الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      جزء صفحة
                                                      مَسْأَلَةٌ [ أَقْسَامُ النَّظَرِ ] وَأَقْسَامُهُ أَرْبَعَةٌ : لِأَنَّهُ إمَّا جَازِمٌ أَوْ لَا . وَكُلُّ وَاحِدٍ إمَّا مُطَابِقٌ أَوْ لَا ، وَإِنْ شِئْت قُلْت : إمَّا صَحِيحٌ أَوْ فَاسِدٌ : وَكُلُّ وَاحِدٍ إمَّا جَازِمٌ أَوْ غَيْرُ جَازِمٍ ، فَالنَّظَرُ الصَّحِيحُ : هُوَ النَّظَرُ الْمُطَابِقُ . وَالْفَاسِدُ . هُوَ الَّذِي لَمْ يُفِدْ الْمَطْلُوبَ إمَّا لِلْخَطَأِ فِي التَّرْتِيبِ ، أَوْ أَنَّهُ قُصِدَ بِهِ شَيْءٌ فَأَفَادَ غَيْرَهُ ، أَوْ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَقَسَّمَهُ الْآمِدِيُّ إلَى صَحِيحٍ : وَهُوَ مَا قَدْ وَقَفَ النَّاظِرُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ دَلَالَةِ الدَّلِيلِ ، وَنَاقَضَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : إنَّ الصَّحِيحَ مِنْهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَرَى الظَّنَّ عِلْمًا بَلْ ضِدًّا لِلْعِلْمِ ، وَهُوَ أَحَدُ طُرُقِ الْعِلْمِ خِلَافًا لِلسُّوفِسْطَائِيَّةِ النَّافِينَ لِلْحَقَائِقِ ، وَالسُّمَنِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِتَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ ، وَشَرْطُهُ : الْعَقْلُ ، وَانْتِفَاءُ مَا فِيهِ كَالْغَفْلَةِ ، وَهَلْ السَّهْوُ عَنْ النَّظَرِ الصَّحِيحِ وَالنِّسْيَانُ لَهُ ضِدٌّ لَهُ أَمْ لَا ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى . وَعِنْدَهُ لَا يَكُونُ غَيْرُ الْعِلْمِ ضِدًّا لَهُ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفِيدُ الْعِلْمُ الظَّنَّ لَيْسَ عِلْمًا ، وَأَنْ لَا يَكُونَ جَاهِلًا بِالْمَطْلُوبِ ، وَلَا عَالِمًا بِهِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ ، وَلَا مِنْ وَجْهٍ تَطْلُبُهُ ، لِاسْتِحَالَةِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ ، وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ : إنَّهُ يُنَافِي الْعِلْمَ بِمَا يَنْظُرُ فِيهِ ; لِأَنَّ النَّظَرَ طَلَبٌ ، وَطَلَبُ الْحَاصِلِ مُحَالٌ وَيُنَافِي الْجَهْلَ بِهِ ; لِأَنَّ الْجَاهِلَ يَعْتَقِدُ كَوْنَهُ عَالِمًا ، وَهُوَ يَصْرِفُهُ عَنْ الطَّلَبِ . قِيلَ : لَكِنْ هَذَا فِي الْمُرَكَّبِ ، وَهُوَ يُنَافِي الْبَسِيطَ أَيْضًا وَلَمْ يَذْكُرْهُ ، وَأَنْ يَكُونَ نَظَرُهُ فِي الدَّلِيلِ لَا فِي شُبْهَةٍ . بِمَعْنَى أَنْ يَقَعَ نَظَرُهُ عَلَى الدَّلِيلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ ; لِأَنَّهُ إذَا أَخْطَأَ الدَّلِيلَ لَمْ يَصِحَّ نَظَرُهُ وَلِهَذَا ، أَخْطَأَ مَنْ أَخْطَأَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوَفَّقْ فِي نَظَرِهِ لِإِصَابَةِ الدَّلِيلِ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ عَلَى شُبْهَةٍ أَدْرَكَ الدَّلِيلَ غَيْرُهُ ، وَأَنْ يَسْتَوْفِيَ شُرُوطَ الدَّلِيلِ ، وَتَرْتِيبُهُ عَلَى حَقِيقَةٍ بِتَقْدِيمِ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ ، وَتَأْخِيرِ مَا يَجِبُ تَأْخِيرُهُ وَأَنْ يَعْلَمَ الْوُجُوهَ الَّتِي تَدُلُّ مِنْهَا الْأَدِلَّةُ ، وَلَا يَكْفِيهِ الْعِلْمُ بِذَاتِ الدَّلَالَةِ مَعَ الذُّهُولِ عَنْ الْوَجْهِ الَّذِي مِنْهُ تَدُلُّ الدَّلَالَةُ . قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ : وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ عِلْمَ الِاكْتِسَابِ لَا عِلْمَ الضَّرُورَةِ وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْمَنْصُورِ : يَجِبُ أَوَّلًا أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ غَائِبًا عَنْ الْحِسِّ وَالضَّرُورَةِ فِيمَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ ، أَوْ الْبَدَاهَةِ لَا مَدْخَلَ لِلنَّظَرِ فِيهِ . ثُمَّ يَعْلَمُ الضَّرُورِيَّاتِ الْحِسِّيَّةَ وَالْبَدِيهِيَّةَ ، وَإِلَّا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ رَدِّ الْغَائِبِ إلَى مَحْسُوسٍ أَوْ مَعْلُومٍ بِالْبَدَاهَةِ ، ثُمَّ يَعْلَمُ وُجُودَ الدَّلِيلِ عَلَى مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يَعْلَمُ وَجْهَ تَعَلُّقِ الدَّلِيلِ بِالْمَدْلُولِ ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلَال عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْقُرْآنِ الْمُعْجِزِ مَنْ لَا يَعْرِفُ وُجُودَ الْقُرْآنِ فِي الْعَالَمِ . وَلَا مَنْ عَرَفَ وُجُودَهُ ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ ظَهَرَ عَلَى يَدَيْهِ . وَلَا مَنْ عَرَفَ ظُهُورَهُ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ تَحَدَّى بِهِ الْعَرَبَ فَعَجَزُوا عَنْ مُعَارَضَتِهِ بِمِثْلِهِ . قَالَ : وَمِنْ شَرْطِهِ إذَا كَانَ دَلِيلُهُ يَدُلُّ عَلَى شَيْئَيْنِ فَأَكْثَرَ أَنْ يُجْرِيَهُ فِيهِمَا ، فَأَمَّا أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ فِي أَحَدِ مَدْلُولَيْهِ وَيَمْنَعَ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ فِي الْآخَرِ ، فَإِنَّهُ مُفْسِدٌ لِلدَّلِيلِ عَلَى غَيْرِ نَفْسِهِ ، وَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ اسْتِدْلَالُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِأَفْعَالِهِ الْمُحْكَمَةِ ; لِأَنَّ الْمُحْكَمَاتِ كَمَا دَلَّتْ عَلَى كَوْنِ فَاعِلِهَا عَالِمًا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ لَهُ عِلْمًا . فَإِذَا لَمْ يُجْرُوا هَذِهِ الدَّلَالَةَ فِي عِلْمِ الْبَارِي لَمْ يَصِحَّ اسْتِدْلَالُهُ بِهَا عَلَى كَوْنِهِ عَالِمًا . قُلْت : وَمِنْهُ اسْتِدْلَالُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى صِحَّةِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ بِحَدِيثِ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ، وَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ لَيْسَ لَهُ الْإِقْبَاضُ . وَالْحَدِيثُ كَمَا دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْعَقْدِ دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْإِقْبَاضِ . فَإِذَا لَمْ يَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلَى عَدَمِ امْتِنَاعِ الْإِقْبَاضِ لَمْ يَصِحَّ اسْتِدْلَالُهُمْ عَلَى جَوَازِ الْعَقْدِ . وَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ كَانَ النَّظَرُ مُثْمِرًا لِلْعِلْمِ وَمُنْتِجًا لَهُ ، وَإِنْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا كَانَ فَاسِدًا ، وَلَمْ يَقَعْ بَعْدَهُ عِلْمٌ قَالَ أَبُو يَعْلَى فِي الْمُعْتَمَدِ وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ النَّظَرِ الصَّحِيحِ يَتَضَمَّنُ جُزْءًا مِنْ الْعِلْمِ خِلَافًا لِابْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ وَالْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ : إنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ النَّظَرِ لَا يَتَضَمَّنُ جُزْءًا مِنْ الْعِلْمِ ، بَلْ لَا يُثْمِرُ إلَّا بَعْدَ اسْتِكْمَالِهِ ، فَإِذَا اسْتَوْفَى النَّظَرَ حَصَلَ بَعْدَهُ الْعِلْمُ ، وَهَذَا كَالنَّظَرِ فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ ، فَإِنَّنَا نَنْظُرُ أَوَّلًا فِي إثْبَاتِ الْأَعْرَاضِ فَإِذَا نَظَرْنَا فِيهِ حَصَلَ الْعِلْمُ بِوُجُودِ الْعَرَضِ فَقَطْ ، ثُمَّ نَنْظُرُ ثَانِيًا فِي حُدُوثِهِ فَنَعْلَمُ حُدُوثَهُ ، وَرُبَّمَا تَكُونُ الْأَدِلَّةُ عَلَى وُجُودِ الْأَعْرَاضِ أَوْ حُدُوثِهَا مَبْنِيَّةً عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ يَجِبُ النَّظَرُ فِيهَا ، فَيَحْصُلُ لَنَا الْعِلْمُ بِكُلٍّ مِنْ النَّظَرِ فِي تِلْكَ الْأَشْيَاءِ عِلْمًا ، وَكَذَلِكَ النَّظَرُ فِي سَائِرِ الْأَدِلَّةِ . قُلْت : وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ فَإِنَّهُ إنْ أُرِيدَ عِلْمٌ مَا فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ أَبُو يَعْلَى ، وَإِنْ أُرِيدَ الْمَقْصُودُ بِالنَّظَرِ ، فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ الْآخَرُونَ ، وَنَظِيرُهُ الْخِلَافُ الْفِقْهِيُّ أَنَّ الْحَدَثَ هَلْ يَرْتَفِعُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ بِمُجَرَّدِ غَسْلِهِ أَوْ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَمَامِ الْأَعْضَاءِ ؟ .

                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                      الخدمات العلمية