الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      إِنَّ الدِّينَ هُوَ النِّظَامُ الَّذِي قَرَّرَهُ اللَّهُ لِلْحَيَاةِ الْبَشَرِيَّةِ بِجُمْلَتِهَا ، وَالْمَنْهَجِ الَّذِي يَسِيرُ عَلَيْهِ نَشَاطُ الْحَيَاةِ بِرُمَّتِهَا وَاللَّهُ وَحْدُهُ هُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ فِي وَضْعِ هَذَا الْمَنْهَجِ بِلَا شَرِيكٍ. وَالدِّينُ هُوَ الِاتِّبَاعُ وَالطَّاعَةُ لِلْقِيَادَةِ الرَّبَّانِيَّةِ الَّتِي لَهَا وَحْدَهَا حَقُّ الطَّاعَةِ وَالِاتِّبَاعِ، وَمِنْهَا وَحْدُهَا يَكُونُ التَّلَقِّي، وَلَهَا وَحْدُهَا يَكُونُ الِاسْتِسْلَامُ.. فَالْمُجْتَمَعُ الْمُسْلِمُ مُجْتَمَعٌ لَهُ قِيَادَةٌ خَاصَّةٌ - كَمَا لَهُ عَقِيدَةٌ خَاصَّةٌ وَتَصَوُّرٌ خَاصٌّ - قِيَادَةٌ رَبَّانِيَّةٌ مُتَمَثِّلَةٌ فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنْ رَبِّهِ مِمَّا هُوَ بَاقٍ بَعْدَهُ مِنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ وَمَنْهَجِهِ. وَتَبَعِيَّةُ هَذَا الْمُجْتَمَعِ لِهَذِهِ الْقِيَادَةِ هِيَ الَّتِي تَمْنَحُهُ صِفَةَ الْإِسْلَامِ وَتَجْعَلُ مِنْهُ " مُجْتَمَعًا مُسْلِمًا " . وَبِغَيْرِ هَذِهِ التَّبَعِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ لَا يَكُونُ " مُسْلِمًا " بِحَالٍ. وَشَرْطُ هَذِهِ التَّبَعِيَّةِ هُوَ التَّحَاكُمُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، وَرَدُّ الْأَمْرِ كُلِّهِ إِلَى اللَّهِ ، وَالرِّضَى بِحُكْمِ رَسُولِهِ وَتَنْفِيذِهِ مَعَ الْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ. وَتَبْلُغُ نُصُوصُ السُّورَةِ فِي بَيَانِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ، وَتَقْرِيرِ هَذَا الْأَصْلِ، مَبْلَغًا حَاسِمًا جَازِمًا، لَا سَبِيلَ لِلْجِدَالِ فِيهِ، أَوِ الِاحْتِيَالِ عَلَيْهِ، أَوْ تَمْوِيهِهِ وَتَلْبِيسِهِ، لِأَنَّهَا مِنَ الْقُوَّةِ وَالْوُضُوحِ وَالْحَسْمِ بِحَيْثُ لَا تَقْبَلُ الْجِدَالَ! وَتَقْرِيرُ هَذَا الْمَبْدَأِ الْأَسَاسِيِّ يَتَمَثَّلُ فِي نُصُوصٍ كَثِيرَةٍ كَثْرَةٍ وَاضِحَةٍ فِي السُّورَةِ. وَسَيَجِيءُ اسْتِعْرَاضُهَا التَّفْصِيلِيُّ فِي مَكَانِهَا مِنَ السِّيَاقِ. فَنَكْتَفِي هُنَا بِذِكْرِ بَعْضِهَا إِجْمَالًا: يَتَمَثَّلُ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ فِي آيَةِ الِافْتِتَاحِ فِي السُّورَةِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ .. كَمَا يَتَمَثَّلُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْآيَاتِ: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا (آيَةُ 36) .. إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ .. (آيَةُ 48) .. وَيَتَمَثَّلُ عَلَى وَجْهِ التَّخْصِيصِ وَالتَّحْدِيدِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا .. (59 - 61) .. وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ .. (آيَةُ 64) .. فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .. (آيَةُ 65) .. مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا .. (آيَةُ 80) .. وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا .. (آيَةُ 115) .. وَهَكَذَا يَتَحَدَّدُ مَعْنَى الدِّينِ، وَحَدُّ الْإِيمَانِ، وَشَرْطُ الْإِسْلَامِ، وَنِظَامُ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ، وَمَنْهَجُهُ فِي الْحَيَاةِ. وَهَكَذَا لَا يَعُودُ الْإِيمَانُ مُجَرَّدَ مَشَاعِرَ وَتَصَوُّرَاتٍ وَلَا يَعُودُ الْإِسْلَامُ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ وَشِعَارَاتِ، وَلَا مُجَرَّدَ شَعَائِرَ تَعَبُّدِيَّةٍ وَصَلَوَاتٍ.. إِنَّمَا هُوَ إِلَى جَانِبِ هَذَا وَذَلِكَ، وَقَبْلَ هَذَا وَذَلِكَ. نِظَامٌ يَحْكُمُ، وَمَنْهَجٌ يَتَحَكَّمُ، وَقِيَادَةٌ تُطَاعُ، وَوَضْعٌ يَسْتَنِدُ إِلَى نِظَامٍ مُعَيَّنٍ، وَمَنْهَجٍ مُعَيَّنٍ، وَقِيَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ. وَبِغَيْرِ هَذَا كُلِّهِ لَا يَكُونُ إِيمَانٌ، وَلَا يَكُونُ إِسْلَامٌ، وَلَا يَكُونُ مُجْتَمَعٌ يَنْسِبُ نَفْسَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ. وَتَتَرَتَّبُ عَلَى إِقْرَارِ هَذَا الْمَبْدَأِ الْأَسَاسِيِّ تَوْجِيهَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي السُّورَةِ. كُلُّهَا تَفْرِيعَاتٌ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْكَبِيرِ: 1 - يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ التَّنْظِيمَاتُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ كُلُّهَا فِي الْمُجْتَمَعِ - شَأْنُهَا شَأْنُ الشَّعَائِرِ التَّعَبُّدِيَّةِ - مُرْتَكِنَةً إِلَى هَذَا الْأَصْلِ الْكَبِيرِ، مُسْتَنِدَةً إِلَى مَعْنَى الدِّينِ، وَحَدِّ الْإِيمَانِ، وَشَرْطِ الْإِسْلَامِ، عَلَى هَذَا النَّحْوِ الَّذِي قَرَّرَتْهُ تِلْكَ النَّمَاذِجُ الَّتِي أَسْلَفْنَا. فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَنْظِيمَاتٍ وَتَشْرِيعَاتٍ. إِنَّمَا هِيَ مُقْتَضَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالِاعْتِرَافِ بِأُلُوهِيَّتِهِ، وَإِفْرَادِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ، وَالتَّلَقِّي مِنَ الْقِيَادَةِ الَّتِي يُحَدِّدُهَا.. وَمِنْ ثَمَّ نَرَى كُلَّ التَّشْرِيعَاتِ وَالتَّنْظِيمَاتِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا تَسْتَنِدُ إِلَى هَذِهِ الْجِهَةِ، وَيَنُصُّ فِي أَعْقَابِهَا نَصًّا عَلَى هَذِهِ الْحَقِيقَةِ: آيَةُ الِافْتِتَاحِ الَّتِي تُقَرِّرُ وَحْدَةَ الْبَشَرِيَّةِ ، وَتَدْعُو النَّاسَ إِلَى رِعَايَةٍ وَشِيجَةِ الرَّحِمِ، وَتُعَدُّ مُقَدِّمَةً لِسَائِرِ التَّنْظِيمَاتِ الَّتِي تَلَتْهَا فِي السُّورَةِ.. تَبْدَأُ بِدَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى تَقْوَى رَبِّهِمُ الَّذِي خَلَقَهُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ .. وَتَنْتَهِي إِلَى تَقْوَاهُ، وَتَحْذِيرِهِمْ مِنْ رِقَابَتِهِ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا .. وَالْآيَاتُ الَّتِي تَحُضُّ عَلَى رِعَايَةِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ، وَتَبَيُّنِ طَرِيقَةِ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِمْ تَنْتَهِي بِالتَّذْكِيرِ بِاللَّهِ وَحِسَابِهِ: وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا .. وَتَوْزِيعِ أَنْصِبَةِ الْمِيرَاثِ فِي الْأُسْرَةِ يَجِيءُ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ .. وَتَنْتَهِي تَشْرِيعَاتُ الْإِرْثِ بِهَذَا التَّعْقِيبِ: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ .. وَفِي تَشْرِيعَاتِ الْأُسْرَةِ وَتَنْظِيمِ الْمُهُورِ وَالطَّلَاقِ وَمَا إِلَيْهَا تَرُدُّ مِثْلَ هَذِهِ التَّعْقِيبَاتِ: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا .. وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ .. يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .. فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا .. وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا .. تَسْبِقُ فِي الْآيَةِ الْوَصِيَّةَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ.. إِلَخْ وَهَكَذَا تَرْتَبِطُ سَائِرُ التَّنْظِيمَاتِ وَالتَّشْرِيعَاتِ بِاللَّهِ، وَتَسْتَمِدُّ مِنْ شَرِيعَتِهِ، وَتَرْجِعُ الْأُمُورُ كُلُّهَا إِلَى هَذِهِ الْقِيَادَةِ الَّتِي لَهَا وَحْدَهَا حَقِّ الطَّاعَةِ وَالِاتِّبَاعِ. 2 - وَيَتَرَتَّبُ عَلَى إِقْرَارِ ذَلِكَ الْأَصْلِ الْكَبِيرِ أَنْ يَكُونَ وَلَاءُ الْمُؤْمِنِينَ لِقِيَادَتِهِمْ وَلِجَمَاعَتِهِمُ الْمُؤْمِنَةِ . فَلَا يَتَوَلَّوْا أَحَدًا لَا يُؤْمِنُ إِيمَانَهُمْ، وَلَا يَتَّبِعُ مَنْهَجَهُمْ، وَلَا يَخْضَعُ لِنِظَامِهِمْ، وَلَا يَتَلَقَّى مِنْ قِيَادَتِهِمْ كَائِنَةً مَا كَانَتِ الْعَلَاقَةُ الَّتِي تَرْبُطُهُمْ بِهَذَا الْأَحَدِ عَلَاقَةُ قَرَابَةٍ، أَوْ جِنْسٍ. أَوْ أَرْضٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ. وَإِلَّا فَهُوَ الشِّرْكُ أَوِ النِّفَاقُ، وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنَ الصَّفِّ الْمُسْلِمِ عَلَى كُلِّ حَالٍ: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا .. (115 - 116) .. بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا .. (آيَةُ 139) .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا .. (144 - 146) .. 3 - وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وُجُوبُ هِجْرَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ - وَهِيَ كُلُّ دَارٍ لَا تَقُومُ فِيهَا شَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ وَلَا تَدِينُ لِلْقِيَادَةِ الْمُسْلِمَةِ - لِيَلْحَقُوا بِالْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ مَتَى قَامَتْ فِي الْأَرْضِ وَأَصْبَحَ لَهَا قِيَادَةٌ وَسُلْطَانٌ - وَلِيَسْتَظِلُّوا بِرَايَةِ الْقِيَادَةِ الْمُسْلِمَةِ وَلَا يَخْضَعُوا لِرَايَةِ الْكُفْرِ - وَهِيَ كُلُّ رَايَةٍ غَيْرِ رَايَةِ الْإِسْلَامِ - وَإِلَّا فَهُوَ النِّفَاقُ أَوِ الْكُفْرُ وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنَ الصَّفِّ الْمُسْلِمِ عَلَى كُلِّ حَالٍ: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا .. (88 - 89) .. إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا .. (97 - 100) .. 4 - وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ لِاسْتِنْقَاذِ الضِّعَافِ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الْمُسْلِمِينَ ، الَّذِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْهِجْرَةَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَرَايَةِ الْكُفْرِ، وَضَمَّهُمْ إِلَى الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، كَيْ لَا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ، وَلَا يَسْتَظِلُّوا بِرَايَةٍ غَيْرِ رَايَةِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَخْضَعُوا لِنِظَامٍ غَيْرِ نِظَامِهِ. ثُمَّ لِكَيْ يَتَمَتَّعُوا بِالنِّظَامِ الْإِسْلَامِيِّ الرَّفِيعِ، وَبِالْحَيَاةِ فِي الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ النَّظِيفِ. وَهُوَ حَقُّ كُلِّ مُسْلِمٍ، وَالْحِرْمَانُ مِنْهُ حِرْمَانٌ مِنْ أَكْبَرِ نِعَمِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَمِنْ أَفْضَلِ طَيِّبَاتِ الْحَيَاةِ: وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا .. (آيَةُ 75) .. وَيَسْتَتْبِعُ هَذَا الْأَمْرُ حَمْلَةً ضَخْمَةً لِلْحَضِّ عَلَى الْجِهَادِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ ، وَالتَّنْدِيدِ بِالْمُعَوَّقِينَ وَالْمُبْطِئِينَ وَالْقَاعِدِينَ. وَهِيَ حَمْلَةٌ تَسْتَغْرِقُ قِطَاعًا كَبِيرًا مِنَ السُّورَةِ، يَرْتَفِعُ عِنْدَهَا نَبْضُ السُّورَةِ الْهَادِئَةِ الْأَنْفَاسِ! وَيَشْتَدُّ إِيقَاعُهَا، وَتَحْمَى لَذَعَاتُهَا فِي التَّوْجِيهِ وَالتَّنْدِيدِ! وَلَا نَمْلِكُ هُنَا اسْتِعْرَاضَ هَذَا الْقِطَاعِ بِتَرْتِيبِهِ فِي السِّيَاقِ - وَلِهَذَا التَّرْتِيبِ أَهَمِّيَّةٌ خَاصَّةٌ وَإِيحَاءٌ مُعَيَّنٌ - فَنَدَعُ هَذَا إِلَى مَكَانِهِ مِنَ السِّيَاقِ. وَنَكْتَفِي بِمُقْتَطَفَاتٍ مِنْ هَذَا الْقِطَاعِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا .. (71 - 76) .. فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا .. (آيَةُ 84) .. لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا .. (95 - 96) .. وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (آيَةُ: 104) .. وَفِي ثَنَايَا هَذِهِ الْحَمْلَةِ لِلْحَضِّ عَلَى الْجِهَادِ تُوضَعُ بَعْضُ قَوَاعِدِ الْمُعَامَلَاتِ الدَّوْلِيَّةِ بَيْنَ " دَارِ الْإِسْلَامِ " وَالْمُعَسْكَرَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ الَّتِي تَدُورُ مَعَهَا الْمُعَامَلَاتُ ، وَالْخِلَافَاتُ: فِي التَّعْقِيبِ عَلَى انْقِسَامِ الْمُسْلِمِينَ فِئَتَيْنِ وَرَأْيَيْنِ فِي أَمْرِ الْمُنَافِقِينَ، الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْمَدِينَةَ لِلتِّجَارَةِ وَالْمَنَافِعِ وَالِاتِّصَالِ مَعَ أَهْلِهَا، حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْهَا عَادُوا مُوَالِينَ لِمُعَسْكَرَاتِ الْأَعْدَاءِ، يَقُولُ: فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا .. (89 - 91) .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا .. (آيَةُ 94) .. وَكَذَلِكَ تَجِيءُ فِي ثَنَايَا الْحَدِيثِ عَنِ الْجِهَادِ بَعْضُ الْأَحْكَامِ الْخَاصَّةِ بِالصَّلَاةِ فِي حَالَةِ الْخَوْفِ وَحَالَةِ الْأَمْنِ مَعَ تَوْصِيَاتِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَتَحْذِيرِهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِمُ الْمُتَرَبِّصِينَ: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا .. (101 - 103) .. وَتَدُلُّ هَذِهِ الْآيَاتُ عَلَى مَكَانِ الصَّلَاةِ مِنَ الْحَيَاةِ الْإِسْلَامِيَّةِ حَتَّى لِتُذْكَرَ فِي مَقَامِ الْخَوْفِ، وَتُبَيِّنُ كَيْفِيَّاتِهَا فِي هَذَا الْمَقَامِ كَمَا تَدُلُّ عَلَى تَكَامُلِ هَذَا الْمَنْهَجِ، فِي مُوَاجَهَةِ الْحَيَاةِ الْإِنْسَانِيَّةِ فِي كُلِّ حَالَاتِهَا وَمُتَابَعَةِ الْفَرْدِ الْمُسْلِمِ وَالْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ وَفِي كُلِّ حَالٍ.. وَيَسْتَتْبِعُ الْأَمْرُ بِالْجِهَادِ كَذَلِكَ حَمْلَةً ضَخْمَةً عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَعَلَى مُوَالَاتِهِمْ لِلْيَهُودِ فِي الْمَدِينَةِ بَيْنَمَا هُمْ يَكِيدُونَ لِدِينِ اللَّهِ، وَلِلْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ، وَلِلْقِيَادَةِ الْمُسْلِمَةِ كَيْدًا شَدِيدًا. وَعَلَى أَلَاعِيبِهِمْ فِي الصَّفِّ الْمُسْلِمِ، وَتَمْيِيعِهِمْ لِلْقِيَمِ وَالنُّظُمِ. وَفِي الْآيَاتِ الَّتِي اقْتَطَفْنَاهَا مِنْ قِطَاعِ الْجِهَادِ طَرَفٌ مِنَ الْحَمْلَةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ ، نُضَمُّ إِلَيْهِ هَذَا الْقِطَاعَ الْمُصَوِّرَ لِحَالِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ، الْكَاشِفَ لِطَبِيعَتِهِمْ وَوَسَائِلِهِمْ: وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا .. (81 - 83) .. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًابَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا .. (137 - 145) .. وَفِي قِطَاعِ الْجِهَادِ - وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الْقِطَاعَاتِ الْأُخْرَى فِي السُّورَةِ - نَلْتَقِي بِالْحَرْبِ الْمَشْبُوبَةِ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ، وَعَلَى الْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَالْقِيَادَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ كَذَلِكَ، مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - وَبِخَاصَّةٍ الْيَهُودُ - وَحُلَفَائِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِي الْمَدِينَةِ ، وَالْمُشْرِكِينَ فِي مَكَّةَ ، وَمَا حَوْلَهُمَا.. وَهِيَ الْحَرْبُ الَّتِي الْتَقَيْنَا بِهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَفِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، مِنْ قَبْلُ.. وَنَلْتَقِي كَذَلِكَ بِالْمَنْهَجِ الرَّبَّانِيِّ. وَهُوَ يَأْخُذُ بِيَدِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ السَّائِرَةِ بَيْنَ الْأَشْوَاكِ الْخَبِيثَةِ، وَالْأَحَابِيلِ الْمَاكِرَةِ، يَقُودُهَا، وَيُوَجِّهُهَا، وَيُحَذِّرُهَا، وَيَكْشِفُ لَهَا طَبِيعَةَ أَعْدَائِهَا، وَطَبِيعَةَ الْمَعْرَكَةِ الَّتِي تَخُوضُهَا، وَطَبِيعَةَ الْأَرْضِ الَّتِي تَدُورُ فِيهَا الْمَعْرَكَةُ، وَزَوَايَاهَا وَجَوَانِبُهَا الْخَبِيثَةُ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية