الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

جزء صفحة
فَصْلٌ عِبَادَةُ اللِّسَانِ وَأَمَّا عُبُودِيَّاتُ اللِّسَانِ الْخَمْسُ ، فَوَاجِبُهَا النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، وَتِلَاوَةُ مَا يَلْزَمُهُ تِلَاوَتُهُ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَهُوَ مَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ ، وَتَلَفُّظُهُ بِالْأَذْكَارِ الْوَاجِبَةِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا وَرَسُولُهُ ، كَمَا أَمَرَ بِالتَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَأَمَرَ بِقَوْلِ " رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " بَعْدَ الِاعْتِدَالِ ، وَأَمَرَ بِالتَّشَهُّدِ ، وَأَمَرَ بِالتَّكْبِيرِ . وَمِنْ وَاجِبِهِ رَدُّ السَّلَامِ ، وَفِي ابْتِدَائِهِ قَوْلَانِ . وَمِنْ وَاجِبِهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَتَعْلِيمُ الْجَاهِلِ ، وَإِرْشَادُ الضَّالِّ ، وَأَدَاءُ الشَّهَادَةِ الْمُتَعَيِّنَةِ ، وَصِدْقُ الْحَدِيثِ . وَأَمَّا مُسْتَحَبُّهُ فَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ ، وَدَوَامُ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَالْمُذَاكَرَةُ فِي الْعِلْمِ النَّافِعِ ، وَتَوَابِعُ ذَلِكَ . وَأَمَّا مُحَرَّمُهُ فَهُوَ النُّطْقُ بِكُلِّ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، كَالنُّطْقِ بِالْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ، وَالدُّعَاءِ إِلَيْهَا ، وَتَحْسِينِهَا وَتَقْوِيَتِهَا ، وَكَالْقَذْفِ وَسَبِّ الْمُسْلِمِ وَأَذَاهُ بِكُلِّ قَوْلٍ ، وَالْكَذِبِ ، وَشَهَادَةِ الزُّورِ ، وَالْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ ، وَهُوَ أَشَدُّهَا تَحْرِيمًا . وَمَكْرُوهُهُ التَّكَلُّمُ بِمَا تَرْكُهُ خَيْرٌ مِنَ الْكَلَامِ بِهِ ، مَعَ عَدَمِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ هَلْ فِي حَقِّهِ كَلَامٌ مُبَاحٌ ، مُتَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ ، أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَا يَخْلُو كُلُّ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ فِي حَقِّهِ شَيْءٌ لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ . وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ ، وَهُوَ " كُلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لَا لَهُ ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ " . وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ يُكْتَبُ عَلَيْهِ كَلَامُهُ كُلُّهُ ، وَلَا يُكْتَبُ إِلَّا الْخَيْرُ وَالشَّرُّ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : بَلْ هَذَا الْكَلَامُ مُبَاحٌ ، لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ ، كَمَا فِي حَرَكَاتِ الْجَوَارِحِ . قَالُوا : لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْكَلَامِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ ، وَهَذَا شَأْنُ الْمُبَاحِ . وَالتَّحْقِيقُ : أَنَّ حَرَكَةَ اللِّسَانِ بِالْكَلَامِ لَا تَكُونُ مُتَسَاوِيَةَ الطَّرَفَيْنِ ، بَلْ إِمَّا رَاجِحَةً وَإِمَّا مَرْجُوحَةً ، لِأَنَّ لِلِّسَانِ شَأْنًا لَيْسَ لِسَائِرِ الْجَوَارِحِ ، وَإِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ ، تَقُولُ : اتَّقِ اللَّهَ ، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ ، فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا ، وَإِنَّ اِعْوَجَجْتَ اِعْوَجَجْنَا ، وَأَكْثَرُ مَا يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مِنْاخِرِهِمْ فِي النَّارِ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ، وَكُلُّ مَا يَتَلَفَّظُ بِهِ اللِّسَانُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوْ لَا ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ الرَّاجِحُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ الْمَرْجُوحُ ، وَهَذَا بِخِلَافِ حَرَكَاتِ سَائِرِ الْجَوَارِحِ ، فَإِنَّ صَاحِبَهَا يَنْتَفِعُ بِتَحْرِيكِهَا فِي الْمُبَاحِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الرَّاحَةِ وَالْمَنْفَعَةِ ، فَأُبِيحَ لَهُ اسْتِعْمَالُهَا فِيمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهُ ، وَلَا مَضَرَّةَ عَلَيْهِ فِيهِ فِي الْآخِرَةِ ، وَأَمَّا حَرَكَةُ اللِّسَانِ بِمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَلَا يَكُونُ إِلَّا مَضَرَّةً ، فَتَأَمَّلْهُ . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ يَتَحَرَّكُ بِمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ مُبَاحَةٌ مُسْتَوِيَةُ الطَّرَفَيْنِ ، فَيَكُونُ حُكْمُ حَرَكَتِهِ حُكْمَ ذَلِكَ الْفِعْلِ . قِيلَ : حَرَكَتُهُ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا رَاجِحَةٌ ، وَعِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا مَرْجُوحَةٌ لَا تُفِيدُهُ ، فَتَكُونُ عَلَيْهِ لَا لَهُ . فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا كَانَ الْفِعْلُ مُتَسَاوِيَ الطَّرَفَيْنِ ، كَانَتْ حَرَكَةُ اللِّسَانِ الَّتِي هِيَ الْوَسِيلَةُ إِلَيْهِ كَذَلِكَ ، إِذِ الْوَسَائِلُ تَابِعَةٌ لِلْمَقْصُودِ فِي الْحُكْمِ . قِيلَ : لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ ، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ مُبَاحًا ، بَلْ وَاجِبًا ، وَوَسِيلَتُهُ مَكْرُوهَةٌ كَالْوَفَاءِ بِالطَّاعَةِ الْمَنْذُورَةِ هُوَ وَاجِبٌ ، مَعَ أَنَّ وَسِيلَتَهُ وَهُوَ النَّذْرُ مَكْرُوهٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ الْحَلِفُ الْمَكْرُوهُ مَرْجُوحٌ ، مَعَ وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهِ أَوِ الْكَفَّارَةِ ، وَكَذَلِكَ سُؤَالُ الْخَلْقِ عِنْدَ الْحَاجَةِ مَكْرُوهٌ ، وَيُبَاحُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِمَا أَخْرَجَتْهُ لَهُ الْمَسْأَلَةُ ، وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا ، فَقَدْ تَكُونُ الْوَسِيلَةُ مُتَضَمِّنَةً مَفْسَدَةً تُكْرَهُ أَوْ تُحَرَّمُ لِأَجْلِهَا ، وَمَا جُعِلَتْ وَسِيلَةً إِلَيْهِ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا مَكْرُوهٍ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية