الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( ثُمَّ السَّعْيُ وَهُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { أَيُّهَا النَّاسُ اسْعَوْا فَإِنَّ السَّعْيَ قَدْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ } فَلَا يَصِحُّ السَّعْيُ إلَّا بَعْدَ طَوَافٍ ، فَإِنْ سَعَى ثُمَّ طَافَ لَمْ يُعْتَدَّ بِالسَّعْيِ ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ { لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا } ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } فَنَحْنُ نَصْنَعُ مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالسَّعْيُ أَنْ يَمُرَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { نَبْدَأُ بِاَلَّذِي بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ، وَبَدَأَ بِالصَّفَا حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ سَعْيِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ فَإِنْ مَرَّ مِنْ الصَّفَا إلَى الْمَرْوَةِ حَسَبَ ذَلِكَ مَرَّةً ، وَإِذَا رَجَعَ مِنْ الْمَرْوَةِ إلَى الصَّفَا حَسَبَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى } ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ : لَا يَحْسُبُ رُجُوعَهُ مِنْ الْمَرْوَةِ إلَى الصَّفَا مَرَّةً ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَا بَيْنَهُمَا بِالسَّعْيِ فَحُسِبَ مَرَّةً ، كَمَا لَوْ بَدَأَ مِنْ الصَّفَا وَجَاءَ إلَى الْمَرْوَةِ . فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ وَسَعَى إلَى الصَّفَا لَمْ يَجْزِهِ ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ } وَيَرْقَى عَلَى الصَّفَا حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ فَيَسْتَقْبِلَهُ وَيَقُولَ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ; لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ { خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الصَّفَا فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى إذَا رَأَى الْبَيْتَ تَوَجَّهَ إلَيْهِ وَكَبَّرَ ثُمَّ قَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ، ثُمَّ دَعَا ثُمَّ قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثًا ثُمَّ نَزَلَ } . ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا أَحَبَّ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا ، لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بَعْدَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ لِنَفْسِهِ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الدُّعَاءِ نَزَلَ مِنْ الصَّفَا وَيَمْشِي حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِيلِ الْأَخْضَرِ الْمُعَلَّقِ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ نَحْوٌ مِنْ سِتَّةِ أَذْرُعٍ ، فَيَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا حَتَّى يُحَاذِيَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ اللَّذَيْنِ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَحِذَاءَ دَارِ الْعَبَّاسِ ثُمَّ يَمْشِي حَتَّى يَصْعَدَ الْمَرْوَةَ ، لِمَا رَوَى حَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا نَزَلَ مِنْ الصَّفَا مَشَى حَتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ فَإِذَا وَصَلَ مَشَى حَتَّى يَأْتِيَ الْمَرْوَةَ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ : رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ إنَّك أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ لِمَا رَوَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ فَإِنْ تَرَكَ السَّعْيَ وَمَشَى فِي الْجَمِيعِ جَازَ ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { كَانَ يَمْشِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَقَالَ : إنْ أَمْشِي فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } وَإِنْ سَعَى رَاكِبًا جَازَ ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ { طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَوَافِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيَرَاهُ النَّاسُ ، وَيَسْأَلُوهُ } . وَالْمُسْتَحَبُّ إذَا صَعِدَ الْمَرْوَةَ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا } قَالَ فِي الْأُمِّ : فَإِنْ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَمْ يَرْقَ عَلَيْهِمَا أَجْزَأَهُ . وَقَالَ أَبُو حَفْصِ بْنُ الْوَكِيلِ : لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَرْقَى عَلَيْهِمَا ، لِيَتَيَقَّنَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى السَّعْيَ بَيْنَهُمَا . وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ هُوَ السَّعْيُ بَيْنَهُمَا وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً ذَاتَ جَمَالٍ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ تَطُوفَ وَتَسْعَى لَيْلًا ، فَإِنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ نَهَارًا مَشَتْ فِي مَوْضِعِ السَّعْيِ وَإِنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَوْ عَرَضَ عَارِضٌ قَطَعَ السَّعْيَ فَإِذَا فَرَغَ بَنَى ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " كَانَ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ " فَأَعْجَلَهُ الْبَوْلُ فَتَنَحَّى ، وَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ فَأَتَمَّ عَلَى مَا مَضَى ) . المجموع الشَّرْحُ ) أَمَّا حَدِيثُ { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْعَوْا ، فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ } فَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ حَبِيبَةَ بِنْتِ تَجْرَاةَ - بِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ جِيمٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ رَاءٍ - وَحَبِيبَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ - هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَيُقَالُ حَبِيبَةُ - بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ - وَحَدِيثُهَا هَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ . فِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ : فِيهِ اضْطِرَابٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْأَوَّلُ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ إلَى قَوْلِهِ : أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ الْأَوَّلُ فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي جُمْلَةِ حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ . وَأَمَّا حَدِيثُ { ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ } فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ لَكِنَّ لَفْظَهُ " أَبْدَأُ " عَلَى الْخَبَرِ وَاَلَّذِي فِي نُسَخِ الْمُهَذَّبِ " ابْدَءُوا " بِوَاوِ الْجَمْعِ عَلَى الْأَمْرِ ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ " فَابْدَءُوا " بِلَفْظِ الْأَمْرِ ، وَإِسْنَادُهَا صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ الثَّانِي فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ لَكِنَّ فِي لَفْظِهِ مُخَالَفَةً ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ قَالَ { فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ تَعَالَى وَكَبَّرَهُ ، وَقَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ } هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَفِي رِوَايَتَيْنِ لِلنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادَيْنِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ قَالَ { لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } زَادَ : يُحْيِي وَيُمِيتُ كَمَا وَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ . وَأَمَّا دُعَاءُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ لِنَفْسِهِ فَصَحِيحٌ ، رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فِي الْمَشْيِ وَالسَّعْيِ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ ، وَهَذَا لَفْظُهُ قَالَ { ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي ، حَتَّى إذَا صَعِدَ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كُلَّ فِعْلٍ عَلَى الصَّفَا } هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد { ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ رَمَلَ فِي بَطْنِ الْوَادِي حَتَّى إذَا صَعِدَ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ } . وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ { ثُمَّ نَزَلَ حَتَّى إذَا تَصَوَّبَتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ فَسَعَى حَتَّى صَعِدَتْ قَدَمَاهُ ثُمَّ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَصَعِدَ عَلَيْهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ الْبَيْتُ } وَأَمَّا حَدِيثُ { رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ } فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِمَا . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ } إلَى آخِرِهِ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِلَفْظِهِ هَذَا الْمَذْكُورِ فِي الْمُهَذَّبِ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ ; لِأَنَّ جَمِيعَ طُرُقِهِ تَدُورُ عَلَى عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ جُمْهَانَ - بِضَمِّ الْجِيمِ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَفِي هَذَا نَظَرٌ ; لِأَنَّ عَطَاءً اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَتَرَكُوا الِاحْتِجَاجَ بِرِوَايَاتِ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ آخِرًا ، وَالرَّاوِي عَنْهُ فِي التِّرْمِذِيِّ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ آخِرًا وَلَكِنْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَطَاءٍ ، وَسُفْيَانُ مِمَّنْ سُمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا ، وَكَثِيرُ بْنُ جُمْهَانَ مَسْتُورٌ . وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَمْ يُضَعِّفْهُ فَهُوَ أَيْضًا حَسَنٌ عِنْدَهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ } فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ . وَأَمَّا أَلْفَاظُ الْفَصْلِ فَقَوْلُهُ : وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ، أَيْ الطَّوَائِفَ الَّتِي تَحَزَّبَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَصَرُوا الْمَدِينَةَ . وَقَوْلُهُ " وَحْدَهُ " مَعْنَاهُ هَزَمَهُمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ مِنْكُمْ ، بَلْ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا . قَوْلُهُ " فَبَدَأَ بِالصَّفَا " فَرَقَى عَلَيْهِ ، هُوَ - بِكَسْرِ الْقَافِ ، يُقَالُ رَقِيَ يَرْقَى كَعَلِمَ يَعْلَمُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ } وَقَوْلُهُ " الْمِيلِ الْأَخْضَرِ " هُوَ الْعَمُودُ ، قَوْلُهُ " مُعَلَّقٌ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ " - بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ - وَالْمُرَادُ رُكْنُ الْمَسْجِدِ ، وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ . الْمُعَلَّقُ فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ وَمَعْنَاهُ الْمَبْنِيُّ فِيهِ . وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قَوْلُهُ " وَحِذَاءَ دَارِ الْعَبَّاسِ " هَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا . وَفِي التَّنْبِيهِ . وَكَذَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَهُوَ غَلَطٌ فِي اللَّفْظِ ، وَصَوَابُهُ حَذْفُ لَفْظَةِ " حِذَاءَ " ، بَلْ يُقَالُ الْمُعَلَّقَيْنِ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَدَارِ الْعَبَّاسِ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَالدَّارِمِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَأَبُو عَلِيٍّ وَالْمَسْعُودِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ بِحَذْفِ لَفْظَةِ " حِذَاءَ " ، وَهُوَ الصَّوَابُ ; لِأَنَّهُ فِي نَفْسِ حَائِطِ دَارِ الْعَبَّاسِ . وَقَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ : وَجِدَارُ دَارِ الْعَبَّاسِ - بِجِيمٍ وَبِرَاءٍ بَعْدَ الْأَلِفِ - وَهَذَا حَسَنٌ ، وَالْمُرَادُ بِالْجِدَارِ الْحَائِطُ ، وَالْعَبَّاسُ صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ ، وَهُوَ أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ عَنْهُ وَأَمَّا صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ فَصَحَابِيَّةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ . وَقِيلَ تَابِعِيَّةٌ . وَسَبَقَ ذِكْرُهَا فِي آخِرِ بَابِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ . ( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : إذَا فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمَهُ ، ثُمَّ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا إلَى الْمَسْعَى ، ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَبَيَّنَّاهُ فِي آخِرِ فَصْلِ الطَّوَافِ . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي : إذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَأْتِيَ الْمُلْتَزَمُ وَيَدْعُوَ فِيهِ وَيَدْخُلَ الْحِجْرَ وَيَدْعُوَ تَحْتَ الْمِيزَابِ . وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ يَأْتِي الْمُلْتَزَمَ إذَا فَرَغَ مِنْ الطَّوَافِ قَبْلَ رَكْعَتَيْهِ ثُمَّ يُصَلِّيهِمَا . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : يَطُوفُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْهِ ثُمَّ يَأْتِي الْمُلْتَزَمُ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمُهُ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الصَّفَا ، وَكُلُّ هَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ ، بَلْ الصَّوَابُ الَّذِي تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ ثُمَّ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ غَيْرِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَشْتَغِلُ عَقِبَ صَلَاةِ الطَّوَافِ بِشَيْءٍ ، إلَّا اسْتِلَامَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ، ثُمَّ الْخُرُوجَ إلَى الصَّفَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية