل الحاصل ، فيلزم المخالفة ، وهو باطل .
أجاب بالمعارضة فإن قوله تعالى : ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ) يدل أن القرآن مبين لكل شيء .
فلو كان القرآن مبينا بغيره يلزم أن لا يكون ذلك الغير مبينا بالقرآن . وإلا يلزم الدور .
وإذا لم يكن ذلك الغير مبينا بالقرآن يلزم المخالفة .
ولما كان الجواب بالمعارضة جدليا لم يقتصر المصنف عليه .
وذكر ما هو الحق وهو أن الرسول - عليه السلام - هو المبين ، لكن بيانه قد يكون بالكتاب وقد يكون بالسنة .
وكون الرسول - عليه السلام - مبينا لا ينافي كون الكتاب مبينا ، لأن البيان كما يجوز أن ينسب إلى الرسول ، يجوز أن ينسب إلى الكتاب الذي يبين الرسول به .
الثالث - لو كان الخاص المتقدم مخصصا للعام يلزم أن يكون متأخرا عن العام ; لأن البيان يستدعي تأخيره عن المبين .
[ ص: 315 ] والتالي باطل ، لأنه خلاف المفروض .
أجاب بأنا لا نسلم أن البيان يستدعي تأخره عن المبين ، بل غايته أنه يستلزم عدم تأخره ، والاستبعاد لا يوجب عدم الجواز .
الرابع - أن العام المتأخر أحدث من الخاص المتقدم ، والأخذ بالأحدث واجب لقول ابن عباس : كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث .
أجاب بأنا نحمل العام الأحدث الذي يجب الأخذ به على غير المخصص ؛ جمعا بين الأدلة ، فإن الدليل المتقدم يستدعي تقديم الخاص المتقدم على العام المتأخر ، وهذا الدليل يستدعي تقديم العام المتأخر ، فيحمل على غير المخصص .


