الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ( وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ ، أَوْ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ ، وَالْجَمَلِ الشَّارِدِ ، وَالْفَرَسِ الْعَائِرِ ، وَالْعَبْدِ الْآبِقِ ، وَالْمَالِ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ } وَهَذَا غَرَرٌ ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : " لَا تَشْتَرُوا السَّمَكَ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ غَرَرٌ " وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْبَيْعِ تَمْلِيكُ التَّصَرُّفِ ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، فَإِنْ بَاعَ طَيْرًا فِي بُرْجٍ مُغْلَقِ الْبَابِ أَوْ السَّمَكَ فِي بِرْكَةٍ لَا تَتَّصِلُ بِنَهْرٍ - نَظَرْتَ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى تَنَاوُلِهِ إذَا أَرَادَ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ - جَازَ بَيْعُهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي بُرْجٍ عَظِيمٍ أَوْ بِرْكَةٍ عَظِيمَةٍ لَا يُقْدَرُ عَلَى أَخْذِهِ إلَّا بِتَعَبٍ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ ، وَإِنْ بَاعَ الْعَبْدَ الْآبِقَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، أَوْ الْمَغْصُوبَ مِنْ الْغَاصِبِ ، أَوْ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ جَازَ ، لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِي بَيْعِهِ مِنْهُ ) المجموع ( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ . وَالْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا مُنْقَطِعًا ، ثُمَّ قَالَ : الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ ( وَقَوْلُهُ ) فِي بِرْكَةٍ - بِكَسْرِ الْبَاءِ - وَالنَّهْرُ - بِفَتْحِ الْهَاءِ - وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا . ( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَقَدْ سَبَقَ أَنَّ أَحَدَ شُرُوطِ الْمَبِيعِ الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَفَوَاتُ الْقُدْرَةِ قَدْ يَكُونُ حِسِّيًّا ، وَقَدْ يَكُونُ شَرْعِيًّا ، فَمِنْ الشَّرْعِيِّ بَيْعُ الْمَرْهُونِ وَالْوَقْفِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَكَذَا الْجَانِي فِي قَوْلٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ( وَأَمَّا ) الْحِسِّيُّ فَفِيهِ مَسَائِلُ : ( إحْدَاهَا ) لَا يَجُوزُ بَيْعُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَلَا السَّمَكِ فِي الْمَاءِ الْمَمْلُوكَيْنِ لَهُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، فَلَوْ بَاعَ السَّمَكَ الْمَمْلُوكَ لَهُ وَهُوَ فِي بِرْكَةٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا أَوْ طَيْرًا فِي بُرْجٍ مُغْلَقٍ فَإِنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُ بِلَا تَعَبٍ كَبِرْكَةٍ صَغِيرَةٍ وَبُرْجٍ صَغِيرٍ جَازَ بَيْعُهُ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَخْذُهُ إلَّا بِتَعِبٍ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ ( أَصَحُّهُمَا ) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَآخَرُونَ ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ فِي الْمُخْتَصَرِ ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ النَّصِّ لَا يَصِحُّ ( وَالثَّانِي ) يَصِحُّ كَمَا يَصِحُّ بَيْعُ مَا يُحْتَاجُ فِي نَقْلِهِ إلَى مُؤْنَةٍ كَبِيرَةٍ ، وَهَذَا الْوَجْهُ لِابْنِ سُرَيْجٍ ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : هَذَا لَا وَجْهَ لَهُ . ( أَمَّا ) إذَا كَانَ بَابُ الْبُرْجِ مَفْتُوحًا فَلَا يَصِحُّ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ الْبَيَانِ ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الطَّيَرَانِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَحَيْثُ صَحَّحْنَاهُ فَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَمْنَعَ الْمَاءُ رُؤْيَتَهُ ، فَإِنْ مَنَعَهَا ، فَفِيهِ قَوْلَا بَيْعِ الْغَائِبِ إنْ عَرَفَ الْمُتَعَاقِدَانِ قَدْرَهُ وَصِفَتَهُ صَحَّ ، وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ بَاعَ الطَّيْرَ فِي حَالِ ذَهَابِهَا إلَى الرَّعْيِ أَوْ غَيْرِهِ اعْتِمَادًا عَلَى عَادَةِ عَوْدِهَا فِي اللَّيْلِ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ ( أَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ لَا يَصِحُّ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ ( وَأَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ الصِّحَّةُ كَالْعَبْدِ الْمَبْعُوثِ فِي شُغْلٍ ، وَالْمَذْهَبُ : الْأَوَّلُ ، لِأَنَّهُ لَا وُثُوقَ بِعَوْدِهَا لِعَدَمِ عَقْلِهَا بِخِلَافِ الْعَبْدِ . ( الثَّانِيَةُ ) لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَبْدِ الْآبِقِ ، وَالْجَمَلِ الشَّارِدِ ، وَالْفَرَسِ الْعَائِرِ ، وَالْمَالِ الضَّالِّ ، وَنَحْوِهَا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَسَوَاءٌ عُرِفَ مَوْضِعُ الْآبِقِ وَالضَّالِّ وَنَحْوِهِ أَمْ لَا ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ فِي الْحَالِ ، وَهَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ ، وَكَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ : إنَّهُ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ . قَالَ الْأَصْحَابُ : لَا يُشْتَرَطُ فِي الْحُكْمِ بِالْبُطْلَانِ الْيَأْسُ مِنْ التَّسْلِيمِ ، بَلْ يَكْفِي ظُهُورُ التَّعَذُّرِ ، قَالَ : وَأَحْسَنَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فَقَالَ : إذَا عُرِفَ مَوْضِعُهُ وَعُلِمَ أَنَّهُ يَصِلُهُ إذَا رَامَ وُصُولَهُ فَلَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْآبِقِ ( قُلْتُ : ) وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ ( وَأَمَّا ) الْمَغْصُوبُ فَإِذَا بَاعَهُ مَالِكُهُ - نُظِرَ إنْ قَدَرَ الْبَائِعُ عَلَى اسْتِرْدَادِهِ وَتَسْلِيمِهِ - صَحَّ الْبَيْعُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا يَصِحُّ بَيْعُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ ، وَإِنْ عَجَزَ - نُظِرَ إنْ بَاعَهُ لِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى انْتِزَاعِهِ مِنْ الْغَاصِبِ - لَمْ يَصِحَّ قَطْعًا وَإِنْ بَاعَهُ مِنْ قَادِرٍ عَلَى انْتِزَاعِهِ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ ( أَصَحُّهُمَا ) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ يَصِحُّ ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالثَّانِي ) لَا ، لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَقْتَضِي تَكْلِيفَ الْمُشْتَرِي تَعَبَ الِانْتِزَاعِ ، وَإِنْ صَحَّحْنَاهُ وَعَلِمَ الْمُشْتَرِي الْحَالَ فَلَا خِيَارَ لَهُ ، وَلَكِنْ لَوْ عَجَزَ عَنْ انْتِزَاعِهِ لِضَعْفٍ عَرَضَ لَهُ أَوْ قُوَّةٍ عَرَضَتْ لِلْغَاصِبِ فَلَهُ الْخِيَارُ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا خِيَارَ ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا حَالَ الْعَقْدِ كَوْنَهُ مَغْصُوبًا فَلَهُ الْخِيَارُ بِلَا خِلَافٍ ، وَلَوْ بَاعَ الْآبِقَ مِمَّنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ رَدُّهُ ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ كَالْمَغْصُوبِ ( الصَّحِيحُ ) الصِّحَّةُ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية