الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                السَّادِسُ : الْعُسْرُ وَعُمُومُ الْبَلْوَى . كَالصَّلَاةِ مَعَ النَّجَاسَةِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا ، كَدَمِ الْقُرُوحِ وَالدَّمَامِلِ وَالْبَرَاغِيثِ ، وَالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ ، وَقَلِيلِ دَمِ الْأَجْنَبِيِّ وَطِينِ الشَّارِعِ ، وَأَثَرِ نَجَاسَةٍ عَسِرَ زَوَالُهُ ، وَذَرْقُ الطُّيُورِ إذَا عَمَّ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمَطَافِ وَمَا يُصِيبُ الْحَبَّ فِي الدَّوْسِ مِنْ رَوْثِ الْبَقَرِ وَبَوْلِهِ . وَمِنْ ذَلِكَ الْعَفْوُ عَمَّا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ ، وَرِيقُ النَّائِمِ ، وَفَمُ الْهِرَّةِ . وَمِنْ ثَمَّ لَا يَتَعَدَّى إلَى حَيَوَانٍ لَا يَعُمُّ اخْتِلَاطُهُ بِالنَّاسِ كَمَا قَالَ الْغَزَالِيُّ وَأَفْوَاهُ الصِّبْيَانِ . وَغُبَارُ السِّرْجِينِ وَنَحْوِهِ وَقَلِيلُ الدُّخَانِ أَوْ الشَّعْرِ النَّجِسِ ، وَمَنْفَذُ الْحَيَوَانِ . وَمِنْ ثَمَّ لَا يُعْفَى عَنْ مَنْفَذِ الْآدَمِيّ ، لِإِمْكَانِ صَوْنِهِ عَنْ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ ، وَرَوْثِ مَا نَشْؤُهُ فِي الْمَاءِ وَالْمَائِع ، وَمَا فِي جَوْفِ السَّمَكِ الصِّغَارِ عَلَى وَجْهٍ اخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ . وَمِنْ ذَلِكَ : مَشْرُوعِيَّةُ الِاسْتِجْمَارِ بِالْحَجَرِ وَإِبَاحَةُ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي الْبُنْيَانِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ لِلصَّبِيِّ الْمُحْدِثِ . وَمِنْ ثَمَّ لَا يُبَاحُ لَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّمًا كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ عَنْ مَفْهُومِ كَلَامِهِمْ ، وَجَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَة لِمَشَقَّةِ اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ ، وَمَسْح الْخُفِّ فِي الْحَضَرِ لِمَشَقَّةِ نَزْعِهِ فِي كُلّ وُضُوءٍ وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَ نَزْعُهُ فِي الْغُسْلِ لِعَدَمِ تَكَرُّرِهِ . وَأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَى الْمَاءِ بِالِاسْتِعْمَالِ مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ ، وَلَا يَضُرّهُ التَّغْيِيرُ بِالْمُكْثِ وَالطِّينُ وَالطُّحْلُبُ وَكُلّ مَا يَعْسُر صَوْنُهُ عَنْهُ ، وَإِبَاحَةُ الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ وَالِاسْتِدْبَارُ فِي صَلَاةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ ، وَإِبَاحَةُ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَّةِ فِي السَّفَرِ وَفِي الْحَضَرِ عَلَى وَجْهٍ ، وَإِبَاحَةُ الْقُعُودِ فِيهِمَا مَعَ الْقُدْرَةِ ، وَكَذَا الِاضْطِجَاعُ وَالْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ . وَمِنْ ثَمَّ لَا إبْرَادَ بِالْجُمُعَةِ لِاسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ إلَيْهَا . وَالْجَمْعُ فِي الْمَطَرِ وَتَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ بِالْأَعْذَارِ الْمَعْرُوفَةِ وَعَدَمُ وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَائِضِ لِتَكَرُّرِهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَبِخِلَافِ الْمُسْتَحَاضَةِ لِنُدْرَةِ ذَلِكَ ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ وَمَالِ الْغَيْرِ مَعَ ضَمَانِ الْبَدَلِ إذَا اُضْطُرَّ ، وَأَكْلُ الْوَلِيّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ بِقَدْرِ أُجْرَةِ عَمَلِهِ إذَا احْتَاجَ وَجَوَازُ تَقْدِيمِ نِيَّةِ الصَّوْمِ عَلَى أَوَّلِهِ ، وَنِيَّةُ صَوْمِ النَّفْلِ بِالنَّهَارِ ، وَإِبَاحَةُ التَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ بِالْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ ، وَلُبْسُ الْحَرِيرِ لِلْحَكَّةِ وَالْقِتَالِ وَبَيْعُ نَحْوِ الرُّمَّانِ وَالْبَيْضِ فِي قِشْرَةٍ وَالْمَوْصُوفُ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ السَّلَمُ ، مَعَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ، وَالِاكْتِفَاءُ بِرُؤْيَةِ ظَاهِرِ الصُّبْرَةِ وَأُنْمُوذَجُ الْمُتَمَاثِلِ ، وَبَارِزُ الدَّارِ عَنْ أُسِّهَا . وَمَشْرُوعِيَّةُ الْخِيَارِ لَمَّا كَانَ الْبَيْعُ يَقَعُ غَالِبًا مِنْ غَيْرِ تَرَوٍّ وَيَحْصُلُ فِيهِ النَّدَمُ فَيَشُقُّ عَلَى الْعَاقِدِ ، فَسَهَّلَ الشَّارِعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِجَوَازِ الْفَسْخِ فِي مَجْلِسِهِ وَشَرَعَ لَهُ أَيْضًا شَرْطَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ; وَالتَّحَالُفُ ، وَالْإِقَالَةُ وَالْحَوَالَةُ ، وَالرَّهْنُ ، وَالضَّمَانُ وَالْإِبْرَاءُ ، وَالْقَرْضُ ، وَالشَّرِكَةُ ، وَالصُّلْحُ ، وَالْحَجْرُ ، وَالْوَكَالَةُ ، وَالْإِجَارَةُ ، وَالْمُسَاقَاةُ ، وَالْمُزَارَعَةُ ، وَالْقِرَاضُ ، وَالْعَارِيَّةُ ، الْوَدِيعَةُ لِلْمَشَقَّةِ الْعَظِيمَةِ فِي أَنَّ كُلّ أَحَدٍ لَا يَنْتَفِعُ إلَّا بِمَا هُوَ مِلْكُهُ ، وَلَا يَسْتَوْفِي إلَّا مِمَّنْ عَلَيْهِ حَقُّهُ ، وَلَا يَأْخُذهُ إلَّا بِكَمَالِهِ ، وَلَا يَتَعَاطَى أُمُورَهُ إلَّا بِنَفْسِهِ ; فَسَهَّلَ الْأَمْرَ بِإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِ الْغَيْر ، بِطَرِيقِ الْإِجَارَةِ أَوْ الْإِعَارَةِ أَوْ الْقِرَاضِ ، وَبِالِاسْتِعَانَةِ بِالْغَيْرِ وَكَالَةً ، وَإِيدَاعًا ، وَشَرِكَةً وَقِرَاضًا وَمُسَاقَاةً ، وَبِالِاسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ الْمَدْيُونِ حَوَالَةً ، وَبِالتَّوَثُّقِ عَلَى الدَّيْن بِرَهْنٍ وَضَامِنٍ وَكَفِيلٍ وَحَجْرٍ ، وَبِإِسْقَاطِ بَعْضِ الدَّيْنِ صُلْحًا ، أَوْ كُلِّهِ إبْرَاءً . وَمِنْ التَّخْفِيفِ : جَوَازُ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ ; لِأَنَّ لُزُومَهَا يَشُقُّ ، وَيَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ تَعَاطِيهَا وَلُزُومُ اللَّازِمِ ، وَإِلَّا لَمْ يَسْتَقِرّ بَيْعٌ وَلَا غَيْرُهُ . وَمِنْهُ : إبَاحَةُ النَّظَرِ عِنْدَ الْخِطْبَةِ ، وَلِلتَّعْلِيمِ ، وَالْإِشْهَادِ وَالْمُعَامَلَةِ وَالْمُعَالَجَةِ وَلِلسَّيِّدِ وَمِنْهُ : جَوَازُ الْعَقْدِ عَلَى الْمَنْكُوحَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ ، لِمَا فِي اشْتِرَاطِهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ الَّتِي لَا يَحْتَمِلُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فِي بَنَاتِهِمْ وَأَخَوَاتِهِمْ مِنْ نَظَرِ كُلِّ خَاطِبٍ فَنَاسَبَ التَّيْسِيرُ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ فَإِنَّ اشْتِرَاطَ الرُّؤْيَةِ فِيهِ لَا يُفْضِي إلَى عُسْر وَمَشَقَّة . وَمِنْهُ : إبَاحَةُ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى وَاحِدَةٍ تَيْسِيرًا عَلَى الرِّجَالِ وَعَلَى النِّسَاءِ أَيْضًا لِكَثْرَتِهِنَّ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْبَعٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى الزَّوْجَيْنِ فِي الْقَسْمِ وَغَيْرِهِ . وَمِنْهُ : مَشْرُوعِيَّةُ الطَّلَاقِ ، لِمَا فِي الْبَقَاءِ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ مِنْ الْمَشَقَّة عِنْدَ التَّنَافُرِ ، وَكَذَا مَشْرُوعِيَّةُ الْخُلْعِ وَالِافْتِدَاءِ وَالْفَسْخِ بِالْعَيْبِ وَنَحْوِهِ ، وَالرَّجْعَةِ فِي الْعِدَّةِ لَمَّا كَانَ الطَّلَاقُ يَقَعُ غَالِبًا بَغْتَةً فِي الْخِصَامِ وَالْجَرْح وَيَشُقُّ عَلَيْهِ الْتِزَامُهُ فَشُرِعَتْ لَهُ الرَّجْعَةُ فِي تَطْلِيقَتَيْنِ : وَلَمْ تُشْرَعْ دَائِمًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى الزَّوْجَةِ إذَا قُصِدَ إضْرَارُهَا بِالرَّجْعَةِ وَالطَّلَاقِ كَمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ . وَمِنْهُ : مَشْرُوعِيَّةُ الْإِجْبَارِ عَلَى الْوَطْءِ أَوْ الطَّلَاقِ فِي الْمُولِي . وَمِنْهُ : مَشْرُوعِيَّةُ الْكَفَّارَةِ فِي الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ تَيْسِيرًا عَلَى الْمُكَلَّفِينَ لِمَا فِي الْتِزَامِ مُوجِب ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ عِنْدَ النَّدَمِ . وَكَذَا مَشْرُوعِيَّةُ التَّخْيِيرِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِتَكَرُّرِهِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَالْجِمَاعِ لِنُدْرَةِ وُقُوعِهَا ; وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ الزَّجْرُ عَنْهَا . وَمَشْرُوعِيَّةُ التَّخْيِيرِ فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ : بَيْن مَا اُلْتُزِمَ وَالْكَفَّارَةِ لِمَا فِي الِالْتِزَام بِالنُّذُورِ لَجَاجًا مِنْ الْمَشَقَّةِ . وَمِنْهُ : مَشْرُوعِيَّةُ التَّخْيِير بَيْن الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ تَيْسِيرًا عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الْجَانِي وَالْمَجْنِيّ عَلَيْهِ ، وَكَانَ فِي شَرْعِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ الْقِصَاصُ مُتَحَتِّمًا وَلَا دِيَةَ . وَفِي شَرْعِ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ الدِّيَةُ وَلَا قِصَاصَ . وَمِنْهُ : مَشْرُوعِيَّةُ الْكِتَابَةِ ، لِيَتَخَلَّصَ الْعَبْدُ مِنْ دَوَامِ الرِّقِّ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعُسْرِ ، فَيُرَغَّبُ السَّيِّدُ الَّذِي لَا يَسْمَحُ بِالْعِتْقِ مَجَّانًا ، بِمَا يُبْذَلُ لَهُ مِنْ النُّجُومِ . وَمِنْهُ : مَشْرُوعِيَّةُ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ لِيَتَدَارَكَ الْإِنْسَانُ مَا فَرَطَ مِنْهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَفُسِحَ لَهُ فِي الثُّلُثِ دُونَ مَا زَادَ عَلَيْهِ دَفْعًا لِضَرَرِ الْوَرَثَةِ ، فَحَصَلَ التَّيْسِيرُ وَدَفْعُ الْمَشَقَّةِ فِي الْجَانِبَيْنِ وَمِنْهُ : إسْقَاطُ الْإِثْمِ عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْخَطَأِ وَالتَّيْسِيرُ عَلَيْهِمْ بِالِاكْتِفَاءِ بِالظَّنِّ وَلَوْ كُلِّفُوا الْأَخْذَ بِالْيَقِينِ لَشَقَّ وَعَسُرَ الْوُصُولُ إلَيْهِ . فَقَدْ بَانَ بِهَذَا أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ يَرْجِعُ إلَيْهَا غَالِبُ أَبْوَابِ الْفِقْهِ .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية