الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا أَيْ: وَمَنْ خَلَقْتُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا، لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، يَعْنِي: الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ ، قَالَ مُقَاتِلٌ : يَقُولُ: خَلِّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأَنَا أَنْفَرِدُ بِهَلَاكِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ رَزَقَهُ الْمَالَ وَالْوَلَدَ، فَقَالَ: وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا قَالَ عَطَاءٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : مَا بَيْنَ مَكَّةَ إِلَى الطَّائِفِ الْإِبِلُ الْمَوْبِلَةُ، وَالْخَيْلُ الْمُسَوَّمَةُ، وَالنِّعَمُ الْمُرَحَّلَةُ، وَأَحِبَّةٌ بِالطَّائِفِ ، وَمَالٌ وَعَيْنٌ كَثِيرٌ، وَعَبِيدٌ وَجَوَارٍ. وَالْأَوْلَى فِي تَفْسِيرِ الْمَمْدُودِ: أَنْ يَكُونَ مَا يُمَدُّ لَهُ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّمَاءِ كَالزَّرْعِ، وَالضَّرْعِ، وَالتِّجَارَةِ، وَيَكُونُ لَهُ مَدَدٌ يَأْتِي شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، قَالَ الزَّجَّاجُ : مَالٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ عَنْهُ. وَبَنِينَ شُهُودًا أَيْ: حُضُورًا مَعَهُ بِمَكَّةَ ، كَانُوا لَا يُسَافِرُونَ وَلَا يَحْتَاجُونَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا وَيَغِيبُوا عَنْهُ، وَكَانُوا عَشَرَةً. وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا بَسَطْتُ لَهُ فِي الْعَيْشِ، وَطُولِ الْعُمُرِ. ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ثُمَّ يَرْجُو أَنْ أَزِيدَ فِي مَالِهِ وَوَلَدِهِ. "كَلَّا" لَا أَفْعَلُ، وَلَا أَزِيدُهُ، إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا مُعَانِدًا لِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا سَأُكَلِّفُهُ مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ السَّرَّاجِ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، نَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ ، أَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عَمَّارٍ الذِّهْنِيِّ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا قَالَ: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ذَابَتْ، فَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، وَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَيْهِ ذَابَتْ، فَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ وَقَالَ الْكَلْبِيُّ : هُوَ جَبَلٌ مِنْ صَخْرَةٍ مَلْسَاءَ فِي النَّارِ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَعْلَاهَا أُحْدِرَ إِلَى أَسْفَلِهَا، ثُمَّ تَكَلَّفَ أَيْضًا أَنْ يَصْعَدَهَا، فَذَلِكَ دَأْبُهُ أَبَدًا، يُجْذَبُ مِنْ أَمَامِهِ بِسَلَاسِلِ الْحَدِيدِ، وَيُضْرَبُ مِنْ خَلْفِهِ بِمَقَامِعِ الْحَدِيدِ، فَيَصْعَدُهَا فِي أَرْبَعِينَ سَنَةً. إِنَّهُ فَكَّرَ تَفَكَّرَ، وَدَبَّرَ مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ، وَقَدَّرَ الْقَوْلَ فِي نَفْسِهِ. فَقُتِلَ لُعِنَ وَعُذِّبَ، كَيْفَ قَدَّرَ. قَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: مَعْنَاهُ: لُعِنَ عَلَى أَيِّ حَالٍ قَدْرَ مَا قَدَّرَ مِنَ الْكَلَامِ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: لَأَضْرِبَنَّهُ كَيْفَ صَنَعَ، أَيْ: عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَتْ مِنْهُ. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ هَذَا تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ. ثُمَّ نَظَرَ فِي طَلَبِ مَا يَدْفَعُ بِهِ الْقُرْآنَ، وَيَرُدُّهُ بِهِ. ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ كَلَحَ وَكَرِهَ وَجْهُهُ، وَنَظَرَ بِكَرَاهَةٍ شَدِيدَةٍ، كَالْمُهْتَمِّ الْمُتَفَكِّرِ فِي شَيْءٍ. ثُمَّ أَدْبَرَ عَنِ الْإِيمَانِ، وَاسْتَكْبَرَ تَكَبَّرَ حِينَ دُعِيَ إِلَيْهِ. فَقَالَ إِنْ هَذَا مَا هَذَا الْقُرْآنُ، إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ يُرْوَى عَنِ السَّحَرَةِ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بُرَيْدٍ الْخَالِدِيُّ ، أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ ، نَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ قَالَ لِقُرَيْشٍ: إِنَّ لِي إِلَيْكُمْ حَاجَةً فَاجْتَمِعُوا. قَالَ: فَاجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ ذَوُو أَحْسَابٍ وَذَوُو أَحْلَامٍ، وَإِنَّ الْعَرَبَ يَأْتُونَكُمْ مِنْ كُلِّ قَوْمٍ، فَيَنْطَلِقُونَ مِنْ عِنْدِكُمْ عَلَى أَمْرٍ مُخْتَلِفٍ، فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالُوا: نَقُولُ: إِنَّهُ شَاعِرٌ. فَعَبَسَ عِنْدَهَا، فَقَالَ: قَدْ سَمِعْنَا الشِّعْرَ، فَمَا يُشْبِهُ قَوْلُهُ لِلشِّعْرِ. فَقَالُوا: نَقُولُ: إِنَّهُ كَاهِنٌ، فَقَالَ: إِذًا يَأْتُونَهُ فَلَا يَجِدُونَهُ يُحَدِّثُ بِهِ الْكَهَنَةَ. قَالُوا: نَقُولُ: إِنَّهُ مَجْنُونٌ، فَقَالَ: إِذًا يَأْتُونَهُ فَلَا يَجِدُونَهُ مَجْنُونًا، فَقَالُوا: نَقُولُ: إِنَّهُ سَاحِرٌ. قَالَ: وَمَا السَّاحِرُ؟ قَالُوا: بَشَرٌ يُحَبِّبُونَ بَيْنَ الْمُتَبَاغِضِينَ، وَيُبْغِضُونَ بَيْنَ الْمُتَحَابِّينَ. قَالَ: فَهُوَ سَاحِرٌ، فَخَرَجُوا، فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالُوا: يَا سَاحِرُ، يَا سَاحِرُ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ إِلَى قَوْلِهِ: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ . يَعْنِي: أَنَّهُ كَلَامُ الْإِنْسِ، وَلَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ سَأُدْخِلُهُ النَّارَ، وَسَقَرُ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ جَهَنَّمَ. ثُمَّ ذَكَرَ عَظِيمَ شَأْنِهَا، فَقَالَ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ . ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهَا، فَقَالَ: لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ لَا تُبْقِي لَهُمْ لَحْمًا إِلَّا أَكَلَتْهُ، وَلَا تَذَرُهُمْ إِذَا أُعِيدُوا خَلْقًا جَدِيدًا. لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ مُغَيِّرَةٌ لِلْجِلْدِ حَتَّى تَجْعَلَهُ أَسْوَدَ، يُقَالُ: لَاحَهُ السَّقَمُ وَالْحُزْنُ إِذَا غَيَّرَهُ. قَالَ أَبُو رَزِينٍ : تَلْفَحُ الْجِلْدَ حَتَّى تَدَعَهُ أَشَدَّ سَوَادًا مِنَ اللَّيْلِ. عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يَقُولُ: عَلَى النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ هُمْ خَزَنَتُهَا، مَالِكٌ وَمَعَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، أَعْيُنُهُمْ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ، وَأَنْيَابُهُمْ كَالصَّيَاصِي، يَخْرُجُ لَهَبُ النَّارِ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ، مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْ أَحَدِهِمْ مَسِيرَةُ سَنَةٍ، يَسَعُ كَفُّ أَحَدِهِمْ مِثْلَ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ ، نُزِعَتْ مِنْهُمُ الرَّحْمَةُ، يَرْفَعُ أَحَدُهُمْ سَبْعِينَ أَلْفًا فَيَرْمِيهِمْ حَيْثُ أَرَادَ مِنْ جَهَنَّمَ، وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ اللَّعِينُ أَبُو جَهْلٍ : أَمَا لِمُحَمَّدٍ مِنَ الْأَعْوَانِ إِلَّا تِسْعَةَ عَشَرَ، يُخَوِّفُكُمْ مُحَمَّدٌ بِتِسْعَةَ عَشَرَ وَأَنْتُمُ الدَّهْمُ، أَفَيَعْجَزُ كُلُّ مِائَةٍ مِنْكُمْ أَنْ يَبْطِشُوا بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَقَالَ أَبُو الْأَشَدَّيْنِ ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُمَحَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَا أَمْشِي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ عَلَى الصِّرَاطِ، فَأَدْفَعُ عَشَرَةً بِمَنْكِبِي الْأَيْمَنِ، وَتِسْعَةً بِمَنْكِبِي الْأَيْسَرِ فِي النَّارِ، وَنَمْضِي نَدْخُلُ الْجَنَّةَ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية