الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 1975 21 - بَابٌ: مَا قِيلَ فِي اللَّحَّامِ وَالْجَزَّارِ 2081 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ : حَدَّثَنِي شَقِيقٌ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ -يُكْنَى أَبَا شُعَيْبٍ- فَقَالَ لِغُلَامٍ لَهُ قَصَّابٍ : اجْعَلْ لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَةً ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَامِسَ خَمْسَةٍ ، فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْجُوعَ . فَدَعَاهُمْ ، فَجَاءَ مَعَهُمْ رَجُلٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّ هَذَا قَدْ تَبِعَنَا ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ فَأْذَنْ لَهُ ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَ" . فَقَالَ : لَا ، بَلْ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ . [2456 ، 5434 ، 5461 - مُسْلِمٍ: 2036 - فَتْحَ: 4 \ 312] التوضيح ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْأَعْمَشِ حَدَّثَنِي شَقِيقٌ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ وَهُوَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْبَدْرِيُّ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ -يُكْنَى أَبَا شُعَيْبٍ- فَقَالَ لِغُلَامٍ لَهُ قَصَّابٍ : اجْعَلْ لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَةً ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَامِسَ خَمْسَةٍ ، فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْجُوعَ . فَدَعَاهُمْ ، فَجَاءَ مَعَهُمْ رَجُلٌ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "إِنَّ هَذَا قَدْ تَبِعَنَا ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَ" . فَقَالَ : لَا ، بَلْ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ . وَفِي لَفْظٍ : "قَدِ اتَّبَعَنَا" . وَلِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : هَذَا خَطَأٌ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ الْحَكَمِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ . وَإِنَّمَا صَنَعَ طَعَامَ خَمْسَةٍ ; لِعِلْمِهِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَتْبَعُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ غَيْرُهُ ، فَوَسَّعَ فِي الطَّعَامِ لِكَيْ يَبْلُغَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شِبَعَهُ . وَفِيهِ مِنَ الْأَدَبِ : أَنْ لَا يُدْخِلَ الْمَدْعُوُّ مَعَ نَفْسِهِ غَيْرَهُ . وَفِيهِ : كَرَاهَةُ طَعَامِ الطُّفَيْلِيِّ ; لِأَنَّهُ مُقْتَحِمٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ . وَقِيلَ : إِنَّمَا اسْتَأْذَنَ الشَّارِعُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَصَّابِ الَّذِي دَعَاهُ مِنَ الْوِئَامِ وَالْمَوَدَّةِ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي طَلْحَةَ ، إِذْ قَامَ هُوَ وَجَمِيعُ مَنْ مَعَهُ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى أَوْ صَدِيقِكُمْ [النُّورِ : 61] . وَفِيهِ : الشَّفَاعَةُ حَيْثُ شُفِعَ لِلرَّجُلِ عِنْدَ صَاحِبِ الطَّعَامِ بِقَوْلِهِ : "إِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ" . وَفِيهِ : الْحُكْمُ بِالدَّلِيلِ ; لِقَوْلِهِ : (فَإِنِّي عَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْجُوعَ) . وَفِيهِ : أَكْلُ الْإِمَامِ وَالْعَالِمِ وَالشَّرِيفِ طَعَامَ الْجَزَّارِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْجِزَارَةِ شَيْءٌ مِنَ الضَّعَةِ ; لِأَنَّهُ يَمْتَهِنُ فِيهَا نَفْسَهُ ، وَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْقُصُهُ وَلَا يُسْقِطُ شَهَادَتَهُ إِذَا كَانَ عَدْلًا . وَفِيهِ : مُؤَاكَلَةُ الْقَصَّابِ وَهُوَ الْجَزَّارُ . وَالْقَصَّابُ : الْجَزَّارُ ، قَالَهُ صَاحِبُ "الْعَيْنِ" . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : اللَّحَّامُ هُوَ الْجَزَّارُ ، وَالْقَصَّابُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمْ : عَطَّارٌ وَتَمَّارٌ لِلَّذِي يَبِيعُ ذَلِكَ . وَمَعْنَى (خَامِسَ خَمْسَةٍ) : أَحَدُ خَمْسَةٍ . وَفِيهِ : دَلَالَةٌ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الْعَيْشِ لِيُوَفَّى لَهُمُ الْأَجْرُ ، وَهَذَا التَّابِعُ كَانَ ذَا حَاجَةٍ وَفَاقَةٍ وَجُوعٍ . وَاسْتِئْذَانُ صَاحِبِ الدَّعْوَةِ بَيَانٌ لِحَالِهِ وَتَطْيِيبٌ لِقَلْبِهِ وَلِقَلْبِ الْمُسْتَأْذِنِ ، وَلَوْ أَمَرَهُ بِإِدْخَالِهِ مَعَهُمْ لَكَانَ لَهُ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدْ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ : "طَعَامُ الِاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةَ" . وَقَالَ : "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ ، أَوْ رَابِعٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ" ، وَالْوَقْتُ كَانَ وَقْتَ فَاقَةٍ وَشِدَّةٍ ، وَكَانَتِ الْمُوَاسَاةُ وَاجِبَةً إِذْ ذَاكَ ، وَمَعَ ذَلِكَ اسْتَأْذَنَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ وَبَيَانًا لِلْمَشْرُوعِيَّةِ فِي ذَلِكَ ، إِذِ الْأَصْلُ أَنْ لَا يُتَصَرَّفَ فِي مِلْكِ أَحَدٍ إِلَّاَ بِإِذْنِهِ . وَيُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ إِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى حُضُورِهِ مَفْسَدَةٌ . وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ عَنِ الدَّاوُدِيِّ : جَائِزٌ أَنْ يَقُولَ : خَامِسَ خَمْسَةٍ ، وَخَامِسَ أَرْبَعَةٍ ، قَالَ تَعَالَى ثَانِيَ اثْنَيْنِ [التَّوْبَةِ : 40] . وَاعْلَمْ أَنَّ الْبُخَارِيَّ بَوَّبَ لِهَذَا فِي كِتَابِ : الْأَطْعِمَةِ ، بَابُ : الرَّجُلِ يَتَكَلَّفُ الطَّعَامَ لِإِخْوَانِهِ ، وَلَمْ يُتَرْجِمْ كَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَالسِّرُّ فِيهِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ أَنَّ هَذَا قَالَ لِغُلَامِهِ : اصْنَعْ لِي طَعَامًا لِخَمْسَةٍ فَكَانَتْ نِيَّتُهُ فِي الْأَصَالَةِ التَّحْدِيدَ : وَلِهَذَا لَمْ يَأْذَنِ الشَّارِعُ لِلسَّادِسِ حَتَّى لَوْ أُذِنَ لَهُ ، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ التَّحْدِيدَ (بِحَدٍّ) يُنَافِي الْبَرَكَةَ ، وَالِاسْتِرْسَالُ الَّذِي فَعَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ يُلَائِمُ الْبَرَكَةَ ، وَالتَّحْدِيدُ فِي الطَّعَامِ حَالَ التَّكَلُّفِ ، أَوْ عَلِمَ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ ، أَوْ نَقُولُ : إِنَّمَا أَطْعَمَ هَؤُلَاءِ مِنْ بَرَكَتِهِ لَا مِنْ طَعَامِ أَبِي طَلْحَةَ ، أَوْ نَقُولُ : إِنَّهُ لَمَّا أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ ، وَالَّذِي دَعَا إِلَى مَنْزِلِهِ فِي الْعُرْفِ إِذَا بَقِيَ شَيْءٌ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْمَنْزِلِ ; فَلِذَلِكَ اسْتَأْذَنَهُ . وَفِيهِ : إِخْبَارُ الْغُلَامِ الْوَجْهَ الَّذِي يُصْنَعُ لَهُ . وَفِيهِ : نَظَرُهُمْ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لِيَعْرِفُوا مَا فِيهِ مِنْ جَزَعٍ أَوْ سُرُورٍ أَوْ غَيْرِهِ ; لِقَوْلِهِ : (قَدْ عَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْجُوعَ) . وَفِيهِ : أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَجُوعُ أَحْيَانًا لِيَعْظُمَ أَجْرُهُ ، وَيَطْعَمُ أَحْيَانًا . وَفِيهِ : صَنِيعُهُمُ الطَّعَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَإِجَابَتُهُ إِلَيْهِ ، وَمُضِيُّهُ بِمَنْ دُعِيَ مَعَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ النَّفْعِ لِلْفَرِيقَيْنِ وَالْأَجْرِ ، وَلِأَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِإِجَابَةِ دَعْوَةِ الْمُسْلِمِ . وَفِيهِ : اسْتِئْذَانُهُ لَهُ مِنْ غَيْرِ عَزِيمَةٍ . وَفِيهِ : اسْتِخْبَارُهُ مِنَ الَّذِينَ مَعَهُ ، وَلَعَلَّهُ عَذَرَهُ لِمَا يُخْشَى مِنْ أَلَمِ جُوعِهِ .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية