الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                            نهاية المحتاج شرح المنهاج ( وَتُعْتَبَرُ ) ( رُؤْيَةُ كُلِّ شَيْءٍ ) غَيْرِ مَا مَرَّ ( عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ ) عُرْفًا ، وَضَبَطَهُ فِي الْكَافِي بِأَنْ يَرَى مَا يَخْتَلِفُ مُعْظَمُ الْمَالِيَّةِ بِاخْتِلَافِهِ ، فَفِي الدَّارِ رُؤْيَةُ الْبُيُوتِ وَالسُّقُوفِ وَالسُّطُوحِ وَالْجُدَرَانِ وَالْمُسْتَحَمِّ وَالْبَالُوعَةِ ، وَكَذَا رُؤْيَةُ الطَّرِيقِ ، وَفِي الْبُسْتَانِ رُؤْيَةُ أَشْجَارِهِ وَمَجْرَى مَائِهِ ، وَكَذَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ الْمَالِ الَّذِي تَدُورُ بِهِ الرَّحَى كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ خِلَافًا لِابْنِ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ أَسَاسِ جُدَرَانِ الْبُسْتَانِ وَلَا عُرُوقُ الْأَشْجَارِ وَنَحْوُهُمَا وَيُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ وَنَحْوِهِ رُؤْيَةُ الْأَرْضِ ، وَلَوْ رَأَى آلَةَ بِنَاءِ الْحَمَّامِ وَأَرْضَهَا قَبْلَ بِنَائِهَا لَمْ يَكْفِ عَنْ رُؤْيَتِهَا كَمَا لَا يَكْفِي فِي التَّمْرِ رُؤْيَتُهُ رُطَبًا كَمَا لَوْ رَأَى سَخْلَةً أَوْ صَبِيًّا فَكَمُلَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُمَا بِلَا رُؤْيَةٍ أُخْرَى ، وَلَا بُدَّ فِي السَّفِينَةِ مِنْ رُؤْيَةِ جَمِيعِهَا حَتَّى مَا فِي الْمَاءِ مِنْهَا كَمَا شَمِلَهُ كَلَامُهُمْ ، وَفِي الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ كَالشَّعْرِ وَفِي الدَّابَّةِ جَمِيعِ أَجْزَائِهَا لَا رُؤْيَةُ لِسَانِ حَيَوَانٍ وَلَوْ آدَمِيًّا وَأَسْنَانِهِ وَأَجْزَاءٍ نَحْوُ فَرَسٍ وَبَاطِنِ حَافِرٍ وَقَدَمٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَخِيرَةِ خِلَافًا لِلْأَزْرَقِيِّ ، وَلِهَذَا أَطْلَقُوا عَدَمَ اشْتِرَاطِ قَلْعِ النَّعْلِ وَفِي ثَوْبٍ وَنَشْرِهِ مَطْوِيٍّ وَرُؤْيَةِ وَجْهَيْهِ إنْ اخْتَلَفَا كَبِسَاطٍ وَكُلِّ مُنَقَّشٍ وَإِلَّا كَكِرْبَاسٍ كَفَتْ رُؤْيَةُ أَحَدِهِمَا ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ وَإِنْ حُلِبَ مِنْهُ شَيْءٌ وَرُئِيَ قَبْلَ الْبَيْعِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَلِاخْتِلَاطِهِ بِالْحَادِثِ وَلِعَدَمِ تَيَقُّنِ وُجُودِ قَدْرِ اللَّبَنِ الْمَبِيعِ وَلِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ ، وَلَا بَيْعُ الصُّوفِ قَبْلَ جَزِّهِ أَوْ تَذْكِيَتِهِ لِاخْتِلَافِهِ بِالْحَادِثِ ؛ وَلِأَنَّ تَسْلِيمَهُ إنَّمَا يُمْكِنُ بِاسْتِئْصَالِهِ وَهُوَ مُؤْلِمٌ لِلْحَيَوَانِ ، فَإِنْ قَبَضَ قِطْعَةً وَقَالَ بِعْتُك هَذِهِ صَحَّ قَطْعًا ، وَلَا بَيْعُ الْأَكَارِعِ وَالرُّءُوسِ قَبْلَ الْإِبَانَةِ وَلَا الْمَذْبُوحِ أَوْ جِلْدِهِ أَوْ لَحْمِهِ قَبْلَ السَّلْخِ أَوْ السَّمْطِ لِجَهَالَتِهِ ، وَكَذَا مَسْلُوخٌ لَمْ يُنَقَّ جَوْفُهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَبِيعَ وَزْنًا فَإِنْ بِيعَ جُزَافًا صَحَّ ، بِخِلَافِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ فَيَصِحُّ مُطْلَقًا لِقِلَّةِ مَا فِي جَوْفِهِ وَلَوْ بَاعَ ثَوْبًا عَلَى مِنْسَجٍ قَدْ نُسِجَ بَعْضُهُ عَلَى أَنْ يَنْسِجَ الْبَائِعُ بَاقِيَهُ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ جَزْمًا ( وَالْأَصَحُّ إنْ وَصَفَهُ ) أَيْ الْمُعَيَّنَ الَّذِي يُرَادُ بَيْعُهُ ( بِصِفَةِ السَّلَمِ لَا يَكْفِي ) عَنْ الرُّؤْيَةِ وَإِنْ بَالَغَ فِيهَا وَوَصَلَتْ حَدَّ التَّوَاتُرِ لِأَنَّهَا تُفِيدُ أُمُورًا تَقْصُرُ عَنْهَا الْعِبَارَةُ ، وَفِي الْخَبَرِ { لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْعِيَانِ } وَالثَّانِي يَكْفِي ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ ثَمَرَةَ الرُّؤْيَةِ الْمَعْرِفَةُ وَالْوَصْفُ يُفِيدُهَا ، وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِنَا الْمُعَيَّنِ عَدَمُ مُنَافَاةِ هَذَا لِمَا يَأْتِي لَهُ أَوْ السَّلَمُ فِي ثَوْبٍ صِفَتُهُ كَذَا لِأَنَّهُ فِي مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ . وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ اُشْتُرِطَتْ فِيهِ الرُّؤْيَةُ لَا يَصِحُّ مِنْ الْأَعْمَى ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ : إلَّا شِرَاءَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْعِتْقُ وَمُقْتَضَاهُ إلْحَاقُ الْبَصِيرِ بِهِ فِي ذَلِكَ ( وَ ) مِنْ ثَمَّ ( يَصِحُّ سَلَمُ الْأَعْمَى ) مُسْلِمًا إلَيْهِ أَوْ مُسْلِمًا ؛ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ الْأَوْصَافَ وَالسَّلَمُ يَعْتَمِدُ الْوَصْفَ دُونَ الرُّؤْيَةِ . نَعَمْ لَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مُعَيَّنًا ابْتِدَاءً وَكُلُّ مَنْ يَقْبِضُ لَهُ وَعَنْهُ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ لِاعْتِمَادِهِ الرُّؤْيَةَ حَالَ الْعَقْدِ ، وَلَا تَصِحُّ الْمُقَابَلَةُ مَعَ الْأَعْمَى فَقَدْ نَصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْإِقَالَةِ مِنْ الْعِلْمِ بِالْمُقَايَلِ فِيهِ بَعْدَ نَصِّهِ عَلَى أَنَّهَا فَسْخٌ ، وَقَدْ أَفْتَى بِذَلِكَ الْوَالِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( وَقِيلَ إنْ عَمِيَ قَبْلَ تَمْيِيزِهِ ) بَيْنَ الْأَشْيَاءِ أَوْ خُلِقَ أَعْمَى ( فَلَا ) يَصِحُّ سَلَمُهُ وَلَهُ شِرَاءُ نَفْسِهِ وَإِيجَارُهَا إذْ لَا يَجْهَلُهَا وَبَيْعُ مَا رَآهُ قَبْلَ عَمَاهُ إنْ كَانَ ذَاكِرًا لِأَوْصَافِهِ وَهُوَ مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا ، وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ عَمِيَ قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يَبْطُلْ الشِّرَاءُ ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ نَحْوِ جَزَرٍ وَبَصَلٍ فِي أَرْضِهِ لِلْغَرَرِ ، وَمِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مَعَ عَدَمِ صِحَّتِهِ بَيْعُ نَصِيبٍ مِنْ الْجَارِي مِنْ نَهْرٍ وَنَحْوِهِ لِلْجَهْلِ بِقَدْرِهِ ؛ وَلِأَنَّ الْجَارِيَ إنْ كَانَ غَيْرَ مَمْلُوكٍ فَذَاكَ وَإِلَّا فَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ لِاخْتِلَاطِ غَيْرِ الْمَبِيعِ بِهِ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْقَنَاةَ أَوْ سَهْمًا مِنْهَا ، فَإِذَا مَلَكَ الْقَرَارَ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ ، وَإِنْ اشْتَرَى الْقَرَارَ مَعَ الْمَاءِ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا فِيهِمَا لِلْجَهَالَةِ ، وَلَوْ رَأَى ثَوْبَيْنِ تَسَاوَتْ قِيمَتُهُمَا وَوَصْفُهُمَا وَقَدْرُهُمَا كَنِصْفَيْ كِرْبَاسٍ فَسُرِقَ أَحَدُهُمَا وَاشْتَرَى الْآخَرَ غَائِبًا عَنْهُ وَلَا يُعْلَمُ أَيُّهُمَا الْمَسْرُوقُ صَحَّ لِحُصُولِ الْعِلْمِ إلَّا إنْ اخْتَلَفَتْ الْأَوْصَافُ الْمَذْكُورَةُ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الرُّؤْيَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِيهَا بِيَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الْعَقْدِ اعْتِرَافٌ بِصِحَّتِهِ ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي دَعْوَى الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ خِلَافًا لِمَا فِي فَتَاوَى الشَّيْخِ وَتَبِعَهُ الْوَالِدُ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ . حاشية الرشيدي ( قَوْلُهُ : وَكَذَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ الْمَاءِ الَّذِي تَدُورُ بِهِ الرَّحَى ) أَيْ فِيمَا إذَا اشْتَرَى رَحًى تَدُورُ بِالْمَاءِ ( قَوْلُهُ : وَلِاخْتِلَاطِهِ بِالْحَادِثِ ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الصُّورَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى جَمِيعَ مَا فِي الضَّرْعِ ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ وَلِعَدَمِ تَيَقُّنِ وُجُودِ قَدْرِ اللَّبَنِ الْمَبِيعِ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ قَدْرًا مُعَيَّنًا ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْبُطْلَانِ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْكُلَّ أَوْ الْبَعْضَ ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ : بَيْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ بَاطِلٌ ، فَلَوْ قَالَ بِعْتُك مِنْ اللَّبَنِ الَّذِي فِي ضَرْعِ هَذِهِ الْبَقَرَةِ كَذَا لَمْ يَجُزْ عَلَى الْمَذْهَبِ لِعَدَمِ تَيَقُّنِ وُجُودِ ذَلِكَ الْقَدْرِ ، وَقِيلَ فِيهِ قَوْلَا بَيْعِ الْغَائِبِ وَلَوْ طَلَبَ شَيْئًا مِنْ اللَّبَنِ فَأَرَاهُ ثُمَّ بَاعَهُ رِطْلًا مِمَّا فِي الضَّرْعِ فَوَجْهَانِ كَالْأُنْمُوذَجِ ، وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ وَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ قَبَضَ قَدْرًا مِنْ الضَّرْعِ وَأَحْكَمَ شَدَّهُ وَبَاعَ مَا فِيهِ . قُلْت الْأَصَحُّ فِي الصُّورَتَيْنِ الْبُطْلَانُ لِأَنَّهُ يَخْتَلِطُ بِغَيْرِهِ مِمَّا يَنْصَبُّ فِي الضَّرْعِ انْتَهَتْ ( قَوْلُهُ : وَلِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ ) لَا مَوْقِعَ لَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَإِنْ حُلِبَ مِنْهُ شَيْءٌ وَرُئِيَ قَبْلَ الْبَيْعِ ( قَوْلُهُ : فَإِنْ قَبَضَ قَبَضَهُ ) أَيْ وَلَيْسَتْ عَلَى حَدِّ اللَّحْمِ كَمَا عُرِفَ مِمَّا قَدَّمَهُ فَلْيُرَاجَعْ ( قَوْلُهُ : قَبْلَ السَّلْخِ ) أَيْ لِمَا يُسْلَخُ ، وَقَوْلُهُ أَوْ السَّمْطِ : أَيْ لِمَا يُسْمَطُ ( قَوْلُهُ : وَوَصَلَتْ حَدَّ التَّوَاتُرِ ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ وُصِلَ إلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ التَّوَاتُرِ ( قَوْلُهُ : نَعَمْ لَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مُعَيَّنًا إلَخْ ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْمُعَيَّنِ مِنْ الْأَعْمَى وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ وَمَحَلُّهُ : أَيْ صِحَّةِسَلَمِ الْأَعْمَى حَيْثُ لَمْ يَكُنْ رَأْسُ الْمَالِ مُعَيَّنًا ابْتِدَاءً وَحِينَئِذٍ يُوَكِّلُ مَنْ يَقْبِضُ لَهُ أَوْ عَنْهُ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ لِاعْتِمَادِهِ إلَخْ ، فَقَوْلُهُ وَحِينَئِذٍ : أَيْ حِينَ صِحَّةِ السَّلَمِ بِأَنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ فِي الذِّمَّةِ ، وَقَوْلُهُ وَإِلَّا : أَيْ بِأَنْ كَانَ مُعَيَّنًا ، وَالشَّارِحُ فَهِمَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ وَحِينَئِذٍ : أَيْ حِينَ كَانَ مُعَيَّنًا فَتَصَرَّفَ فِي عِبَارَتِهِ بِمَا تَرَى ( قَوْلُهُ : بَيْنَ الْأَشْيَاءِ ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّمْيِيزِ هُنَا غَيْرُ التَّمْيِيزِ الشَّرْعِيِّ .

                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                            الخدمات العلمية