الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                  معلومات الكتاب

                                                                  موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين

                                                                  القاسمي - محمد جمال الدين القاسمي

                                                                  انْقِسَامُ الذُّنُوبِ إِلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ : اعْلَمْ أَنَّ الذُّنُوبَ تَنْقَسِمُ إِلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ ، وَقَدْ كَثُرَ الِاخْتِلَافُ فِيهَا فَقَالَ قَائِلُونَ : لَا صَغِيرَةَ وَلَا كَبِيرَةَ ، بَلْ كُلُّ مُخَالَفَةٍ لِلَّهِ فَهِيَ كَبِيرَةٌ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ إِذْ قَالَ تَعَالَى : ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ) [ النِّسَاءِ : 31 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ) [ النَّجْمِ : 32 ] . وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : "كُلُّ مَا أَوْعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنَّارِ فَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ " . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي عَدَدِ الْكَبَائِرِ أَقْوَالٌ ، وَذَهَبَ " أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ " إِلَى أَنَّهَا سَبْعَ عَشْرَةَ ، جَمَعَهَا مِنَ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ : أَرْبَعٌ فِي الْقَلْبِ : وَهِيَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَتِهِ ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِهِ . وَأَرْبَعٌ فِي اللِّسَانِ : وَهِيَ شَهَادَةُ الزُّورِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنِ ، وَالسِّحْرُ ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَهِيَ الَّتِي يُحِقُّ بِهَا بَاطِلًا أَوْ يُبْطِلُ بِهَا حَقًّا ، وَقِيلَ : هِيَ الَّتِي يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بَاطِلًا ، وَلَوْ سِوَاكًا مِنْ أَرَاكٍ ، سُمِّيَتْ غَمُوسًا لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي النَّارِ . وَثَلَاثٌ فِي الْبَطْنِ : وَهِيَ شُرْبُ الْخَمْرِ وَالْمُسْكِرِ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ظُلْمًا ، وَأَكْلُ الرِّبَا وَهُوَ يَعْلَمُ . وَاثْنَتَانِ فِي الْفَرَجِ : وَهُمَا الزِّنَا وَاللِّوَاطُ . وَاثْنَتَانِ فِي الْيَدَيْنِ : وَهُمَا الْقَتْلُ وَالسَّرِقَةُ . وَوَاحِدَةٌ فِي الرِّجْلَيْنِ : وَهُوَ الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ أَنْ يَفِرَّ الْوَاحِدُ مِنِ اثْنَيْنِ وَالْعَشَرَةُ مِنَ الْعِشْرِينَ . وَوَاحِدَةٌ فِي جَمِيعِ الْجَسَدِ : وَهُوَ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَجُمْلَةُ عُقُوقِهِمَا أَنْ يُقْسِمَا عَلَيْهِ فِي حَقٍّ فَلَا يَبَرُّ قَسَمَهُمَا ، وَإِنْ سَأَلَاهُ حَاجَةً فَلَا يُعْطِيهِمَا ، وَإِنْ يَسُبَّاهُ فَيَضْرِبُهُمَا ، وَيَجُوعَانِ فَلَا يُطْعِمُهُمَا . هَذَا كَلَامُ أبي طالب وَهُوَ قَرِيبٌ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ تَفْصِيلُهَا بَعْدُ ، وَلَا حَدٌّ جَامِعٌ بَلْ وَرَدَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَاتٍ ، وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الذُّنُوبَ مُنْقَسِمَةٌ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ إِلَى مَا يُعْلَمُ اسْتِعْظَامُهُ إِيَّاهَا ، وَإِلَى مَا يُعْلَمُ أَنَّهَا مَعْدُودَةٌ فِي الصَّغَائِرِ ، وَإِلَى مَا يُشَكُّ فِيهِ فَلَا يُدْرَى حُكْمُهُ ، وَرُبَّمَا قَصَدَ الشَّارِعُ الْإِبْهَامَ ؛ لِيَكُونَ الْعِبَادُ عَلَى وَجَلٍ وَحَذَرٍ فَلَا يَتَجَرَّؤُونَ عَلَى الصَّغَائِرِ . ثُمَّ إِنَّ اجْتِنَابَ الْكَبِيرَةِ إِنَّمَا يُكَفِّرُ الصَّغِيرَةَ إِذَا اجْتَنَبَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ ، كَمَنْ يَتَمَكَّنُ مِنِ امْرَأَةٍ وَمِنْ مُوَاقَعَتِهَا فَيَكُفُّ نَفْسَهُ عَنِ الْوِقَاعِ مُجَاهِدًا نَفْسَهُ ، فَإِنِ امْتَنَعَ لِعَجْزٍ أَوْ خَوْفٍ فَهَذَا لَا يَصْلُحُ لِلتَّكْفِيرِ أَصْلًا .

                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                  الخدمات العلمية