الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي قَالَ ( شَاةٌ لِقَصَّابٍ فُقِئَتْ عَيْنُهَا فَفِيهَا مَا نَقَصَهَا ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا هُوَ اللَّحْمُ فَلَا يُعْتَبَرُ إلَّا النُّقْصَانُ ( وَفِي عَيْنِ بَقَرَةِ الْجَزَّارِ وَجَزُورِهِ رُبْعُ الْقِيمَةِ ، وَكَذَا فِي عَيْنِ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَالْفَرَسِ ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِيهِ النُّقْصَانُ أَيْضًا اعْتِبَارًا بِالشَّاةِ . وَلَنَا مَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَضَى فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ بِرُبْعِ الْقِيمَةِ } وَهَكَذَا قَضَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَلِأَنَّ فِيهَا مَقَاصِدَ سِوَى اللَّحْمِ كَالْحَمْلِ وَالرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ وَالْجَمَالِ وَالْعَمَلِ ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ تُشْبِهُ الْآدَمِيَّ وَقَدْ تُمْسَكُ لِلْأَكْلِ ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ تُشْبِهُ الْمَأْكُولَاتِ فَعَمِلْنَا بِالشَّبَهَيْنِ بِشَبَهِ الْآدَمِيِّ فِي إيجَابِ الرُّبْعِ وَبِالشَّبَهِ الْآخَرِ فِي نَفْيِ النِّصْفِ ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْعَمَلِ بِهَا بِأَرْبَعَةِ أَعْيُنٍ عَيْنَاهَا وَعَيْنَا الْمُسْتَعْمِلِ فَكَأَنَّهَا ذَاتُ أَعْيُنٍ أَرْبَعَةٍ فَيَجِبُ الرُّبْعُ بِفَوَاتِ إحْدَاهَا . فتح القدير ( قَوْلُهُ وَلَنَا مَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَضَى فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ بِرُبْعِ الْقِيمَةِ } ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ : فَإِنْ قِيلَ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَضَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ . فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي أَوْجَبَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَأْكُولِ مِنْ الْحَمْلِ وَالرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ وَالْجَمَالِ وَالْعَمَلِ مَوْجُودٌ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَيَلْحَقُ بِهِ ا هـ . أَقُولُ : فِي الْجَوَابِ نَظَرٌ ، إذْ لِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي أَوْجَبَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ تِلْكَ الْأُمُورُ الْمَذْكُورَةُ وَحْدَهَا لِجَوَازِ كَوْنِ أَنْ لَا يُقْصَدَ مِنْهُ اللَّحْمُ أَصْلًا كَمَا يُقْصَدُ ذَلِكَ مِنْ الشَّاةِ دَاخِلًا فِي كَوْنِ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَيْضًا وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ ، إذْ قَدْ يُقْصَدُ مِنْهُ اللَّحْمُ كَمَا تُقْصَدُ تِلْكَ الْأُمُورُ الْمَذْكُورَةُ أَيْضًا فَلَا يَتِمُّ الْإِلْحَاقُ كَمَا لَا يَخْفَى . ( قَوْلُهُ وَلِأَنَّ فِيهَا مَقَاصِدُ سِوَى اللَّحْمِ إلَخْ ) أَقُولُ : فِيهِ كَلَامٌ . أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ لَا يَتَمَشَّى فِي غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ كَالْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَالْفَرَسِ ، بَلْ هُوَ بِحُكْمِ انْعِكَاسِهِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ غَيْرَ الْجَوَابِ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ مَعَ أَنَّ الْجَوَابَ فِيهِمَا مُتَّحِدٌ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا دَاخِلًا فِي الْمُدَّعَى هُنَا . وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ بِشَبَهِ الْآدَمِيِّ فِي إيجَابِ الرُّبْعِ : يَعْنِي عَمَلُنَا بِشَبَهِ الْآدَمِيِّ فِي إيجَابِ الرُّبْعِ لَيْسَ بِوَاضِحٍ ، لِأَنَّ شَبَهَ الْآدَمِيِّ لَا يَقْتَضِي إيجَابَ الرُّبْعِ بَلْ يَقْتَضِي إيجَابَ النِّصْفِ ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْآدَمِيِّ فِي الْجِنَايَةِ الْمَزْبُورَةِ هُوَ النِّصْفُ ، وَإِنَّمَا الْمُقْتَضِي لِإِيجَابِ الرُّبْعِ مَجْمُوعُ الشَّبَهَيْنِ ، كَيْفَ وَلَوْ كَانَ الْمُقْتَضِي لِإِيجَابِ الرُّبْعِ شَبَهَ الْآدَمِيِّ فَقَطْ لَمَا احْتِيجَ إلَى الْعَمَلِ بِالشَّبَهِ الْآخَرِ كَمَا لَا يَخْفَى . فَالظَّاهِرُ فِي الْأَدَاءِ أَنْ يُقَالَ : فَعَمِلْنَا بِالشَّبَهَيْنِ بِشَبَهِ الْآدَمِيِّ فِي إيجَابِ الْمُقَدَّرِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ النُّقْصَانِ ، وَبِالشَّبَهِ الْآخَرِ فِي نَفْيِ النِّصْفِ الْوَاجِبِ فِي عَيْنِ الْآدَمِيِّ فَوَجَبَ الرُّبْعُ عَمَلًا بِهِمَا . وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ : فَأَشْبَهَ الْإِنْسَانَ مِنْ وَجْهٍ وَالشَّاةَ مِنْ وَجْهٍ فَوَجَبَ تَنْصِيفُ التَّقْدِيرِ الْوَاجِبِ فِي الْإِنْسَانِ عَمَلًا بِهِمَا ا هـ . نَعَمْ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا هَذَا الْمَعْنَى لَكِنَّ عِبَارَتَهُ لَا تُسَاعِدُهُ كَمَا تَرَى .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية