الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      جزء صفحة
                                                      وَهُوَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يُبَدِّلَ ذَلِكَ الْوَصْفَ الْخَاصَّ بِوَصْفٍ عَامٍّ ثُمَّ يَنْقُضَهُ عَلَيْهِ ، كَقَوْلِنَا فِي إثْبَاتِ صَلَاةِ الْخَوْفِ : صَلَاةٌ يَجِبُ قَضَاؤُهَا فَيَجِبُ أَدَاؤُهَا كَصَلَاةِ الْأَمْنِ . فَيَعْتَرِضُ أَنَّ كَوْنَهَا صَلَاةً لَا أَثَرَ لَهَا ، لِأَنَّ الْحَجَّ كَذَلِكَ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْوَصْفُ الْعَامُّ وَهُوَ كَوْنُهُ عِبَادَةً ، فَيَنْكَسِرُ بِصَوْمِ الْحَائِضِ . وَالثَّانِي : أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ ، بَلْ يُعْرِضُ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي أَسْقَطَهُ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَيَذْكُرُ صُورَةَ النَّقْضِ ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ فِي الْمِثَالِ قَوْلَنَا : فَيَجِبُ أَدَاؤُهَا ، إذْ لَيْسَ كُلُّ مَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ بِدَلِيلِ الْحَائِضِ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ : وَهَذَا الْقِسْمُ أَكْثَرُ وُقُوعِهِ فِي الْوَصْفِ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ . وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ رَاجِعٌ إلَى عَدَمِ التَّأْثِيرِ وَالنَّقْضِ ، كَقَوْلِنَا فِي بَيْعِ الْغَائِبِ مَثَلًا : بَيْعٌ مَجْهُولُ الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ فَلَا يَصِحُّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُكَ عَبْدًا . فَيَقُولُ عَلَى الصُّورَةِ الْأُولَى : خُصُوصُ كَوْنِهِ بَيْعًا لَا أَثَرَ لَهُ ، لِأَنَّ الْمَرْهُونَ كَذَلِكَ ، فَبَقِيَ كَوْنُهُ عَقْدًا الَّذِي هُوَ وَصْفٌ يَعُمُّهُمَا ، وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِالنِّكَاحِ . وَعَلَى الثَّانِيَةِ : لَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ بَيْعًا بِدَلِيلِ الْمَرْهُونِ ، فَسَقَطَ هَذَا الْجُزْءُ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا مَجْهُولَةُ الصِّفَةِ . . . آخِرُهُ . وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِالنِّكَاحِ . وَأَمَّا الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ فَعَرَّفَا الْكَسْرَ بِوُجُودِ الْحِكْمَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهُ ، فَالنَّقْضُ حِينَئِذٍ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْ الْعِلَّةِ ، وَالْكَسْرُ تَخَلُّفُهُ عَنْ حِكْمَتِهَا ، فَهُوَ نَقْضٌ عَلَى مَعْنَى الْعِلَّةِ دُونَ لَفْظِهَا ، أَيْ الْحِكْمَةِ دُونَ الْمَظِنَّةِ ، بِخِلَافِ النَّقْضِ . كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي الْعَاصِي بِسَفَرِهِ : مُسَافِرٌ فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَخَّصَ ، كَالطَّائِعِ فِي سَفَرِهِ . وَيَتَبَيَّنُ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ السَّفَرِ بِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ فَيُقَالُ : مَا ذَكَرْتَهُ مِنْ الْحِكْمَةِ ، وَهِيَ الْمَشَقَّةُ ، مُنْتَقِضَةٌ بِمَشَقَّةِ الْحَمَّالِينَ وَأَرْبَابِ الصَّنَائِعِ الشَّاقَّةِ فِي الْحَضَرِ ، وَلَا رُخْصَةَ لَهُمْ . ثُمَّ ذَكَرَا بَعْدَ ذَلِكَ النَّقْضَ الْمَكْسُورَ وَهُوَ النَّقْضُ عَلَى بَعْضِ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ . ثُمَّ قَالُوا : وَاخْتَلَفُوا فِي إبْطَالِهِمَا لِلْعِلِّيَّةِ . وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُبْطِلٍ . وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ : إنَّهُ الْمُخْتَارُ . وَأَمَّا صَاحِبُ " الْمِنْهَاجِ " فَذَكَرَ الْكَسْرَ فَقَطْ وَعَرَّفَهُ بِعَدَمِ تَأْثِيرِ أَحَدَيْ الْمُرَكَّبِ الَّذِي ادَّعَى الْمُسْتَدِلُّ عِلِّيَّتَهُ وَنَقَضَ الْآخَرُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي " الْمَحْصُولِ " ، وَعَدُّوهُ مِنْ قَوَادِحِ الْعِلِّيَّةِ . قَالَ الْهِنْدِيُّ : وَهُوَ مَرْدُودٌ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ إلَّا إذَا بَيَّنَ الْخَصْمُ إلْغَاءَ الْقَيْدِ ، وَنَحْنُ لَا نَعْنِي بِالْكَسْرِ إلَّا إذَا بُيِّنَ ، أَمَّا إذَا لَمْ يُبَيَّنْ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ مَرْدُودٌ ، وَأَمَّا إذَا بُيِّنَ مَوْضِعُ النِّزَاعِ فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ قَادِحٌ . وَقَوْلُ الْآمِدِيَّ : وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ قَادِحٍ مَرْدُودٌ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " التَّلْخِيصِ " : اعْلَمْ أَنَّ الْكَسْرَ سُؤَالٌ مَلِيحٌ ، وَالِاشْتِغَالَ بِهِ يَنْتَهِي إلَى بَيَانِ الْفِقْهِ وَتَصْحِيحِ الْعِلَّةِ . وَقَدْ اتَّفَقَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّتِهِ وَإِفْسَادِ الْعِلَّةِ بِهِ ، وَيُسَمُّونَهُ : النَّقْضَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى ، وَالْإِلْزَامَ مِنْ طَرِيقِ الْفِقْهِ . وَأَنْكَرَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ . قُلْت : وَابْنُ الصَّبَّاغِ - وَقَالُوا : لَا يُبْطِلُ الْعِلِّيَّةَ : لِأَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ إلَّا بِأَنْ يُغَيِّرَ الْعِلَّةَ أَوْ يُبَدِّلَ لَفْظَهَا بِغَيْرِهِ ، أَوْ يُسْقِطَ وَصْفًا مِنْ أَوْصَافِهَا . وَهَذَا لَا يَلْزَمُ ، لِجَوَازِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا غَيَّرَهُ السَّائِلُ وَبَدَّلَهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْعِلَّةَ شَرْعِيَّةٌ ، وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَعْنًى عَلَى صِفَةِ عِلَّةٍ فِي حُكْمٍ صَحِيحٍ ، لِأَنَّ الْكَسْرَ نَقْضٌ ، وَلَا يُجْعَلُ عِلَّةً عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى ، فَلَا يَجُوزُ إلْزَامُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ . قَالَ الشَّيْخُ : وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ، لِأَنَّ الْكَسْرَ نَقْضٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّقْضِ مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ . وَأَيْضًا فَإِنَّ مَا أَوْجَدَهُ مِنْ الْمَعْنَى مِثْلُ الْمَعْنَى الَّذِي عَلَّلَ بِهِ ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُوجِدُ دَلَّ عَلَى عَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ . ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي سُؤَالِ الْكَسْرِ مِنْ حَذْفِ وَصْفٍ مِنْ الْأَصْلِ ، أَوْ إبْدَالِهِ بِغَيْرِهِ . كَمَا فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْغَائِبِ ، فَإِنَّهُ حَذْفُ خُصُوصِ كَوْنِهِ بَيْعًا وَإِبْدَالُهُ فِي النِّكَاحِ ، وَالنَّظَرُ فِي خُصُوصِ الْأَوْصَافِ وَحَذْفُ مَا حُذِفَ مِنْهَا وَإِبْدَالُهُ مَوْضِعُهُ الْفِقْهُ . وَعَلَى هَذَا فَلَا يَتَوَجَّهُ السُّؤَالُ إلَّا إذَا كَانَ الْمَحْذُوفُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ حَذْفُهُ . وَإِذَا كَانَ الْحَذْفُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فَالْمَجْمُوعُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ . وَإِذَا حَذَفَ وَصْفًا اعْتَقَدَهُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ لَمْ يَرِدْ النَّقْضُ إلَّا عَلَى الْبَاقِي . قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ : الْكَسْرُ سُؤَالٌ صَحِيحٌ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ . وَقَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ : بَاطِلٌ وَقَالَ فِي " الْمَنْخُولِ " : قَالَ الْجَدَلِيُّونَ : الْكَسْرُ يُفَارِقُ النَّقْضَ فَإِنَّهُ يَرِدُ عَلَى إخَالَةٍ لَا عَلَى عِبَارَتِهِ ، وَالنَّقْضُ يَرِدُ عَلَى الْعِبَارَةِ ( قَالَ ) : وَعِنْدَنَا لَا مَعْنَى لِلْكَسْرِ ، فَإِنَّ كُلَّ عِبَارَةٍ لَا إخَالَةَ فِيهَا فَهِيَ طَرْدٌ مَحْذُوفٌ ، وَالْوَارِدُ عَلَى الْإِخَالَةِ نَقْضٌ . وَلَوْ أَوْرَدَ عَلَى أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ مَعَ كَوْنِهِمَا مُخَيَّلَيْنِ فَهُوَ بَاطِلٌ لَا يُقْبَلُ . نَعَمْ ، تَرَدَّدَ الْقَاضِي فِي أَنَّ الْمُعَلِّلَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ عَنْ الْقِيَاسِ بِطَرْدٍ أَمْ لَا ؟ قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَصْلًا ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَقْضٍ ، وَلَوْ فَعَلَهُ اسْتَبَانَ بِهِ فَكَانَ أَحْسَنَ . وَمَذْهَبُنَا أَنَّ الْعِلَّةَ مُنْتَقِضَةٌ بِهِ ، فَلَا مَعْنَى لِلِاحْتِرَازِ بِالطَّرْدِ .

                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                      الخدمات العلمية