الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                الْقَوْلُ فِي السَّكْرَانِ " اُخْتُلِفَ فِي تَكْلِيفِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ " وَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ : أَنَّهُ مُكَلَّفٌ . قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَفِي مَحَلِّ الْقَوْلَيْنِ أَرْبَعُ طُرُقٍ أَصَحُّهَا : أَنَّهُمَا جَارِيَانِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ كُلِّهَا ، مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُمَا فِي أَقْوَالِهِ كُلِّهَا ، كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْإِسْلَامِ وَالرِّدَّةِ ، وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَغَيْرِهَا ، وَأَمَّا أَفْعَالُهُ : كَالْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَغَيْرِهَا ، فَكَأَفْعَالِ الصَّاحِي بِلَا خِلَافٍ لِقُوَّةِ الْأَفْعَالِ . الثَّالِثُ : أَنَّهُمَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْجِنَايَاتِ . وَأَمَّا بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ ، فَلَا يَصِحُّ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ وَالْعِلْمُ شَرْطٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ . الرَّابِعُ : أَنَّهُمَا فِيمَا لَهُ ، كَالنِّكَاحِ وَالْإِسْلَامِ ، أَمَّا مَا عَلَيْهِ كَالْإِقْرَارِ وَالطَّلَاقِ وَالضَّمَانِ ، فَيَنْفُذُ قَطْعًا تَغْلِيظًا ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ لَهُ مِنْ وَجْهٍ ، وَعَلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ نَفَذَ تَغْلِيبًا بِطَرِيقِ التَّغْلِيظِ ، هَذَا مَا أَوْرَدَهُ الرَّافِعِيُّ . وَقَدْ اغْتَرَّ بِهِ بَعْضُهُمْ فَقَالَ تَفْرِيعًا عَلَى الْأَصْلِ : السَّكْرَانُ فِي كُلِّ أَحْكَامِهِ كَالصَّاحِي ، إلَّا فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ . قُلْت : وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَالصَّوَابُ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِغَيْرِ الْعِبَادَاتِ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْإِسْلَامُ ، أَمَّا الْعِبَادَاتُ ، فَلَيْسَ فِيهَا كَالصَّاحِي كَمَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ ; فَمِنْهَا الْأَذَانُ ، فَلَا يَصِحُّ أَذَانُهُ عَلَى الصَّحِيحِ ; كَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ; لِأَنَّ كَلَامَهُ لَغْوٌ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفَاتِهِ . قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، قَالَ : أَمَّا مَنْ هُوَ فِي أَوَّلِ النَّشْوَةِ ، فَيَصِحُّ أَذَانُهُ بِلَا خِلَافٍ . وَمِنْهَا ، لَوْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ لَيْلًا وَبَقِيَ سُكْرُهُ جَمِيعَ النَّهَارِ ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، وَإِنْ صَحَا فِي بَعْضِهِ فَهُوَ كَالْإِغْمَاءِ فِي بَعْضِ النَّهَارِ . وَمِنْهَا لَوْ سَكِرَ الْمُعْتَكِفُ ، بَطَل اعْتِكَافُهُ وَنُتَابِعُهُ أَيْضًا . وَاعْلَمْ : أَنَّ فِي بُطْلَانِ الِاعْتِكَافِ بِالسُّكْرِ وَالرِّدَّةِ ، سِتَّةَ طُرُقٍ ، نَظِيرَ مَسْأَلَةِ الْعَفْوِ عَمَّا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ فِي الْمَاءِ وَالثَّوْبِ . الْأَوَّلُ وَهُوَ الْأَصَحُّ : يَبْطُلُ بِهِمَا قَطْعًا ; لِأَنَّهُمَا أَفْحَشُ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ . وَالثَّانِي : لَا ; قَطْعًا . وَالثَّالِثُ فِيهِمَا قَوْلَانِ . وَالرَّابِعُ : يَبْطُلُ فِي السُّكْرِ دُونَ الرِّدَّةِ ; لِأَنَّ السَّكْرَانَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمُقَامِ فِي الْمَسْجِدِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ فِيهِ ، فَصَارَ كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ ، وَالْمُرْتَدُّ مِنْ أَهْلِ الْمُقَامِ فِيهِ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ إقْرَارُهُ فِيهِ . وَالْخَامِسُ : يَبْطُلُ فِي الرِّدَّةِ دُونَ السُّكْرِ ; لِأَنَّهُ كَالنَّوْمِ بِخِلَافِهَا ; لِأَنَّهَا تُنَافِي الْعِبَادَاتِ . وَالسَّادِسُ ، يَبْطُلُ فِي السُّكْرِ لَامْتِدَادِ زَمَانِهِ ، وَكَذَا الرِّدَّةُ إنْ طَالَ زَمَانُهَا ، وَإِلَّا فَلَا . قَالَ الرَّافِعِيُّ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ زَمَانُهَا . وَمِنْهَا : لَا يَصِحُّ وُقُوفُ السَّكْرَانِ بِعَرَفَةَ ، سَوَاءٌ كَانَ مُتَعَدِّيًا أَمْ لَا ، كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ . وَمِنْهَا : فِي وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَيْهِ إذَا سَلَّمَ ، وَكَذَا الْمَجْنُونُ ، وَجْهَانِ فِي الرَّوْضَةِ بِلَا تَرْجِيحٍ ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِمَا ، وَلَا يُسَنُّ ابْتِدَاؤُهُمَا . فَهَذِهِ فُرُوعٌ لَيْسَ السَّكْرَانُ فِيهَا كَالصَّاحِي . وَبَقِيَ فَرْعٌ ، لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ وَهُوَ : لَوْ بَانَ إمَامُهُ سَكْرَانَ ، فَهَلْ تَجِبُ الْإِعَادَةُ كَمَا لَوْ بَانَ مَجْنُونًا ; لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى حَالُهُ أَوَّلًا ، كَمَا لَوْ بَانَ مُحْدِثًا ؟ الظَّاهِرُ : الْأَوَّلُ .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية