الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 3400 100 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، أَخْبَرَنَا سَعْدٌ الطَّائِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ فَقَالَ: يَا عَدِيُّ، هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟ قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا. قَالَ: فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ. قُلْتُ: فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبِلَادَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى قُلْتُ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ؟ قَالَ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مَلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ، وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ فَيَقُولَنَّ: أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغُكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. فَيَقُولُ: أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ، وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ. قَالَ عَدِيٌّ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقَّةِ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ شَقَّةَ تَمْرَةٍ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ. قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَكُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْرِجُ مَلْءَ كَفِّهِ. عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِثْلَ مَا ذَكَرْنَا فِي مُطَابَقَةِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْكَافِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ الْأَحْوَلُ، وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِهِ، وَالنَّضْرُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ابْنُ شُمَيْلِ بْنِ حِرَاشَةَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَازِنِيُّ، مَاتَ أَوَّلَ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ، وَإِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ وَسَعْدٌ أَبُو مُجَاهِدٍ الطَّائِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، وَمُحِلٌّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ ابْنُ خَلِيفَةَ الطَّائِيُّ. وَفِي هَذَا السَّنَدِ التَّحْدِيثُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي مَوْضِعٍ وَالْعَنْعَنَةُ فِي مَوْضِعٍ وَالْبَاقِي كُلُّهُ أَخْبَرَنَا، وَإِلَى الْآنِ لَمْ يَقَعْ مِثْلُ هَذَا. وَالْحَدِيثُ مَضَى فِي الزَّكَاةِ فِي بَابِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ الرَّدِّ. قَوْلُهُ: " الْفَاقَةَ " أَيِ: الْفَقْرَ. قَوْلُهُ: " الْحِيرَةَ " بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَلَدٌ مَعْرُوفٌ قَدِيمًا مُجَاوِرٌ الْكُوفَةَ. قَوْلُهُ: " أُنْبِئْتُ " عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: أُخْبِرْتُ. قَوْلُهُ: " الظَّعِينَةُ " بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَرْأَةُ فِي الْهَوْدَجِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ اسْمُ الْهَوْدَجِ. قَوْلُهُ: " حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ " وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ " مِنْ غَيْرِ جِوَارِ أَحَدٍ ". قَوْلُهُ: " فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ " بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ دَاعِرٍ، وَهُوَ الشَّاطِرُ الْخَبِيثُ الْمُفْسِدُ الْفَاسِقُ، وَالْمُرَادُ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ. وَقَالَ الْجَوَالِيقِيُّ: وَالْعَامَّةُ يَقُولُونَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْمَعْرُوفُ بِالْمُهْمَلَةِ. وَطِيِّئٌ قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَاسْمُهُ جَلْهَمَةُ بْنُ أَدَدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ عَرِيبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ. قَوْلُهُ: " قَدْ سَعَّرُوا الْبِلَادَ " أَيْ: أَوْقَدُوا نَارَ الْفِتْنَةِ فِي الْبِلَادِ، وَهُوَ مُسْتَعَارٌ مِنْ سَعَّرْتُ النَّارَ إِذَا أَوْقَدْتَهَا. قَوْلُهُ: " لَتُفْتَحَنَّ " عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَبِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ. قَوْلُهُ: " كِسْرَى " بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِهَا عَلَمُ مَنْ مَلَكَ الْفُرْسَ. قَوْلُهُ: " قَالَ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ " أَيْ: قَالَ عَدِيٌّ مُسْتَفْهِمًا عَنْهُ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِعَظَمَةِ كِسْرَى فِي نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ كَانَ فِي زَمَنِهِ. قَوْلُهُ: " لَتَرَيَنَّ " عَلَى صِيغَةِ الْمَعْلُومِ بِاللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ، وَهُوَ خِطَابٌ لِعَدِيٍّ، وَالرَّجُلَ مَنْصُوبٌ بِهِ. قَوْلُهُ: " يُخْرِجُ " بِضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِخْرَاجِ. قَوْلُهُ: " فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ " لِعَدَمِ الْفُقَرَاءِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، قِيلَ: يَكُونُ ذَلِكَ فِي زَمَنِ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا إِشَارَةً إِلَى مَا وَقَعَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ بِسَنَدِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: إِنَّمَا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثَلَاثِينَ شَهْرًا، لَا وَاللَّهِ مَا مَاتَ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَأْتِينَا بِالْمَالِ الْعَظِيمِ فَيَقُولُ: اجْعَلُوا هَذَا حَيْثُ تَرَوْنَ فِي الْفُقَرَاءِ فَمَا نَبْرَحُ حَتَّى يَرْجِعَ بِمَالِهِ يَتَذَكَّرُ مَنْ يَضَعُهُ فِيهِ فَلَا يَجِدُهُ؛ قَدْ أَغْنَى عُمَرُ النَّاسَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فِيهِ تَصْدِيقُ مَا رَوَيْنَا فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ انْتَهَى. قِيلَ: هَذَا أَرْجَحُ مِنَ الْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: " وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ ". قَوْلُهُ: " وَلَيَلْقَيَنَّ " بِفَتْحِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ، وَبِاللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ، وَلَفْظَةُ اللَّهِ مَنْصُوبَةٌ بِهِ وَأَحَدُكُمْ بِالرَّفْعِ فَاعِلُهُ. قَوْلُهُ: " وَأَفْضُلْ عَلَيْكَ " مِنَ الْإِفْضَالِ أَيْ: وَلَمْ أَفْضُلْ عَلَيْكَ مِنْهُ. قَوْلُهُ: " وَلَوْ بِشِقَّةِ تَمْرَةٍ " بِكَسْرِ الشِّينِ هَذَا رِوَايَةُ الْمُسْتَمْلِي بِشِقَّةٍ بِالتَّاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ بِشِقِّ تَمْرَةٍ بِدُونِ التَّاءِ فِي شِقٍّ وَهُوَ النِّصْفُ. قَوْلُهُ: " وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ " إِلَى آخِرِهِ مِنْ كَلَامِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية