الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 624 47 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: الشُّهَدَاءُ خَمْسٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَالَ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا. عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ فِي قَوْلِهِ: " وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ " وَهَذَا الْمَتْنُ الَّذِي ذَكَرَهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى خَمْسَةِ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ: الَّذِي أَخَذَ الْغُصْنَ. الثَّانِي: الشُّهَدَاءُ. الثَّالِثُ: الِاسْتِهَامُ. الرَّابِعُ: التَّهْجِيرُ. الْخَامِسُ: الْحَبْوُ، وَلَمْ يُفَرِّقِ الْبُخَارِيُّ بَيْنَهَا كَعَادَتِهِ لِأَجْلِ التَّرَاجِمِ؛ لِأَنَّ قُتَيْبَةَ حَدَّثَ بِهِ عَنْ مَالِكٍ هَكَذَا مَجْمُوعًا. (ذِكْرُ رِجَالِهِ) وَهُمْ خَمْسَةٌ قَدْ ذُكِرُوا غَيْرَ مَرَّةٍ، وَسُمَيٌّ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْقُرَيْشِيِّ الْمَخْزُومِيِّ الْمَدَنِيِّ، وَأَبُو صَالِحٍ اسْمُهُ ذَكْوَانُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَانَ يَجْلِبُ السَّمْنَ وَالزَّيْتَ إِلَى الْكُوفَةِ . (ذِكْرُ لِطَائِفِ إِسْنَادِهِ) فِيهِ التَّحْدِيثُ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَفِيهِ الْعَنْعَنَةُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ، وَفِيهِ أَنَّ رُوَاتَهُ كُلَّهُمْ مَدَنِيُّونَ مَا خَلَا قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ، فَإِنَّهُ بَغْلَانِيُّ بَغْلَانُ بَلْخَ مِنْ خُرَاسَانَ. (ذِكْرُ تَعَدُّدِ مَوْضِعِهِ وَمَنْ أَخْرَجَهُ غَيْرُهُ) أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ قَوْلُهُ: " لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ " إِلَى آخِرِهِ فِي الصَّلَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَفِي الشَّهَادَاتِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِيهِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَقُتَيْبَةَ فَرَّقَهُمَا، وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، سَبْعَتُهُمْ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَأَخْرَجَ قَوْلَهُ: " بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي طَرِيقٍ " الْحَدِيثَ فِي الصَّلَاةِ عَنْ قُتَيْبَةَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْأَدَبِ، وَفِي الْجِهَادِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْبِرِّ عَنْ قُتَيْبَةَ بِهِ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (ذِكْرُ مَعْنَاهُ) قَوْلُهُ: " بَيْنَمَا رَجُلٌ " قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ أَصْلَ " بَيْنَمَا " بَيْنَ فَأُشْبِعَتِ الْفَتْحَةُ فَصَارَتْ أَلِفًا وَزِيدَتْ فِيهِ الْمِيمُ فَصَارَتْ بَيْنَمَا، وَيُقَالُ: بَيْنَا بِدُونِ الْمِيمِ أَيْضًا وَهُمَا ظَرْفَا زَمَانٍ بِمَعْنَى الْمُفَاجَأَةِ، وَيُضَافَانِ إِلَى جُمْلَةٍ مِنْ فِعْلٍ وَفَاعِلٍ أَوْ مُبْتَدَإٍ وَخَبَرٍ وَيَحْتَاجَانِ إِلَى جَوَابٍ يَتِمُّ بِهِ الْمَعْنَى، وَالْمُبْتَدَأُ هُنَا قَوْلُهُ: " رَجُلٌ " خُصِّصَ بِالصِّفَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: " يَمْشِي " وَخَبَرُهُ قَوْلُهُ: " وَجَدَ ". قَوْلُهُ: " فَأَخَذَهُ "، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمَيْهَنِيِّ " فَأَخَّرَهُ " أَيْ: فَأَخَّرَهُ عَنْ طَرِيقٍ. قَوْلُهُ: " فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ " مَعْنَاهُ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، يُقَالُ: شَكَرْتُهُ وَشَكَرْتُ لَهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قَوْلُهُ: " الشُّهَدَاءُ " جَمْعُ شَهِيدٍ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَشْهَدُونَ مَوْتَهُ، فَكَانَ مَشْهُودًا. وَقِيلَ: مَشْهُودٌ لَهُ بِالْجَنَّةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الشَّهِيدُ عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ حَيٌّ عِنْدَ اللَّهِ حَاضِرٌ يَشْهَدُ حَضْرَةَ الْقُدْسِ وَيَحْضُرُهَا. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ شَهِدَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْكَرَامَاتِ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مِمَّنْ يُسْتَشْهَدُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبِينَ، فَعَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي يَكُونُ الشَّهِيدُ بِمَعْنَى شَاهِدٍ. قَوْلُهُ: " خَمْسٌ " بِدُونِ التَّاءِ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ الْحَمَوِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ خَمْسَةٌ بِالتَّاءِ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ الْمُمَيَّزُ غَيْرَ مَذْكُورٍ جَازَ الْأَمْرَانِ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي (الْمُوَطَّإِ): " الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ " وَنَقَصَ الشَّهِيدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَزَادَ صَاحِبَ ذَاتِ الْجَنْبِ وَالْحَرِيقَ وَالْمَرْأَةَ تَمُوتُ بِجَمْعٍ أَيِ: الَّتِي تَمُوتُ وَوَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ مَرْفُوعًا " الشَّهَادَةُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ وَالْغَرِيقُ وَصَاحِبُ الْجَنْبِ وَالْمَبْطُونُ وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجَمْعٍ "، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " مَوْتُ الْغَرِيبِ شَهَادَةٌ " وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَرَوَى سُوِيدُ بْنُ سَعِيدٍ الْحَدَثَانِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مِسْهَرٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّاتِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ عَشِقَ فَعَفَّ وَكَتَمَهُ ثُمَّ مَاتَ مَاتَ شَهِيدًا " وَقَدْ أَنْكَرَهُ عَلَى سُوَيْدٍ الْأَئِمَّةُ، قَالَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي كَامِلِهِ، وَكَذَا أَنْكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ طَاهِرٍ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : مَنْ رَوَى مِثْلَ هَذَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ مِسْهَرٍ تَجِبُ مُجَانَبَةُ رِوَايَتِهِ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُسْلِمٌ أَخْرُجُ لَهُ فِي صَحِيحِهِ، فَقَدِ اعْتَذَرَ مُسْلِمٌ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ عَنْهُ إِلَّا مَا كَانَ عَالِيًا وَتُوبِعَ عَلَيْهِ وَلِأَجْلِ هَذَا أَعْرَضَ عَنْ مَثَلِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَعْدَادِ الشُّهَدَاءِ الشَّرِيقَ وَمَا أَكَلَهُ السَّبُعُ. (فَإِنْ قُلْتَ): الشُّهَدَاءُ فِي الصَّحِيحِ خَمْسَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ سَبْعَةٌ، وَمَعَ رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَكُونُ ثَمَانِيَةً، وَمَعَ رِوَايَةِ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تِسْعَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ عَنْهُ يَكُونُ أَحَدَ عَشَرَ. (قُلْتُ): لَا تَنَاقُضَ بَيْنَهَا لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْعَدَدِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْوَحْيِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَوْلُهُ: " الْمَطْعُونُ " هُوَ الَّذِي يَمُوتُ فِي الطَّاعُونِ أَيِ: الْوَبَاءِ، وَلَمْ يَرِدِ الْمَطْعُونُ بِالسِّنَانِ لِأَنَّهُ الشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالطَّاعُونُ مَرَضٌ عَامٌّ فَيَفْسَدُ لَهُ الْهَوَاءُ فَتَفْسَدُ الْأَمْزِجَةُ وَالْأَبْدَانُ. قَوْلُهُ: " وَالْمَبْطُونُ " هُوَ صَاحِبُ الْإِسْهَالِ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي بِهِ الِاسْتِسْقَاءُ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ. وَقِيلَ: مَنْ مَاتَ بِدَاءِ بَطْنِهِ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ: " وَصَاحِبُ الْهَدْمِ " هُوَ الَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ اسْمُ مَا يَقَعُ، وَأَمَّا بِتَسْكِينِ الدَّالِ فَهُوَ الْفِعْلُ، وَالَّذِي يَقَعُ هُوَ الَّذِي يَقْتُلُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ الْقَتْلُ إِلَى الْفِعْلِ. قَوْلُهُ: " وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " هَذَا هُوَ الْخَامِسُ مِنَ الشُّهَدَاءِ، وَقَالَ الطَّيِّبِيُّ (فَإِنْ قُلْتَ): خَمْسَةٌ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ وَالْمَعْدُودُ هَذَا بَيَانٌ لَهُ فَكَيْفَ يَصِحُّ لَهُ فِي الْخَامِسِ فَإِنَّهُ حَمَلَ الشَّيْءَ عَلَى نَفْسِهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الشَّهِيدُ هُوَ الشَّهِيدُ. (قُلْتُ): هُوَ مِنْ بَابِ: أَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالشَّهِيدِ الْقَتِيلُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الشُّهَدَاءُ كَذَا وَكَذَا، وَالْقَتِيلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: " إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا " أَيْ: إِلَّا أَنْ يَقْتَرِعُوا، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ فِي بَابِ الِاسْتِهَامِ فِي الْأَذَانِ. قَوْلُهُ: " وَلَوْ حَبْوًا " الْحَبْوُ حَبْوُ الصَّغِيرِ عَلَى يَدَيْهِ وَرَجُلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : الْحَيَوَانُ يَمْشِي عَلَى يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ أَوِ اسْتِهِ، وَحَبَا الْبَعِيرُ إِذَا بَرَكَ ثُمَّ زَحَفَ مِنَ الْإِعْيَاءِ، وَحَبَا الصَّغِيرُ إِذَا زَحَفَ عَلَى اسْتِهِ. (فَإِنْ قُلْتَ): بِمَ انْتَصَبَ حَبْوًا؟ (قُلْتُ): عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ كَانَ إِتْيَانًا حَبْوًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرُ كَانَ الْمُقَدَّرُ وَالتَّقْدِيرُ وَلَوْ كَانَ إِتْيَانُكُمْ حَبْوًا. (ذِكْرُ مَا يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ) وَهُوَ عَلَى وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: فِيهِ فَضِيلَةُ إِمَاطَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَهِيَ أَدْنَى شُعَبِ الْإِيمَانِ، فَإِذَا كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَشْكُرُ عَبْدَهُ وَيَغْفِرُ لَهُ عَلَى إِزَالَةِ غُصْنِ شَوْكٍ مِنَ الطَّرِيقِ، فَلَا يَدْرِي مَا لَهُ مِنَ الْفَضْلِ وَالثَّوَابِ إِذَا فَعَلَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ. الثَّانِي: فِيهِ بَيَانُ الشُّهَدَاءِ وَالشَّهِيدُ عِنْدَنَا مَنْ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ أَوْ وُجِدَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَبِهِ أَثَرُ الْجِرَاحَةِ أَوْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ ظُلْمًا وَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ، وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ : الشَّهِيدُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ الْعَدُوُّ غَازِيًّا فِي الْمَعْرَكَةِ، ثُمَّ الشَّهِيدُ يُكَفَّنُ بِلَا خِلَافٍ وَلَا يُغَسَّلُ، وَفِي (الْمُغْنِي) إِذَا مَاتَ فِي الْمُعْتَرَكِ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إِلَّا عَنِ الْحَسَنِ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ، فَإِنَّهُمَا قَالَا: يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَعُتْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمَكْحُولٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالْمُزَنِيِّ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ، وَاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ : لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي (شَرْحِ الْمُهَذَّبِ): الْجَزْمُ بِتَحْرِيمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : إِنْ شَاءُوا صَلَّوْا عَلَيْهِ وَإِنْ شَاءُوا تَرَكُوهَا، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : (فَإِنْ قُلْتَ): الشَّهِيدُ حُكْمُهُ أَنْ لَا يُغَسَّلَ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهَذَا الْحُكْمُ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأُوَلِ بِالِاتِّفَاقِ. (قُلْتُ): مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ ثَوَابِ الشُّهَدَاءِ، قَالُوا: الشُّهَدَاءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: شَهِيدُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهُوَ مَنْ مَاتَ فِي قِتَالِ الْكَفَّارِ بِسَبَبِهِ، وَشَهِيدُ الْآخِرَةِ دُونَ أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَهُمْ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ، وَشَهِيدُ الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ وَهُوَ مَنْ قُتِلَ مُدْبِرًا أَوْ غَلَّ فِي الْغَنِيمَةِ أَوْ قَاتَلَ لِغَرَضٍ دُنَيَاوِيٍّ لَا لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى. (فَإِنْ قُلْتَ): فَإِطْلَاقُ الشَّهِيدِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْأُوَلِ مَجَازٌ وَعَلَى الْخَامِسِ حَقِيقَةٌ وَلَا يَجُوزُ إِرَادَةُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِاسْتِعْمَالٍ وَاحِدٍ. (قُلْتُ): جَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ فِي لَفْظِ الْجَمْعِ، وَمَنْ مَنَعَهُ مُطْلَقًا، حُمِلَ مِثْلُهُ عَلَى عُمُومِ الْمَجَازِ، يَعْنِي حُمِلَ عَلَى مَعْنًى مَجَازِيٍّ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَجَازِ وَالْحَقِيقَةِ. (قُلْتُ): الْعَمَلُ بِعُمُومِ الْمَجَازِ هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْحَنَفِيَّةِ. الثَّالِثُ: فِيهِ فَضِيلَةُ السَّبْقِ إِلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَالِاسْتِهَامِ عَلَيْهِ . الرَّابِعُ: فِيهِ فَضِيلَةُ التَّهْجِيرِ إِلَى الظُّهْرِ، وَعَلَيْهِ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْإِبْرَادِ لِأَنَّهُ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْحَرِّ، وَالتَّهْجِيرُ هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ عَزِيمَةٌ وَذَاكَ رُخْصَةٌ. الْخَامِسُ: فَضِيلَةُ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ لِأَنَّهُمَا ثَقِيلَانِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية