الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : إِنَّ رُؤَسَاءَ مَكَّةَ قَالُوا : يَا مُحَمَّدُ سَأَلْنَا الْيَهُودَ عَنْكَ وَعَنْ صِفَتِكَ ، فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَكَ فِي كِتَابِهِمْ فَائْتِنَا بِمَنْ يَشْهَدُ لَكَ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَكَ إِلَيْنَا رَسُولًا ، فَنَزَلَ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ قَالَ الزَّجَّاجُ : الشَّاهِدُ : هُوَ الْمُبَيِّنُ لِمَا يَشْهَدُ بِهِ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُبَيِّنُ مَا أَنْزَلَ إِلَيْهِ بِنَصْبِ الْمُعْجِزَةِ لَهُ ، وَبَيَّنَ صِدْقَ نَبِيِّهِ بِمَا يُغْنِي عَنْ بَيَانِ أَهْلِ الْكِتَابِ . وَقَوْلُهُ : أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ أَيْ : أَنْزَلَهُ وَفِيهِ عِلْمُهُ ، قَالَ الزَّجَّاجُ : أَنْزَلَ الْقُرْآنَ الَّذِي فِيهِ عِلْمُهُ ، وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ : مَنْ قَامَتْ لَهُ الْمُعْجِزَةُ شَهِدَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ بِصِدْقِهِ ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَهَادَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِشَهَادَةِ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ . قَوْلُهُ جَلَّ جَلَالُهُ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَعْنِي الْيَهُودَ ، وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دِينِ الْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِمْ : مَا نَعْرِفُ صِفَةَ مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِنَا ، قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا بَعُدُوا عَنْ سَبِيلِ الْخَيْرِ فَلَا يَهْتَدُونَ . قَوْلُهُ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَعْنِي الْيَهُودَ ، وَظَلَمُوا : مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتْمَانِهِ نَعْتَهُ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ يَعْنِي : مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا يَعْنِي : دِينَ الْإِسْلَامِ . إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ يَعْنِي : طَرِيقَ الْيَهُودِيَّةِ وَهُوَ طَرِيقُ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ لَهُمُ الْعَذَابَ وَالْأَلَمَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إِلَى مَا لَا يَتَنَاهَى . قَوْلُهُ جَلَّ جَلَالُهُ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُرِيدُ الْمُشْرِكِينَ ، قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ أَيْ : بِالْهُدَى وَالصِّدْقِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ قَالَ الزَّجَّاجُ : قَالَ الْخَلِيلُ وَجَمِيعُ الْبَصْرِيِّينَ : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى كَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : "آمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ " : ائْتُوا خَيْرًا لَكُمْ . وَقَوْلُهُ : وَإِنْ تَكْفُرُوا أَيْ : بِتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مُلْكًا وَاقْتِدَارًا عَلَيْهِ ، أَيْ : أَنَّهُ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَعَنْ إِيمَانِكُمْ ، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا بِمَا يَكُونُ مِنْكُمْ مِنْ إِيمَانٍ وَكُفْرٍ ، حَكِيمًا : فِي تَكْلِيفِكُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا يَكُونُ مِنْكُمْ . قَوْلُهُ جَلَّ جَلَالُهُ : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ يُرِيدُ : النَّصَارَى : لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ أَيْ : لَا تَتَجَاوَزُوا حَدَّ الْحَقِّ ، يُقَالُ : غَلَا يَغْلُو غُلُوًّا إِذَا جَاوَزَ الْحَقَّ . وَالنَّصَارَى غَلَتْ فِي الْمَسِيحِ ، فَجَاوَزُوا بِهِ مَنْزِلَةَ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى جَعَلُوهُ إِلَهًا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَارِيعْقُوبِيَّةَ ، نَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ ، قَالُوا : عِيسَى هُوَ اللَّهُ . وَقَالَتِ النِّسْطُورِيَّةُ : هُوَ ابْنُ اللَّهِ . وَقَالَ الْمَرْقُوسِيَّةُ : هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمُطَّوَّعِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ " وَقَوْلُهُ : وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أَيْ : فَلَيْسَ لِلَّهِ وَلَدٌ وَلَا زَوْجَةٌ وَلَا شَرِيكٌ هَذَا هُوَ الْحَقُّ ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ عِيسَى فَقَالَ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ذَكَرْنَا تَفْسِيرَ هَذَا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ، قَالَ الْكَلْبِيُّ : يَعْنِي قَوْلَهُ كُنْ فَكَانَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ . وَقَوْلُهُ : وَرُوحٌ مِنْهُ أَيْ : مِنْ خَلْقِهِ وَإِحْدَاثِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَخْرَجَ الْأَرْوَاحَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ لِأَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى صُلْبِهِ أَمْسَكَ عِنْدَهُ رُوحَ عِيسَى إِلَى أَنْ أَرَادَ خَلْقَهُ ، ثُمَّ أَرْسَلَ ذَلِكَ الرُّوحَ إِلَى مَرْيَمَ فَدَخَلَ فِيهَا ، فَكَانَ مِنْهُ عِيسَى وَهَذَا قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ . أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْوَاعِظُ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ عَمُّ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : "مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ أَمَتِهِ ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ، وَرُوحٌ مِنْهُ ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ ، وَالنَّارَ حَقٌّ ، وَالْبَعْثَ حَقٌّ ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ " . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ رُشَيْدٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ وَقَوْلُهُ : وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ قَالَ الزَّجَّاجُ : لَا تَقُولُوا آلِهَتُنَا ثَلَاثَةٌ ، يَعْنِي : قَوْلَهُمُ اللَّهَ وَصَاحِبَتَهُ وَابْنَهُ . انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ أَيِ : ائْتُوا بِالِانْتِهَاءِ عَنْ قَوْلِكُمْ خَيْرًا لَكُمْ مِمَّا تَقُولُونَ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مُلْكًا وَخَلْقًا مِنْ غَيْرِ شَرِيكٍ فِي ذَلِكَ ، وَإِذَا اسْتَحَالَ الشِّرْكُ فِي وَصْفِهِ اسْتَحَالَ الْوَلَدُ ، وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا أَيْ : مُفَوَّضًا إِلَيْهِ الْقِيَامُ بِتَدْبِيرِ مَلِكِهِ الَّذِي لَا مُلْكَ أَوْسَعُ مِنْهُ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية