الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
حَقِيقَةُ الشِّرْكِ وَأَمَّا حَقِيقَةُ الشِّرْكِ : فَبَيَانُهَا أَنَّ الْعِبَادَةَ هِيَ التَّذَلُّلُ الْأَقْصَى . وَكَوْنُ تَذَلُّلٍ أَقْصَى مِنْ غَيْرِهِ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالصُّورَةِ مِثْلَ كَوْنِ هَذَا قِيَامًا ، وَذَلِكَ سُجُودًا ، أَوْ بِالنِّيَّةِ بِأَنْ نَوَى بِهَذَا الْفِعْلِ تَعْظِيمَ الْعِبَادِ لِمَوْلَاهُمْ ، وَبِذَلِكَ تَعْظِيمَ الرَّعِيَّةِ لِلْمُلُوكِ ، أَوِ التَّلَامِذَةِ لِلْأُسْتَاذِ ، لَا ثَالِثَ لَهُمَا . وَلَمَّا ثَبَتَ سُجُودُ التَّحِيَّةِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِآدَمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَمِنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ لِيُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَأَنَّ السُّجُودَ عَلَى صُوَرِ التَّعْظِيمِ ، وَجَبَ أَلَّا يَكُونَ التَّمْيِيزُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ . لَكِنَّ الْأَمْرَ إِلَى الْآنَ غَيْرُ مُنَقَّحٍ ؛ إِذِ الْمَوْلَى مَثَلًا يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ ، وَالْمُرَادُ هَاهُنَا : الْمَعْبُودُ لَا مَحَالَةَ ، فَقَدْ أَخَذَ فِي حِلِّ الْعِبَادَةِ ، فَالتَّنْقِيحُ أَنَّ التَّذَلُّلَ يَسْتَدْعِي مُلَاحَظَةَ ضَعْفٍ فِي الذَّلِيلِ ، وَقُوَّةٍ فِي الْآخَرِ ، وَخِسَّةٍ فِي الذَّلِيلِ ، وَشَرَفٍ فِي الْآخَرِ ، وَانْقِيَادٍ وَإِخْبَاتٍ فِي الذَّلِيلِ ، وَتَسْخِيرٍ وَنَفَاذِ حُكْمٍ لِلْآخَرِ . وَالْإِنْسَانُ إِذَا خُلِّيَ وَنَفْسَهُ ، أَدْرَكَ لَا مَحَالَةَ أَنَّهُ يَقْدُرُ لِلْقُوَّةِ ، وَالشَّرَفِ ، وَالتَّسْخِيرِ ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْكَمَالِ قَدْرَيْنِ : قَدْرًا لِنَفْسِهِ ، وَلِمَنْ يُشْبِهُهُ بِنَفْسِهِ ، وَقَدْرًا لِمَنْ هُوَ مُتَعَالٍ عَنْ وَصْمَةِ الْحُدُوثِ ، وَالْإِمْكَانِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَلِمَنِ انْتَقَلَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذَا الْمُتَعَالِي . فَالْعِلْمُ بِالْمَغِيبَاتِ يَجْعَلُهُ عَلَى دَرَجَتَيْنِ : 1-عِلْمٌ بِرَوِيَّةٍ ، وَتَرْتِيبِ مُقَدِّمَاتٍ ، أَوْ حَدْسٍ ، أَوْ مَنَامٍ ، أَوْ تَلَقِّي إِلْهَامٍ ، مِمَّا يَجِدُ نَفْسَهُ ، لَا يُبَايِنُ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ . 2-وَعِلْمٌ ذَاتِيٌّ هُوَ مُقْتَضَى ذَاتِ الْعَالَمِ لَا يَلْقَاهُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَلَا يَتَجَشَّمُ كَسْبَهُ . وَكَذَلِكَ يَجْعَلُ التَّأْثِيرُ ، وَالتَّدْبِيرُ ، وَالتَّسْخِيرُ ، أَيَّ لَفْظٍ قُلْتَ عَلَى دَرَجَتَيْنِ : بِمَعْنَى الْمُبَاشَرَةِ ، وَاسْتِعْمَالِ الْجَوَارِحِ ، وَالْقُوَى ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِالْكَيْفِيَّاتِ الْمِزَاجِيَّةِ ؛ كَالْحَرَارَةِ ، وَالْبُرُودَةِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَجِدُ نَفْسَهُ مُسْتَعِدَّةً لَهُ اسْتِعْدَادًا قَرِيبًا ، أَوْ بَعِيدًا . وَبِمَعْنَى التَّكْوِينِ مِنْ غَيْرِ كَيْفِيَّةٍ جُسْمَانِيَّةٍ ، وَلَا مُبَاشَرَةِ شَيْءٍ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النَّحْلِ : 40] . وَكَذَلِكَ يَجْعَلُ الْعَظَمَةَ ، وَالشَّرَفَ ، وَالْقُوَّةَ عَلَى دَرَجَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا : كَعَظَمَةِ الْمَلِكِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رَعِيَّتِهِ مِمَّا يَرْجِعُ إِلَى كَثْرَةِ الْأَعْوَانِ ، وَزِيَادَةِ الطَّوْلِ ، أَوْ عَظَمَةِ الْبَطْشِ ، وَالْأُسْتَاذِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ضَعِيفِ الْبَطْشِ ، وَالتِّلْمِيذِ مِمَّا يَجِدُ نَفْسَهُ يُشَارِكُ الْعِظَمَ فِي أَصْلِ الشَّيْءِ . وَثَانِيَتُهُمَا : مَا لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي الْمُتَعَالِي جِدًّا . وَلَا تَنِ فِي تَفْتِيشِ هَذَا السِّرِّ حَتَّى تَسْتَيْقِنَ أَنَّ الْمُعْتَرِفَ بِانْصِرَامِ سِلْسِلَةِ الْإِمْكَانِ إِلَى وَاجِبٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ ، يَضْطَرُّ إِلَى جَعْلِ هَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي يَتَمَادَحُونَ بِهَا عَلَى دَرَجَتَيْنِ : 1-دَرَجَةُ لِمَا هُنَالِكَ . 2-وَدَرَجَةُ لِمَا يُشْبِهُهُ بِنَفْسِهِ . وَلَمَّا كَانَتِ الْأَلْفَاظُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي الدَّرَجَتَيْنِ مُتَقَارِبَةً ، فَرُبَّمَا يَحْمِلُ نُصُوصَ الشَّرَائِعِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَى غَيْرِ مَحْمَلِهَا . وَكَثِيرًا مَا يَطَّلِعُ الْإِنْسَانُ عَلَى أَثَرٍ صَادِرٍ مِنْ بَعْضِ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ ، أَوِ الْمَلَائِكَةِ ، أَوْ غَيْرِهِمَا ، يَسْتَبْعِدُهُ مِنْ أَبْنَاءِ جِنْسِهِ ، فَيَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ ، فَيُثْبِتُ لَهُ شَرَفًا مُقَدَّسًا ، وَتَسْخِيرًا إِلَهِيًّا . وَلَيْسُوا فِي مَعْرِفَةِ الدَّرَجَةِ الْمُتَعَالِيَةِ سَوَاءً . فَمِنْهُمْ مَنْ يُحِيطُ بِقُوَى الْأَنْوَارِ الْمُحِيطَةِ الْغَالِبَةِ عَلَى الْمَوَالِيدِ ، وَيَعْرِفُهَا مِنْ جِنْسِهِ . وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. وَكُلُّ إِنْسَانٍ مُكَلَّفٍ بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ . وَهَذَا تَأْوِيلُ مَا حَكَاهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَجَاةِ مُسْرِفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَمَرَ أَهْلَهُ بِحَرْقِهِ ، وَتَذْرِيَةِ رَمَادِهِ ؛ حَذَرًا مِنْ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ وَيَقْدِرَ عَلَيْهِ . فَهَذَا الرَّجُلُ اسْتَيْقَنَ بِأَنَّ اللَّهَ مُتَّصِفٌ بِالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ . لَكِنَّ الْقُدْرَةَ إِنَّمَا هِيَ فِي الْمُمْكِنَاتِ ، لَا فِي الْمُمْتَنِعَاتِ . وَكَانَ يَظُنُّ أَنَّ جَمْعَ الرَّمَادِ الْمُتَفَرِّقِ نِصْفُهُ فِي الْبَرِّ ، وَنِصْفُهُ فِي الْبَحْرِ مُمْتَنِعٌ . فَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ نَقْصًا ، فَأُخِذَ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ ، وَلَمْ يُعَدَّ كَافِرًا ، كَانَ التَّشْبِيهُ ، وَالْإِشْرَاكُ بِالنُّجُومِ ، وَبِصَالِحِي الْعِبَادِ الَّذِينَ ظَهَرَ مِنْهُمْ خَرْقُ الْعَوَائِدِ ؛ كَالْكَشْفِ ، وَاسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ مُتَوَارَثًا فِيهِمْ . وَكُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ فِي قَوْمِهِ ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُفْهِمَهُمْ حَقِيقَةَ الْإِشْرَاكِ ، وَيُمَيِّزَ كُلًّا مِنَ الدَّرَجَتَيْنِ ، وَيَحْصُرَ الدَّرَجَةَ الْمُقَدَّسَةَ فِي الْوَاجِبِ ، وَإِنْ تَقَارَبَتِ الْأَلْفَاظُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَبِيبٍ : «إِنَّمَا أَنْتَ رَفِيقٌ ، وَالطَّبِيبُ هُوَ اللَّهُ » . وَكَمَا قَالَ: «السَّيِّدُ هُوَ اللَّهُ » يُشِيرُ إِلَى بَعْضِ الْمَعَانِي دُونَ بَعْضٍ . ثُمَّ لَمَّا انْقَرَضَ الْحَوَارِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَحَمَلَةِ دِينِهِ ، خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ، وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ . فَحَمَلُوا الْأَلْفَاظَ الْمُسْتَعْمَلَةَ الْمُشْتَبِهَةَ عَلَى غَيْرِ مَحْمَلِهَا ؛ كَمَا حَمَلُوا الْمَحْبُوبَيَّةَ ، وَالشَّفَاعَةَ الَّتِي أَثْبَتَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قَاطِبَةِ الشَّرَائِعِ لِخَوَاصِّ الْبَشَرِ عَلَى غَيْرِ مَحْمَلِهَا ، وَكَمَا حَمَلُوا صُدُورَ خَرْقِ الْعَوَائِدِ ، وَالْإِشْرَاقَاتِ عَلَى انْتِقَالِ الْعِلْمِ ، وَالتَّسْخِيرِ الْأَقْصَيَيْنِ إِلَى هَذَا الَّذِي يُرَى مِنْهُ . وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَرْجِعُ إِلَى قُوًى نَاسُوتِيَّةٍ ، أَوْ رُوحَانِيَّةٍ ، تُعَدُّ لِنُزُولِ التَّدْبِيرِ الْإِلَهِيِّ عَلَى وَجْهٍ ، وَلَيْسَ مِنَ الْإِيجَادِ وَالْأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْوَاجِبِ فِي شَيْءٍ . وَالْمَرْضَى بِهَذَا الْمَرَضِ عَلَى أَصْنَافٍ : مِنْهُمْ : مَنْ نَسِيَ جَلَالَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْكُلِّيَّةِ ، فَجَعَلَ لَا يَعْبُدُ إِلَّا الشُّرَكَاءَ ، وَلَا يَرْفَعُ حَاجَتَهُ إِلَّا إِلَيْهِمْ ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى اللَّهِ أَصْلًا ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ بِالنَّظَرِ الْبُرْهَانِيِّ أَنَّ سِلْسِلَةَ الْوُجُودِ تَنْصَرِمُ إِلَى اللَّهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية