الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                السؤال وَسُئِلَ مَا تَقُولُ الْفُقَهَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي رَجُلٍ يَقُولُ : إنَّ الْفَقْرَ لَمْ نَتَعَبَّدْ بِهِ وَلَمْ نُؤْمَرْ بِهِ وَلَا جِسْمَ لَهُ وَلَا مَعْنَى وَأَنَّهُ غَيْرُ سَبِيلٍ مُوَصِّلٍ إلَى رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى رِضَا رَسُولِهِ وَإِنَّمَا تَعَبَّدَنَا بِمُتَابَعَةِ أَمْرِ اللَّهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ أَصْلَ كُلِّ شَيْءٍ الْعَلَمُ وَالتَّعَبُّدُ بِهِ وَالْعَمَلُ بِهِ وَالتَّقْوَى وَالْوَرَعُ عَنْ الْمَحَارِمِ " وَالْفَقْرُ " الْمُسَمَّى عَلَى لِسَانِ الطَّائِفَةِ وَالْأَكَابِرِ هُوَ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا يُفِيدُهُ الْعِلْمَ الشَّرْعِيَّ فَيَكُونُ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا الْعَمَلُ بِالْعِلْمِ وَهَذَا هُوَ الْفَقْرُ فَإِذَا الْفَقْرُ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ الْعِلْمِ وَالْأَمْرِ عَلَى هَذَا . وَمَا ثَمَّ طَرِيقٌ أَوْصَلُ مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلُ بِالْعِلْمِ عَلَى مَا صَحَّ وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَيَقُولُ : إنَّ الْفَقْرَ الْمُسَمَّى الْمَعْرُوفَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الزِّيِّ الْمَشْرُوعِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ مِنْ الزِّيِّ وَالْأَلْفَاظِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ الْمُعْتَادَةِ غَيْرُ مَرْضِيٍّ لِلَّهِ وَلَا لِرَسُولِهِ فَهَلْ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ . وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الصَّبْرَ وَالتَّقْوَى جَمِيعًا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ يَنْصُرُ الْعَبْدَ عَلَى عَدُوِّهِ مِنْ الْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ وَالْمُعَاهَدِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَعَلَى مَنْ ظَلَمَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلِصَاحِبِهِ تَكُونُ الْعَاقِبَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ } وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } وَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } { هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } { إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } وَقَالَ إخْوَةُ يُوسُفَ لَهُ : { أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } . وَقَدْ قُرِنَ الصَّبْرُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ عُمُومًا وَخُصُوصًا فَقَالَ تَعَالَى : { وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } وَفِي اتِّبَاعِ مَا أُوحِيَ إلَيْهِ التَّقْوَى كُلُّهَا : تَصْدِيقًا لِخَبَرِ اللَّهِ وَطَاعَةً لِأَمْرِهِ وَقَالَ تَعَالَى : { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ } { وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ } وَقَالَ تَعَالَى : { فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : { اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } فَهَذِهِ مَوَاضِعُ قَرَنَ فِيهَا الصَّلَاةَ وَالصَّبْرَ . وَقَرَنَ بَيْنَ الرَّحْمَةِ وَالصَّبْرِ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى { وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ } وَفِي الرَّحْمَةِ الْإِحْسَانُ إلَى الْخَلْقِ بِالزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّ الْقِسْمَةَ أَيْضًا رُبَاعِيَّةٌ . إذْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَصْبِرُ وَلَا يَرْحَمُ : كَأَهْلِ الْقُوَّةِ وَالْقَسْوَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْحَمُ وَلَا يَصْبِرُ : كَأَهْلِ الضَّعْفِ وَاللِّينِ مِثْلُ كَثِيرٍ مِنْ النِّسَاءِ وَمَنْ يُشْبِهُهُنَّ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَصْبِرُ وَلَا يَرْحَمُ كَأَهْلِ الْقَسْوَةِ وَالْهَلَعِ وَالْمَحْمُودُ هُوَ الَّذِي يَصْبِرُ وَيَرْحَمُ كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ فِي صِفَةِ الْمُتَوَلِّي : يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ فَبِصَبْرِهِ يَقْوَى وَبِلِينِهِ يَرْحَمُ وَبِالصَّبْرِ يَنْصُرُ الْعَبْدَ فَإِنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَبِالرَّحْمَةِ يَرْحَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى . كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ } وَقَالَ : { مَنْ لَمْ يَرْحَمْ لَا يُرْحَمُ } وَقَالَ : { لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إلَّا مِنْ شَقِيٍّ الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمُكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية