الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ قَوْلُهُ: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ ، وَأَبِي جَهْلٍ . يَعْنِي: أَنَّ أَبَا جَهْلٍ أَعْمَى الْقَلْبِ، لَا يَهْتَدِي إِلَى طَرِيقِ الرُّشْدِ، إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ يَتَّعِظُ وَيَتَذَكَّرُ مَا رُغِّبَ فِيهِ مِنَ الْجَنَّةِ، أُولُو الْأَلْبَابِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُرِيدُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ . ثُمَّ وَصَفَهُمْ، فَقَالَ: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ قَالَ: يُرِيدُ الَّذِينَ عَاهَدَهُمْ عَلَيْهِ فِي صُلْبِ آدَمَ . وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ يَعْنِي: الْأَرْحَامَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَعْنِي الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ . وَهُوَ أَنْ يَصِلَ بَيْنَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِالْجَمِيعِ، كَمَا أَخْبَرَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِمْ: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا أَيْ: عَلَى دِينِهِمْ، وَمَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ، ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ طَلَبِ تَعْظِيمِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَدْفَعُونَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ الشَّرَّ مِنَ الْعَمَلِ. كَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ : "إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَاعْمَلْ بِجَانِبِهَا حَسَنَةً تَمْحُهَا" . وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ : هُوَ أَنَّهُمْ كُلَّمَا أَذْنَبُوا تَابُوا، لِيَدْفَعُوا بِالتَّوْبَةِ مَعَرَّةَ الذَّنْبِ. أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُرِيدُ عُقَابَهُمُ الْجَنَّةُ. أَيْ: تَصِيرُ الْجَنَّةُ لَهُمْ آخِرَ أَمْرِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَقَالَ: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَمَنْ صَدَّقَ بِمَا صَدَّقُوا بِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ : وَمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مِنْ ثَوَابِ الْمُطِيعِ سُرُورُهُ بِمَا يَرَاهُ فِي أَهْلِهِ مِنْ إِلْحَاقِهِمْ بِهِ فِي الْجَنَّةِ كَرَامَةً لَهُ كَمَا قَالَ: أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ . وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : بِالتَّحِيَّةِ مِنَ اللَّهِ، وَالتُّحْفَةِ، وَالْهَدَايَا. وَيَقُولُونَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ أَيْ: سَلَّمَكُمُ اللَّهُ مِنْ أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ وَشَرِّهَا بِصَبْرِكُمْ فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الْكَرَامَةِ، أَيْ: نِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ الَّتِي عَمِلْتُمْ فِيهَا مَا أَعْقَبَكُمْ هَذِهِ الْكَرَامَةَ. قَوْلُهُ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مُفَسَّرٌ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فِيمَا سَبَقَ. اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ يُضَيِّقُ وَيُقَتِّرُ، كَقَوْلِهِ: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ، وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُرِيدُ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَرِحُوا بِمَا نَالُوا مِنَ الدُّنْيَا، فَطَغَوْا وَكَذَّبُوا الرَّسُولَ. وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ أَيْ: بِالْقِيَاسِ إِلَيْهَا، إِلَّا مَتَاعٌ أَيْ: قَلِيلٌ ذَاهِبٌ، كَالشَّيْءِ الَّذِي يُتَمَتَّعُ بِهِ ثُمَّ يَفْنَى.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية