الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ قَوْلُهُ: وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، يَنْهَاهُ عَنْ قَطِيعَةِ خَتْنِهِ عَلَى أُخْتِهِ بَشِيرِ بْنِ النُّعْمَانِ، حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ، وَلَا يَدْخُلَ بَيْتَهُ وَبَيْتَ خَصْمٍ لَهُ، وَجَعَلَ يَقُولُ: قَدْ حَلَفْتُ بِاللَّهِ أَنْ لَا أَفْعَلَ، فَلَا يَحِلُّ لِي. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَ "الْعُرْضَةُ": الْمَانِعُ مِنَ الشَّيْءِ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ: هُوَ لَهُ دُونَهُ عُرْضَةٌ، إِذَا كَانَ يَمْنَعُهُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ. قَالَ الْحَسَنُ، وَطَاوُسٌ، وَقَتَادَةُ: وَلَا تَجْعَلُوا الْيَمِينَ بِاللَّهِ عِلَّةً مَانِعَةً مِنَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، مِنْ حَيْثُ تَتَعَمَّدُونَ الْيَمِينَ لِتَعْتَلُّوا بِهَا. وَ "الْأَيْمَانُ": جَمْعُ يَمِينٍ، وَهُوَ الْقَسَمُ. وَقَوْلُهُ: أَنْ تَبَرُّوا قَالَ الزَّجَّاجُ: تَقْدِيرُهُ: لَا تَعْتَرِضُوا بِالْيَمِينِ بِاللَّهِ فِي أَنْ تَبَرُّوا، فَسَقَطَ فِي، وَوَصَلَ الْفِعْلُ إِلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَاهُ: أَنْ لَا تَبَرُّوا، فَحُذِفَتْ "لَا"، كَقَوْلِهِ: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ، وَكَقَوْلِهِ: رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ، وَالْمَعْنَى: لِئَلَّا تَضِلُّوا، وَلِئَلَّا تَمِيدَ بِكُمْ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: تَقْدِيرُهُ: لِدَفْعِ أَنْ تَبَرُّوا، فَحُذِفَ الْمُضَافُ. وَمَعْنَى أَنْ تَبَرُّوا: أَنْ تَصْنَعُوا الْخَيْرَ وَتَصِلُوا الرَّحِمَ وَتَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَسْمَعُ أَيْمَانَكُمْ، وَيَعْلَمُ مَا تَقْصِدُونَ بِهَا كَقَوْلِهِ: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ . "اللَّغْوُ": الْكَلَامُ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، يُقَالُ: لَغَا يَلْغُو لَغْوًا. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: "اللَّغْوُ": مَا يُطْرَحُ مِنَ الْكَلَامِ اسْتِغْنَاءً عَنْهُ، وَلَا يُفْتَقَرُ إِلَيْهِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَكُلُّ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ مِمَّا يُؤْثَّمُ فِيهِ، أَوْ يَكُونُ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ مِنَ الْكَلَامِ، فَهُوَ لَغْوٌ وَلَغًا. قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالشَّعْبِيُّ: لَغْوُ الْيَمِينِ: مَا يَسْبِقُ بِهِ اللِّسَانُ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَلَا قَصْدٍ، وَيَكُونُ كَالصِّلَةِ مِنَ الْكَلَامِ، مِثْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ، وَكَلَّا وَاللَّهِ. وَنَحْوُ هَذَا، وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ وَلَا إِثْمَ، هَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي رِوَايَةِ الْوَالِبِيِّ: لَغْوُ الْيَمِينِ: أَنْ يَحْلِفَ الْإِنْسَانُ يَرَى أَنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ خِلَافُ ذَلِكَ، فَهُوَ خَطَأٌ مِنْهُ غَيْرُ عَمْدٍ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا إِثْمَ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ وَالسُّدِّيِّ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ وَسِيمٍ: اللَّغْوُ: الْيَمِينُ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ وَالضَّجَرِ، مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَزْمٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَطَاوُسٍ. وَقَوْلُهُ: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أَيْ: عَزَمْتُمْ وَقَصَدْتُمْ ؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْقَلْبِ: الْعَقْدُ وَالنِّيَّةُ، وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ مَعْنَى الْحَلِيمِ فِي صِفَةِ اللَّهِ: الَّذِي لَا يُعَجِّلُ بِالْعُقُوبَةِ، بَلْ يُؤَخِّرُ عُقُوبَةَ الْكَافِرِينَ وَالْعُصَاةِ، وَ "الْحِلْمُ" فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَعْنَاهُ: الْأَنَاةُ وَالسُّكُونُ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ الْآيَةَ يُقَالُ: آلَى يُولِي إِيلَاءً، إِذَا حَلَفَ. وَيُقَالُ لِلْيَمِينِ: الْأَلِيَّةُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ لَا يَنْكِحُ امْرَأَتَهُ، فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ قَوْلُهُ: تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ . وَ "التَّرَبُّصُ": التَّلَبُّثُ وَالِانْتِظَارُ، فَإِنْ جَامَعَ قَبْلَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، وَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ، وَإِنْ لَمْ يُجَامِعْ حَتَّى انْقَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِنْ عَفَّتِ الْمَرْأَةُ وَلَمْ تَطْلُبْ حَقَّهَا مِنَ الْجِمَاعِ فَلَا شَيْءَ، وَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ، وَإِنْ طَلَبَتْ حَقَّهَا وَقَفَ الْحَاكِمُ زَوْجَهَا، فَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ وَإِمَّا أَنْ يَطَأَ، فَإِنْ أَبَاهُمَا جَمِيعًا طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بِالْقَهْرِ وَالْجَبْرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَإِنْ فَاءُوا أَيْ: رَجَعُوا، يَعْنِي: بِالْجِمَاعِ. وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ أَيْ: طَلَّقُوا بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ يَسْمَعُ مَا قَالَهُ الْمُطَلِّقُ، عَلِيمٌ بِمَا فِي قَلْبِهِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية