الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمَهْدِيِّ وَالْبَيْعَةِ لَهُ ذِكْرُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : خَرَجْتُ مِنَ الْبَصْرَةِ حَاجًّا ، فَاجْتَمَعْتُ بِالْمَنْصُورِ بِذَاتِ عِرْقٍ ، فَكُنْتُ أُسَلِّمُ عَلَيْهِ كُلَّمَا رَكِبَ ، وَقَدْ أَشَفَى عَلَى الْمَوْتِ ، فَلَمَّا صَارَ بِبِئْرِ مَيْمُونٍ وَنَزَلَ بِهِ ، وَدَخَلْنَا مَكَّةَ ، فَقَضَيْتُ عُمْرَتِي ، وَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى الْمَنْصُورِ ، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا ، وَلَمْ نَعْلَمْ ، صَلَّيْتُ الصُّبْحَ بِمَكَّةَ ، وَرَكِبْتُ أَنَا وَمُحَمَّدُ بْنُ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَكَانَ مِنْ مَشَايِخِ بَنِي هَاشِمٍ وَسَادَتِهِمْ ، فَلَمَّا صِرْنَا بِالْأَبْطَحِ لَقِينَا الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ فِي خَيْلٍ إِلَى مَكَّةَ ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِمَا وَمَضَيْنَا ، فَقُلْتُ لِمُحَمَّدٍ : أَحْسَبُ الرَّجُلَ قَدْ مَاتَ ، فَكَانَ كَذَلِكَ . ثُمَّ أَتَيْنَا الْعَسْكَرَ ، فَإِذَا مُوسَى بْنُ الْمَهْدِيِّ قَدْ صَدَرَ عِنْدَ عَمُودِ السُّرَادِقِ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ الْمَنْصُورِ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ السُّرَادِقِ ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يَسِيرُ بَيْنَ الْمَنْصُورِ وَبَيْنَ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ ، وَرَفَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ الْقِصَصَ ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ عَلِمْتُ أَنَّ الْمَنْصُورَ قَدْ مَاتَ . وَأَقْبَلَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ الْعُلْوِيُّ ، وَجَاءَ النَّاسُ حَتَّى مَلَئُوا السُّرَادِقَ ، وَسَمِعَنَا هَمْسًا مِنْ بُكَاءٍ ، وَخَرَجَ أَبُو الْعَنْبَرِ ، خَادِمُ الْمَنْصُورِ ، مُشَقَّقَ الْأَقْبِيَةِ ، وَعَلَى رَأْسِهِ التُّرَابُ ، وَصَاحَ : وَاأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَاهُ ! فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ ، ثُمَّ تَقَدَّمُوا لِيَدْخُلُوا عَلَيْهِ ، فَمَنَعَهُمُ الْخَدَمُ . وَقَالَ ابْنُ عَيَّاشٍ الْمَنْتُوفُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! أَمَا شَهِدْتُمْ مَوْتَ خَلِيفَةٍ قَطُّ ؟ اجْلِسُوا ، فَجَلَسُوا ، وَقَامَ الْقَاسِمُ فَشَقَّ ثِيَابَهُ ، وَوَضَعَ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ ، وَمُوسَى عَلَى حَالِهِ . ثُمَّ خَرَجَ الرَّبِيعُ وَفِي يَدِهِ قِرْطَاسٌ ، فَفَتَحَهُ ، فَقَرَأَهُ ، فَإِذَا فِيهِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مِنْ عَبْدِ اللَّهِ الْمَنْصُورِ ، أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، إِلَى مَنْ خَلَّفَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ، وَشِيعَتِهِ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ ، وَعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ بَكَى ، وَبَكَى النَّاسُ ، ثُمَّ قَالَ : قَدْ أَمْكَنَكُمُ الْبُكَاءُ ، فَأَنْصِتُوا ، رَحِمَكُمُ اللَّهُ . ثُمَّ قَرَأَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي كَتَبْتُ كِتَابِي هَذَا ، وَأَنَا حَيٌّ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا ، وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ ، أَقْرَأُ عَلَيْكَمُ السَّلَامَ ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ لَا يَفْتِنَكُمْ بَعْدِي وَلَا يُلْبِسَكُمْ شِيَعًا ، وَلَا يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ . ثُمَّ أَخَذَ فِي وَصِيَّتِهِمْ بِالْمَهْدِيِّ ، وَإِذْكَارِهِمُ الْبَيْعَةَ لَهُ ، وَحَثِّهِمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ ، ثُمَّ تَنَاوَلَ يَدَ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ وَقَالَ : قُمْ فَبَايِعْ ! فَقَامَ إِلَى مُوسَى فَبَايَعَهُ ، ثُمَّ بَايَعَهُ النَّاسُ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ ، ثُمَّ أَدْخَلَ بَنُو هَاشِمٍ عَلَى الْمَنْصُورِ وَهُوَ فِي أَكْفَانِهِ ، مَكْشُوفَ الرَّأْسِ ، فَحَمَلْنَاهُ ، حَتَّى أَتَيْنَا بِهِ مَكَّةَ ثَلَاثَ أَمْيَالٍ ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَالرِّيحُ تُحَرِّكُ شَعْرَ صُدْغَيْهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ وَفَّرَ شَعَرَهُ لِلْحَلْقِ ، وَقَدْ نَصَلَ خِضَابُهُ ، حَتَّى أَتَيْنَا بِهِ حُفْرَتَهُ . وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ ارْتَفَعَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ أَنَّ عِيسَى بْنَ مُوسَى أَبَى الْبَيْعَةَ ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ : وَاللَّهِ لَتُبَايِعَنَّ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ ! فَبَايَعَ . ثُمَّ وَجَّهَ مُوسَى بْنَ الْمَهْدِيِّ وَالرَّبِيعَ إِلَى الْمَهْدِيِّ بِخَبَرِ وَفَاةِ الْمَنْصُورِ ، وَبِالْبَيْعَةِ لَهُ مَعَ مَنَارَةَ مَوْلَى الْمَنْصُورِ ، وَبَعَثَا أَيْضًا بِالْقَضِيبِ ، وَبُرْدَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِخَاتَمِ الْخِلَافَةِ ، وَخَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ ، فَقَدِمَ الْخَبَرُ عَلَى الْمَهْدِيِّ مَعَ مَنَارَةَ ، مُنْتَصَفَ ذِي الْحِجَّةِ ، فَبَايَعَهُ أَهْلُ بَغْدَاذَ . وَقِيلَ : إِنَّ الرَّبِيعَ كَتَمَ مَوْتَ الْمَنْصُورِ ، وَأَلْبَسَهُ ، وَسَنَّدَهُ ، وَجَعَلَ عَلَى وَجْهِهِ كَلَّةً خَفِيفَةً يُرَى شَخْصُهُ مِنْهَا ، وَلَا يُفْهَمُ أَمْرُهُ ، وَأَدْنَى أَهْلَهُ مِنْهُ ، ثُمَّ قَرَّبَ مِنْهُ الرَّبِيعَ كَأَنَّهُ يُخَاطِبُهُ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِمْ ، وَأَمَرَهُمْ عَنْهُ بِتَجْدِيدِ الْبَيْعَةِ لِلْمَهْدِيِّ ، فَبَايَعُوا ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بَاكِيًا مُشَقَّقَ الْجَيْبِ ، لَاطِمًا رَأْسَهُ . فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَهْدِيَّ أَنْكَرَهُ عَلَى الرَّبِيعِ ، وَقَالَ : أَمَا مَنَعَتْكَ جَلَالَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ فَعَلْتَ بِهِ مَا فَعَلْتَ ؟ وَقِيلَ ضَرَبَهُ ، وَلَمْ يُضْحِ ضَرْبَهُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية