الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                        فَصْلٌ فِي الْوُضُوءِ بِسُؤْرِ بَنِي آدَمَ وَالدَّوَابِّ وَإِنْ خَالَطَ الْمَاءَ نَجَاسَةٌ فَتَغَيَّرَ بِذَلِكَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ كَانَ نَجِسًا قَوْلًا وَاحِدًا. وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ وَلَا طَعْمُهُ وَكَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا كَالْجَرَّةِ وَالْإِنَاءِ يَقَعُ فِيهِمَا الْيَسِيرُ مِنَ النَّجَاسَةِ، وَالْبِئْرِ الْقَلِيلَةِ الْمَاءِ تَقَعُ فِيهَا الْفَأْرَةُ أَوِ الْوَزَغَةُ أَوِ الدَّجَاجَةُ- فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: فَقِيلَ: هُوَ عَلَى أَصْلِهِ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ. وَقِيلَ: هُوَ مَكْرُوهٌ وَيُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: نَجِسٌ. وَقِيلَ: مَشْكُوكٌ فِي حُكْمِهِ هَلْ هُوَ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ؟ فَرَوَى أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: الْمَاءُ كُلُّهُ طَهُورٌ، إِلَّا مَا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ لِنَجَاسَةٍ حَلَّتْ فِيهِ، مُعَيَّنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ . فَعَلَى هَذَا يُتَوَضَّأُ بِهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهِيَةٍ. وَقِيلَ فِي طِينِ الْمَطَرِ يَكُونُ فِيهِ الْبَوْلُ أَوِ الرَّوْثُ فَيُصِيبُ الْإِنْسَانَ مِنْهُ شَيْءٌ: إِنَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ وَلَا يَغْسِلَهُ . وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْجَلَّابِ: إِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ مَا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ فِي بِئْرٍ فَمَاتَتْ فِيهِ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ وَلَا طَعْمُهُ وَلَا رِيحُهُ، فَهُوَ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ، إِلَّا أَنَّا نَكْرَهُ اسْتِعْمَالَهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ . وَقَالَ أَشْهَبُ فِي " مُدَوَّنَتِهِ" عَنْ مَالِكٍ فِي الْبِئْرِ تَقَعُ فِيهِ الْفَأْرَةُ فَتَنْسَلِخُ أَوْ لَا تَنْسَلِخُ أَنَّهُ يُنْزَحُ مِنْهَا، قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا أَصَابَ الثَّوْبَ؟! قَالَ: يَرُشُّهُ وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي سِعَةٍ. وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِغَسْلِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي " الْمُدَوَّنَةِ" ، وَمَالِكٌ فِي " الْمَجْمُوعَةِ" وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: إِنَّهُ نَجِسٌ . وَقَالَ فِي " الْمُدَوَّنَةِ" فِي الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ تَأْكُلُ الْقَذَرَ فَتَشْرَبُ مِنَ الْإِنَاءِ: لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ تَيَمَّمَ. وَإِنْ تَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى أَعَادَ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ . فَأَبَاحَ الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّيَمُّمِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُ نَجِسٌ، وَأَمْضَى الصَّلَاةَ بِهِ إِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْجَلَّالَةِ مِنَ الدَّوَابِّ تَأْكُلُ الْقَذَرَ: فَلَا يُتَوَضَّأُ بِسُؤْرِهَا، وَلْيَتَيَمَّمْ مَنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، لِأَنَّهُ نَجِسٌ . وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي " الْمَبْسُوطِ" : هُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ. أَيْ مَشْكُوكٌ فِي حُكْمِهِ لَا يُقَطَعُ بِأَنَّهُ طَاهِرٌ وَلَا نَجِسٌ، وَقَالَا: يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي لِيَكُونَ قَدْ أَدَّى صَلَاتَهُ عَلَى وَجْهٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ لِتُرَجِّحِ الدَّلَائِلِ عِنْدَهُمَا، فَلَمْ يَتَرَجَّحِ الْقَوْلُ أَنَّهُ طَاهِرٌ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، وَلَا أَنَّهُ نَجِسٌ فَيَقْتَصِرُ عَلَى التَّيَمُّمِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونَ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي قَبْلَ أَنْ تَنَجَّسَ أَعْضَاؤُهُ بِذَلِكَ الْمَاءِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي . وَهُوَ أَحْسَنُ; لِأَنَّ التَّيَمُّمَ إِنَّمَا كَانَ خِيفَةً أَنْ يَكُونَ نَجِسًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْتَدِئَ بِالتَّيَمُّمِ فَيُصَلِّي بِهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَيُصَلِّي، فَإِنْ حَضَرَتْ صَلَاةٌ أُخْرَى وَهُوَ عَلَى وُضُوئِهِ ذَلِكَ تَيَمَّمَ، وَصَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً، وَإِنِ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ تَوَضَّأَ بِمَا بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ وَتَيَمَّمَ، وَيُصَلِّي صَلَاةً وَاحِدَةً أَيْضًا. وَالْقَوْلُ إِنَّهُ طَاهِرٌ أَحْسَنُ، وَيُسْتَحْسَنُ تَرْكُهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ لِيَخْرُجَ مِنَ الْخِلَافِ. فَإِنْ هُوَ تَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى مَضَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ اسْتَحْسَنْتُ لَهُ أَنْ يَحْتَاطَ فَيَتَيَمَّمَ وَيُصَلِّيَ، ثُمَّ يَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ. فَإِنْ هُوَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى التَّيَمُّمِ لَمْ يُجْزِهِ وَأَعَادَ، وَإِنْ ذَهَبَ الْوَقْتُ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى طَهَارَةِ الْأَنْهَارِ كَالنِّيلِ وَالْفُرَاتِ وَمَا دُونَهَا مَعَ كَوْنِ النَّجَاسَاتِ الْعَظِيمَةِ تَرِدُهُمَا مِنَ الْمُدُنِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَيْهِمَا لَا يَنْقَطِعُ جَرْيُ قَنْيِهَا إِلَيْهَا، وَهِيَ كَأَنْهَارٍ نَجِسَةٍ تَصُبُّ فِي أَنْهَارٍ طَاهِرَةٍ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِكَوْنِهَا أَنْهَارًا; وَأَنَّهُ مَتَى كَانَ مِنْهَا مَوْضِعٌ مُتَغَيِّرٌ بِنَجَاسَةٍ أَنَّ ذَلِكَ نَجِسٌ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَاعَى ظُهُورُ أَحَدِ أَوْصَافِ النَّجَاسَاتِ وَعَدَمِهَا، وَأَنَّهَا مَتَى وُجِدَتْ كَانَ نَجِسًا، وَمَتَى عُدِمَتْ كَانَ طَاهِرًا. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُتَوَضَّأُ بِاللَّبَنِ وَلَا بِالْعَسَلِ، وَأَنَّهُ مَتَى حَلَّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي مَاءٍ وَلَمْ يُغَيِّرْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ -أَنَّهُ مُطَهِّرٌ، لَا يَنْقُلُهُ مَا حَلَّ فِيهِ عَنْ حُكْمِهِ فِي الْأَصْلِ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ يُتَوَضَّأُ بِعَسَلٍ أَوْ لَبَنٍ، فَلَوْ نَقَلَهُ الْأَوَّلُ إِلَى النَّجَاسَةِ نَقَلَهُ هَذَا إِلَى الْإِضَافَةِ; وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَقِيلَ لَهُ: أَيُتَوَضَّأُ مِنْهَا، وَهِيَ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتِنُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ " . وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ أَنَّهُ طَهُورٌ مَعَ ظُهُورِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ، فَصَحَّ أَنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ إِذَا لَمْ تَتَغَيَّرُ أَحَدُ أَوْصَافِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ" ، فَذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْحِمَايَةِ لِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ فِعْلُ ذَلِكَ مِنْ فَسَادِ الْمَاءِ. وَالْفِقْهُ وَالْقِيَاسُ الْمَنْعُ، وَلَوْ لَمْ يَرِدْ فِيهِ حَدِيثٌ; لِأَنَّهُ مَتَى أُبِيحَ إِلْقَاءُ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَالْبَوْلِ وَالِاسْتِنْجَاءِ وَغَسْلِ النَّجَاسَاتِ فِيهِ، كَثُرَتِ النَّجَاسَةُ لِكَثْرَةِ الْوَارِدِينَ عَلَى الْمَاءِ وَبِخَاصَّةٍ مَا كَانَ قُرْبَ الْمُدُنِ، فَيَتَغَيَّرُ لِكَثْرَةِ مَا يَحِلُّ فِيهِ، وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ ذَلِكَ لِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنَ التَّغَيُّرِ لِطُولِ الْمُكْثِ بِالشَّمْسِ وَغَيْرِهَا فَكَانَ الْوَجْهُ مَنْعَ ذَلِكَ; لِئَلَّا يُفْسِدَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ فِيمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ شُرْبٍ أَوْ وُضُوءٍ وَالِاخْتِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا، كَالْآبَارِ الْكَبِيرَةِ، وَالْمَصَانِعِ الْعَظِيمَةِ: فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُهَا مَا حَلَّ فِيهَا إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرُ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، وَاخْتُلِفَ إِذَا تَغَيَّرَ رِيحُ الْمَاءِ خَاصَّةً; فَقَوْلُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ: إِنَّهُ نَجِسٌ . وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: هُوَ طَاهِرٌ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَبْيَنُ. وَإِنْ كَانَتِ الرَّائِحَةُ عَنِ الْمُجَاوَرَةِ دُونَ الْحُلُولِ لَمْ يَنْجُسْ، وَلَيْسَ حُكْمُ الرَّائِحَةِ عَلَى انْفِرَادِهَا حُكْمَ الْجِسْمِ يَحِلُّ فِي الْمَاءِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَوَجَبَ عَلَى الْإِنْسَانِ غَسْلُ ثَوْبِهِ إِذَا عَلَقَتْ بِهِ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ. وَكَذَلِكَ رَوَائِحُ الطِّيبِ وَغَيْرُهَا إِنْ كَانَتْ عَمَّا حَلَّ فِيهِ مِنَ الطِّيبِ كَانَ مُضَافًا، وَإِنْ كَانَ عَنْ مُجَاوَرَةٍ لَمْ يُضَفْ، إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الْبَخُورِ; فَإِنَّ لَهُ حُكْمَ الْمُضَافِ لِأَنَّ النَّارَ تَصْعَدُ بِأَجْزَاءٍ مِنْهُ، وَيُوجَدُ طَعْمُ مَا يُبَخَّرُ بِهِ مِنَ الْمُصْطَكَى وَشَبَهِهَا، وَيُرَى عَلَيْهِ مِنْهَا كَالدُّهْنِيَّةِ. وَلِهَذَا قِيلَ فِيمَا طُبِخَ بِعَظْمِ الْمَيْتَةِ: إِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ.

                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية