الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَكَانَتْ هَذِهِ التَّوْجِيهَاتُ تَتَمَثَّلُ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ النُّصُوصِ: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ .. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ .. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ .. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ .. قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .. لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ .. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ .. أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ .. كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ . وَمِنْ هَذِهِ الْحَمْلَةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي اقْتَطَفْنَا مِنْهَا هَذِهِ الْآيَاتِ، وَتَنَوُّعَ تَوْجِيهَاتِهَا وَتَلْقِينَاتِهَا تَتَبَيَّنُ عِدَّةُ أُمُورٍ: أَوَّلُهَا: ضَخَامَةُ الْجُهْدِ الَّذِي كَانَ يَبْذُلُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي الْمَدِينَةِ وَغَيْرُهَا، وَعُمْقُ الْكَيْدِ وَتَنَوُّعُ أَسَالِيبِهِ، وَاسْتِخْدَامِ جَمِيعِ الْوَسَائِلِ لِزَعْزَعَةِ الْعَقِيدَةِ وَخَلْخَلَةِ الصَّفِّ الْمُسْلِمِ مِنْ وَرَائِهَا. وَثَانِيَهَا: ضَخَامَةُ الْآثَارِ الَّتِي كَانَ هَذَا الْجُهْدُ يَتْرُكُهَا فِي النُّفُوسِ وَفِي حَيَاةِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ، مِمَّا اقْتَضَى هَذَا الْبَيَانُ الطَّوِيلُ الْمُفَصَّلُ الْمُنَوَّعُ الْمَقَاطِعِ وَالْأَسَالِيبِ. وَثَالِثُهَا: هُوَ مَا نَلْمَحُهُ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ الْقُرُونِ الطَّوِيلَةِ. مِنْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاءَ هُمُ الَّذِينَ يُلَاحِقُونَ هَذِهِ الدَّعْوَةَ وَأَصْحَابَهَا فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا وَهُمُ الَّذِينَ تُوَاجِهُهُمْ هَذِهِ الْعَقِيدَةُ وَأَهْلُهَا. وَمِنْ ثَمَّ اقْتَضَتْ إِرَادَةُ الْحَكِيمِ الْخَبِيرِ أَنَّ يُقِيمَ هَذَا الْمِشْعَلَ الْهَادِيَ الضَّخْمَ الْبَعِيدَ الْمَطَارِحَ لِتَرَاهُ الْأَجْيَالُ الْمُسْلِمَةُ قَوِيًّا وَاضِحًا عَمِيقَ التَّرْكِيزِ عَلَى كَشْفِ الْأَعْدَاءِ التَّقْلِيدِيِّينَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَلِهَذَا الدِّينِ!. أَمَّا الْقِطَاعُ الثَّانِي فِي السُّورَةِ فَهُوَ خَاصٌّ بِغَزْوَةِ أُحُدٍ . وَهُوَ يَشْتَمِلُ كَذَلِكَ عَلَى تَقْرِيرَاتٍ فِي حَقَائِقِ التَّصَوُّرِ الْإِسْلَامِيِّ وَالْعَقِيدَةِ الْإِيمَانِيَّةِ. وَعَلَى تَوْجِيهَاتٍ فِي بِنَاءِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ عَلَى أَسَاسِ تِلْكَ الْحَقَائِقِ. إِلَى جَانِبِ اسْتِعْرَاضِ الْأَحْدَاثِ وَالْوَقَائِعِ، وَالْخَوَاطِرِ وَالْمَشَاعِرِ، اسْتِعْرَاضًا يَتَبَيَّنُ مِنْهُ بِجَلَاءِ حَالَةِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ يَوْمَهَا وَقِطَاعَاتِهَا الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا فِي أَوَّلِ هَذَا التَّمْهِيدِ. وَعَلَاقَةُ هَذَا الْمَقْطَعِ بِالْمَقْطَعِ الْأَوَّلِ فِي السُّورَةِ ظَاهِرَةٌ. فَهُوَ يَتَوَلَّى عَمَلِيَّةَ بِنَاءِ التَّصَوُّرِ الْإِسْلَامِيِّ وَتَجْلِيَتِهِ - فِي مَجَالِ الْمَعْرَكَةِ وَالْحَدِيدُ سَاخِنٌ! - كَمَا يَتَوَلَّى عَمَلِيَّةَ تَثْبِيتِ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ عَلَى التَّكَالِيفِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى أَصْحَابِ دَعْوَةِ الْحَقِّ فِي الْأَرْضِ. مَعَ تَعْلِيمِهِمْ سُنَّةَ اللَّهِ فِي النَّصْرِ وَالْهَزِيمَةِ. وَيُرَبِّيهِمْ بِالتَّوْجِيهَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ كَمَا يُرَبِّيهِمْ بِالْأَحْدَاثِ الْوَاقِعِيَّةِ. وَإِنَّهُ لِيَصْعُبُ اسْتِيفَاءُ الْحَدِيثِ هُنَا عَنْ طَبِيعَةِ هَذَا الْمَقْطَعِ وَمُحْتَوَيَاتِهِ وَقِيمَتِهِ فِي بِنَاءِ الْعَقِيدَةِ وَبِنَاءِ الْجَمَاعَةِ.. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَقْطَعُ يَقَعُ بِجُمْلَتِهِ فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ "مِنَ الظِّلَالِ" فَلْنُرْجِئِ الْحَدِيثَ عَنْهُ إِلَى هَذَا الْجُزْءِ "إِنْ شَاءَ اللَّهُ".. وَنَمْضِي إِلَى خِتَامِ السُّورَةِ - بَعْدَ فَصْلِ غَزْوَةِ أُحُدٍ - فَإِذَا هُوَ تَلْخِيصٌ لِمَوْضُوعَاتِهَا الْأَسَاسِيَّةِ، يَبْدَأُ بِإِشَارَةٍ مُوحِيَةٍ إِلَى دَلَالَةِ هَذَا الْكَوْنِ "كِتَابُ اللَّهِ الْمَنْظُورِ" وَإِيحَاءَاتُهُ لِلْقُلُوبِ الْمُؤْمِنَةِ.. وَيَأْخُذُ فِي دُعَاءٍ رَخِيٍّ نَدِيٍّ مِنْ هَذِهِ الْقُلُوبِ، عَلَى مَشْهَدِ الْآيَاتِ فِي كِتَابِ الْكَوْنِ الْمَفْتُوحِ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ .. وَهُوَ يُمَثِّلُ نَصَاعَةَ التَّصَوُّرِ وَوُضُوحِهِ. وَخُشُوعُ الْقَلْبِ وَتَقْوَاهُ. ثُمَّ تَجِيءُ الِاسْتِجَابَةُ مِنَ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - فَيَذْكُرُ فِيهَا الْهِجْرَةَ وَالْجِهَادَ وَالْإِيذَاءَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ .. وَفِيهِ إِشَارَةٌ وَعَلَاقَةٌ بِغَزْوَةِ أُحُدٍ وَأَحْدَاثِهَا وَآثَارِهَا. ثُمَّ يَذْكُرُ أَهْلُ الْكِتَابِ - الَّذِينَ اسْتَغْرَقَ الْحَدِيثُ عَنْهُمْ مَقْطَعَ السُّورَةِ الْأَوَّلَ - لِيَقُولَ لِلْمُسْلِمِينَ إِنَّ الْحَقَّ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ لَا يَجْحَدُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ كُلُّهُمْ. فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَيَشْهَدُ بِأَحَقِّيَّتِهِ: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا . وَتَخْتِمُ السُّورَةَ بِدَعْوَةِ الْمُسْلِمِينَ - بِإِيمَانِهِمْ - إِلَى الصَّبْرِ وَالْمُصَابَرَةِ وَالْمُرَابَطَةِ وَالتَّقْوَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .. وَهُوَ خِتَامٌ يُنَاسِبُ جَوَّ السُّورَةِ وَمَوْضُوعَاتِهَا جَمِيعًا.. وَلَا يَتِمُّ التَّعْرِيفُ الْمُجْمَلُ بِهَذِهِ السُّورَةِ حَتَّى نُلِمَّ بِثَلَاثَةِ خُطُوطٍ عَرِيضَةٍ فِيهَا، تَتَنَاثَرُ نُقَطُهَا فِي السُّورَةِ كُلِّهَا، وَتَتَجَمَّعُ وَتَتَرَكَّزُ فِي مَجْمُوعِهَا، حَتَّى تَرْسُمَ هَذِهِ الْخُطُوطَ الْعَرِيضَةَ بِوُضُوحٍ وَتَوْكِيدٍ.. أَوَّلُ هَذِهِ الْخُطُوطِ بَيَانُ مَعْنَى "الدِّينِ" وَمَعْنَى الْإِسْلَامِ .. فَلَيْسَ الدِّينُ - كَمَا يُحَدِّدُهُ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - وَيُرِيدُهُ وَيَرْضَاهُ - هُوَ كُلُّ اعْتِقَادٍ فِي اللَّهِ.. إِنَّمَا هِيَ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ صُوَرِ الِاعْتِقَادِ فِيهِ - سُبْحَانَهُ - صُورَةُ التَّوْحِيدِ الْمُطْلَقِ النَّاصِعِ الْقَاطِعِ: تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ الَّتِي يَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا الْبَشَرُ كَمَا تَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا سَائِرُ الْخَلَائِقِ فِي الْكَوْنِ بِالْعُبُودِيَّةِ. وَتَوْحِيدُ الْقَوَامَةِ عَلَى الْبَشَرِ وَعَلَى الْكَوْنِ كُلِّهِ . فَلَا يَقُومُ شَيْءٌ لَا بِاللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَقُومُ عَلَى الْخَلَائِقِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَمِنْ ثَمَّ يَكُونُ الدِّينُ الَّذِي يَقْبَلُهُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ هُوَ "الْإِسْلَامُ" وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ: الِاسْتِسْلَامُ الْمُطْلَقُ لِلْقَوَامَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالتَّلَقِّي مِنْ هَذَا الْمَصْدَرِ وَحْدَهُ فِي كُلِّ شَأْنٍ مِنْ شُؤُونِ الْحَيَاةِ، وَالتَّحَاكُمِ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ مِنْ هَذَا الْمَصْدَرِ، وَاتِّبَاعِ الرُّسُلِ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابُ. وَهُوَ فِي صَمِيمِهِ كِتَابٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ فِي صَمِيمِهِ دِينٌ وَاحِدٌ.. الْإِسْلَامُ.. بِهَذَا الْمَعْنَى الْوَاقِعِيِّ فِي ضَمَائِرِ النَّاسِ وَوَاقِعِهِمُ الْعَمَلِيِّ عَلَى السَّوَاءِ. وَالَّذِي يَلْتَقِي عَلَيْهِ كُلُّ الْمُؤْمِنِينَ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ.. كُلٌّ فِي زَمَانِهِ.. مَتَى كَانَ مَعْنَى إِسْلَامِهِ هُوَ الِاعْتِقَادُ بِوَحْدَةِ الْأُلُوهِيَّةِ وَالْقَوَامَةِ; وَالطَّاعَةِ وَالِاتِّبَاعِ فِي مَنْهَجِ الْحَيَاةِ كُلِّهِ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ. وَيَتَّكِئُ سِيَاقُ السُّورَةِ عَلَى هَذَا الْخَطِّ وَيُوَضِّحُهُ فِي أَكْثَرِ مِنْ ثَلَاثِينَ مَوْضِعًا مِنَ السُّورَةِ بِشَكْلٍ ظَاهِرٍ مَلْحُوظٍ.. نَضْرِبُ لَهُ بَعْضَ الْأَمْثِلَةِ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ الْمُجْمَلِ: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ .. شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ .. فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا .. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ .. قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ .. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ .. قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ .. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ .. مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .. أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ .. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ .. وَغَيْرُهَا كَثِيرٌ.. فَأَمَّا الْخَطُّ الثَّانِي الَّذِي يُرَكِّزُ عَلَيْهِ سِيَاقُ السُّورَةِ فَهُوَ تَصْوِيرُ حَالِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ رَبِّهِمْ وَاسْتِسْلَامُهُمْ لَهُ ، وَتَلَقِّيهِمْ لِكُلِّ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْهُ بِالْقَبُولِ وَالطَّاعَةِ وَالِاتِّبَاعِ الدَّقِيقِ.. وَنَضْرِبُ لَهُ كَذَلِكَ بَعْضَ الْأَمْثِلَةِ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ بِالسُّورَةِ حَتَّى نُوَاجِهَهُ مُفَصَّلًا عِنْدَ اسْتِعْرَاضِ النُّصُوصِ بِالتَّفْصِيلِ: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ .. الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ .. قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ .. كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ .. مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ . وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ .. الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ .. وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا .. وَغَيْرُهَا كَثِيرٌ.. وَالْخَطُّ الثَّالِثُ الْعَرِيضُ فِي سِيَاقِ السُّورَةِ هُوَ التَّحْذِيرُ مِنْ وِلَايَةِ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَالتَّهْوِينِ مِنْ شَأْنِ الْكَافِرِينَ مَعَ هَذَا التَّحْذِيرِ، وَتَقْرِيرِ أَنَّهُ لَا إِيمَانَ وَلَا صِلَةَ بِاللَّهِ مَعَ تَوَلِّي الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَا يَحْتَكِمُونَ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَلَا يَتَّبِعُونَ مَنْهَجَهُ فِي الْحَيَاةِ.. وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى هَذَا الْخَطِّ مِنْ قَبْلُ وَلَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِبْرَازٍ هُنَا بِقَدْرِ مَا هُوَ بَارِزٌ وَأَسَاسِيٌّ فِي سِيَاقِ السُّورَةِ، وَهَذِهِ نَمَاذِجُ مِنْ هَذَا الْخَطِّ الْعَرِيضِ: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .. وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا إِلَخْ.. لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَخْ.. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ إِلَخْ.. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ .. لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ .. وَغَيْرُهَا كَثِيرٌ.. وَهَذِهِ الْخُطُوطُ الثَّلَاثَةُ الْعَرِيضَةُ مُتَنَاسِقَةٌ فِيمَا بَيْنَهَا مُتَكَامِلَةٌ، فِي تَقْرِيرِ التَّصَوُّرِ الْإِسْلَامِيِّ، وَتَوْضِيحِ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ وَمُقْتَضَاهُ فِي حَيَاةِ الْبَشَرِ وَفِي شُعُورِهِمْ بِاللَّهِ، وَأَثَرِ ذَلِكَ فِي مَوْقِفِهِمْ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ الَّذِي لَا مَوْقِفَ لَهُمْ سِوَاهُ. وَالنُّصُوصُ فِي مَوَاضِعِهَا مِنَ السِّيَاقِ أَكْثَرُ حَيَوِيَّةً وَأَعْمَقُ إِيحَاءً.. لَقَدْ نَزَلَتْ فِي مَعْمَعَانِ الْمَعْرَكَةِ. مَعْرَكَةُ الْعَقِيدَةِ، وَمَعْرَكَةُ الْمَيْدَانِ. الْمَعْرَكَةُ فِي دَاخِلِ النُّفُوسِ، وَالْمَعْرَكَةُ فِي وَاقِعِ الْحَيَاةِ.. وَمِنْ ثَمَّ تَضَمَّنَتْ ذَلِكَ الرَّصِيدَ الْحَيَّ الْعَجِيبَ، مِنَ الْحَرَكَةِ وَالتَّأْثِيرِ وَالْإِيحَاءِ.. فَلْنَمْضِ إِذَنْ لِنُوَاجِهَ نُصُوصَ السُّورَةِ فِي سِيَاقِهَا الْحَيِّ الْقَوِيِّ الْأَخَّاذِ الْجَمِيلِ..

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية