الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ يَعْنِي آدَمَ، وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا لِيَأْنَسَ بِهَا وَيَأْوِيَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا تَغَشَّاهَا جَامَعَهَا، قَالَ الزَّجَّاجُ: كَنَّى أَحْسَنَ الْكِنَايَةِ. وَالْغَشَيَانُ: إِتْيَانُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَقَدْ غَشِيَهَا وَتَغَشَّاهَا إِذَا عَلَاهَا، وَقَوْلُهُ: حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا يَعْنِي النُّطْفَةَ وَالْمَنِيَّ، فَمَرَّتْ بِهِ بِذَلِكَ الْحَمْلِ الْخَفِيفِ أَيْ: قَامَتْ وَقَعَدَتْ، لَمْ يُثْقِلْهَا، فَلَمَّا أَثْقَلَتْ: صَارَتْ إِلَى حَالِ الثِّقَلَ وَدَنَتْ وِلَادَتُهَا، دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا يَعْنِي حَوَّاءَ وَآدَمَ: لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا بَشَرًا سَوِيًّا مِثْلَنَا، لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ لَكَ عَلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ أَتَاهَا إِبْلِيسُ فِي غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي عَرَفَتْهُ، فَقَالَ لَهَا: مَا الَّذِي فِي بَطْنِكِ؟ قَالَتْ: مَا أَدْرِي. قَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَهِيمَةً أَوْ كَلْبًا أَوْ خِنْزِيرًا وَمَا يُدْرِيكِ مِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ؟ أَمِنْ دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ؟ أَمْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ؟ فَخَافَتْ حَوَّاءُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ، فَلَمْ يَزَالَا فِي هَمٍّ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ أَتَاهُمَا، وَقَالَ لَهَا: إِنْ سَأَلَتِ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَهُ خَلْقًا آخَرَ سَوِيًّا مِثْلَكِ، وَيَسْهُلُ عَلَيْكِ خُرُوجُهُ حَتَّى تُلْقِيَهُ مِنْ بَطْنِكِ سَهْلًا أَتُسَمِّينَهُ: عَبْدَ الْحَارِثِ، وَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى غَرَّهَا، فَلَمَّا وَلَدَتْ وَلَدًا سِوَى الْخَلْقِ سَمَّتْهُ: عَبْدَ الْحَارِثِ، بِرِضَا آدَمَ وَكَانَ اسْمُ إِبْلِيسَ فِي الْمَلَائِكَةِ الْحَارِثَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ أَيْ: لِلَّهِ شُرَكَاءَ يَعْنِي: إِبْلِيسَ، فَأَوْقَعَ الْجَمِيعَ مَوْقِعَ الْوَاحِدِ، أَرَادَ: جَعَلَا لَهُ شَرِيكًا إِذْ سَمَّيَاهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَبْدًا إِلَّا لِلَّهِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " خَدَعَهُمَا مَرَّتَيْنِ، خَدَعَهُمَا فِي الْجَنَّةِ وَخَدَعَهُمَا فِي الْأَرْضِ " . قَالَ قَتَادَةُ: أَشْرَكَا فِي الِاسْمِ وَلَمْ يُشْرِكَا فِي الْعِبَادَةِ. وَيَعْنِي أَنَّهُمَا لَمْ يَذْهَبَا إِلَى أَنَّ الْحَارِثَ رَبُّهُمَا، لَكِنَّهُمَا قَصَدَا إِلَى أَنَّ الْحَارِثَ كَانَ سَبَبَ نَجَاةِ الْوَلَدِ وَسَلَامَةِ أُمِّهِ، وَقَدْ يُطْلَقُ اسْمُ الْعَبْدِ عَلَى مَنْ لَا يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَإِنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ مَا دَامَ ثَاوِيًا وَقَرَأَ نَافِعٌ: شِرْكًا بِكَسْرِ الشِّينِ وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ حُذِفَ الْمُضَافُ بِتَقْدِيرِ: جَعَلَا لَهُ ذَا شِرْكٍ، أَيْ: شَرِيكًا، وَتَمَّ الْكَلَامُ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْخَبَرِ عَنِ الْكُفَّارِ، وَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ إِشْرَاكِهِمْ فَقَالَ: فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ: أَهْلَ مَكَّةَ. وَهَذَا قَوْلُ مُقَاتِلٍ، وَالسُّدِّيِّ، ثُمَّ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: أَيُشْرِكُونَ بِاللَّهِ فِي الْعِبَادَةِ، مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا يَعْنِي: الْأَصْنَامَ، وَهُمْ يُخْلَقُونَ يُرِيدُ: وَهُمْ مَخْلُوقُونَ. وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْأَصْنَامَ لَا تَنْصُرُ مَنْ أَطَاعَهَا، وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ قَالَ الْحَسَنُ: لَا يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ مَكْرُوهَ مَنْ أَرَادَهُمْ بِشَرٍّ أَوْ نَحْوِهِ، ثُمَّ خَاطَبَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى وَإِنْ تَدْعُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، لَا يَتَّبِعُوكُمْ، وَقَرَأَ نَافِعٌ بِالتَّخْفِيفِ، وَهُمَا لُغَتَانِ: اتَّبَعَهُ وَتَبِعَهُ تَبَعًا. سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ إِلَى الدِّينِ وَعِبَادَةِ اللَّهِ، أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ أَيْ: صَمَتُّمْ عَنْ ذَلِكَ الدُّعَاءِ، لِتَرْكِهِمُ الِانْقِيَادَ لِلْحَقِّ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية