الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ غَيْرَ آمِنٍ لَمْ يَلْزَمْهُ ، لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ; لِأَنَّهُ فِي إيجَابِ الْحَجِّ مَعَ الْخَوْفِ تَغْرِيرٌ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ ، وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا إلَّا أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى خُفَارَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ ; لِأَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْخُفَارَةِ بِمَنْزِلَةِ مَا زَادَ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ وَأُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَلَا يَلْزَمُهُ ، وَلِأَنَّهُ رِشْوَةٌ عَلَى وَاجِبٍ فَلَمْ يَلْزَمْهُ ) المجموع ( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ سَبَقَ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، وَسَبَقَ فِي الْفَصْلِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْخُفَارَةَ - بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا وَفَتْحِهَا - وَالرِّشْوَةُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا - لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ . أَمَّا الْأَحْكَامُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ أَمْنُ الطَّرِيقِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ، النَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْبَضْعِ ( فَأَمَّا ) الْبَضْعُ فَمُتَعَلِّقٌ بِحَجِّ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى ، وَسَنَذْكُرُهُمَا بَعْدَ هَذَا بِقَلِيلٍ حَيْثُ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَلَيْسَ الْأَمْنُ الْمُشْتَرَطُ أَمْنًا قَطْعِيًّا . قَالَ : وَلَا يُشْتَرَطُ الْأَمْنُ الْغَالِبُ فِي الْحَضَرِ بَلْ الْأَمْنُ فِي كُلِّ مَكَان بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ ( فَأَمَّا ) النَّفْسُ فَمَنْ خَافَ عَلَيْهَا مِنْ سَبُعٍ أَوْ عَدُوٍّ كَافِرٍ أَوْ مُسْلِمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ إنْ لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا آخَرَ آمِنًا . فَإِنْ وَجَدَهُ لَزِمَهُ ، سَوَاءٌ كَانَ مِثْلَ طَرِيقِهِ أَوْ أَبْعَدَ إذَا وَجَدَ مَا يَقْطَعُهُ بِهِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ سُلُوكُ الْأَبْعَدِ ، حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ . ( وَأَمَّا ) الْبَحْرُ فَسَنَذْكُرُ الْخَوْفَ مِنْهُ عَقِيبَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - ( وَأَمَّا ) الْمَالُ فَلَوْ خَافَ عَلَى مَالِهِ فِي الطَّرِيقِ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ رَصَدِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ سَوَاءٌ طَلَبَ الرَّصَدِيُّ شَيْئًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا إذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ الطَّرِيقُ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ سَوَاءٌ كَانَ الْعَدُوُّ الَّذِي يَخَافُهُ مُسْلِمِينَ أَوْ كُفَّارًا ، لَكِنْ قَالَ أَصْحَابُنَا : إنْ كَانَ الْعَدُوُّ كُفَّارًا وَأَطَاقَ الْحَاجُّ مُقَاوَمَتَهُمْ اُسْتُحِبَّ لَهُمْ الْخُرُوجُ إلَى الْحَجِّ وَيُقَاتِلُونَهُمْ لِيَنَالُوا الْحَجَّ وَالْجِهَادَ جَمِيعًا ، وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ لَمْ يُسْتَحَبَّ الْخُرُوجُ وَلَا الْقِتَالُ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيُكْرَهُ بَذْلُ الْمَالِ لِلرَّاصِدِينَ ; لِأَنَّهُمْ يَحْرِصُونَ عَلَى التَّعَرُّضِ لِلنَّاسِ بِسَبَبِ ذَلِكَ ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ ، وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَلَوْ وَجَدُوا مَنْ يَخْفِرُهُمْ بِأُجْرَةٍ وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَمْنُهُمْ فَفِي وُجُوبِ اسْتِئْجَارِهِ وَوُجُوبِ الْحَجِّ وَجْهَانِ ، حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : ( وَأَصَحُّهُمَا ) عِنْدَهُ وُجُوبُهُ ; لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أُهَبِ الطَّرِيقِ فَهُوَ كَالرَّاحِلَةِ ( وَالثَّانِي ) لَا يَجِبُ ; لِأَنَّ سَبَبَ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ خَوْفُ الطَّرِيقِ وَخُرُوجُهَا عَنْ الِاعْتِدَالِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَمْنَ الطَّرِيقِ شَرْطٌ ، هَكَذَا ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَتَابَعَهُ الْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ ، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَجَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّهُ إذَا احْتَاجَ إلَى خُفَارَةٍ لَمْ يَجِبْ الْحَجُّ ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْخُفَارَةِ مَا يَأْخُذُهُ الرَّصَدِيُّونَ فِي الْمَرْصَدِ ، وَهَذَا لَا يَجِبُ الْحَجُّ مَعَهُ بِلَا خِلَافٍ وَلَا يَكُونُونَ مُتَعَرِّضِينَ لِمِثْلِهِ . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا الصُّورَتَيْنِ فَيَكُونُ خِلَافَ مَا قَالَهُ وَلَكِنْ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَظْهَرُ فِي الدَّلِيلِ ، فَيَكُونُ الْأَصَحُّ عَلَى الْجُمْلَةِ وُجُوبَ الْحَجِّ إذَا وَجَدُوا مَنْ يَصْحَبُهُمْ الطَّرِيقَ بِخُفَارَةٍ ، وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ ، وَقَدْ صَحَّحَهُ إمَامَانِ مِنْ مُحَقِّقِي مُتَأَخِّرِي ، أَصْحَابِنَا أَبُو الْقَاسِمِ الرَّافِعِيُّ وَأَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ مَعَ اطِّلَاعِهِمَا عَلَى عِبَارَةِ الْأَصْحَابِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية