الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                        فَصْلٌ فِي أَحَادِيثِ السَّهْوِ وَأَحَادِيثُ السَّهْوِ ثَلَاثَةٌ: حَدِيثُ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنِ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يَجْلِسْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ. وَحَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَلَّمَ مِنِ اثْنَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ: "كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ..." وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: "مَا قُصِرَتْ وَمَا نَسِيتُ" ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "أَحَقٌّ مَا يَقُولُ هَذَا؟" قَالُوا: نَعَمْ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ: هَلْ سَلَّمَ بَعْدَ سُجُودِهِ؟. وَالثَّالِثُ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا. فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ : وَمِمَّا ذَاكَ؟ قِيلَ: صَلَّيْتَ خَمْسًا. فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ". وَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَأَبَانَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْجِلْسَةَ الْأُولَى لَيْسَتْ بِفَرْضٍ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فَرْضًا لَمْ يُجْزِئْ عَنْهَا سُجُودُ السَّهْوِ. وَأَبَانَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ أَنَّ فِعْلَ مَا يُضَادُّ الصَّلَاةَ إِذَا كَانَ عَلَى سَهْوٍ - لَا يُفْسِدُهَا; لِأَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَوَى الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ وَاسْتَدْبَرَ الْقُبْلَةَ وَمَشَى وَجَلَسَ وَتَكَلَّمَ، وَكُلُّ ذَلِكَ إِذَا فَعَلَ الْمُصَلِّي مِنْهُ وَاحِدًا عَمْدًا- بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. فَأَخَذَ مَالِكٌ بِهَذَا فِيمَا قَرُبَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِيمَا طَالَ وَبَعُدَ، فَقَالَ مَرَّةً: تَبْطُلُ الصَّلَاةُ. وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي مَسْأَلَةٍ التَّشَهُّدِ: لَا تَبْطُلُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَا تَبْطُلُ، فَلَوْ نَسِيَ رَكْعَةً مِنَ الظُّهْرِ فَذَكَرَهَا عِنْدَ الْمَغْرِبِ وَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ لَأَتَى بِهَا وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَشْهَبُ فِي مُدَوَّنَتِهِ فَقَالَ فِيمَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ: يَبْنِي مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ، قَالَ: وَذَلِكَ اسْتِحْسَانٌ. قِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ؟ قَالَ: فَإِنْ تَجَاوَزَ الصُّفُوفَ بِقَدْرِ مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ بِصَلَاتِهِمُ اسْتُحْسِنَ ذَلِكَ. قَالَ: وَالْقِيَاسُ أَنْ يُقَالَ: مَا لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوؤُهُ، وَيَقُولُ: إِذَا خَطَا خُطْوَةً انْتَقَضَتْ صَلَاتُهُ. وَذَكَرَ قَوْلَ رَبِيعَةَ. يُرِيدُ: أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُضَادُّ الصَّلَاةَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ. أَوْ يُقَالُ: لَا يُفْسِدُهَا لَمَّا كَانَ سَهْوًا. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ: إِنَّ ذَلِكَ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ فِي أَكْثَرَ، وَاسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ، وَالْقِيَاسُ يُلْحِقُهُ بِهِ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَفْسُدْ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ; لِأَجْلِ كَوْنِهِ قَلِيلًا، وَإِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ كَوْنِهِ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ. وَأَبَانَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْعَدَدِ لَا تُفْسِدُ الصَّلَاةَ، وَذَلِكَ أَيْضًا كَانَ سَهْوًا، وَكَانَتِ الزِّيَادَةُ يَسِيرَةً وَهِيَ رَكْعَةٌ. وَاخْتُلِفَ إِذَا كَثُرَ السَّهْوُ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ: يُعِيدُ الصَّلَاةَ، وَزِيَادَةُ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ طُولٌ. قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا نِصْفُ الصَّلَاةِ; لِأَنِّي لَا أَرَى زِيَادَةَ رَكْعَةٍ فِي الصُّبْحِ طُولًا وَهِيَ نِصْفُ الصَّلَاةِ. وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ كِنَانَةَ فِي ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ: يُرَاعَى نِصْفُ الصَّلَاةِ، فَتَفْسُدُ الصُّبْحُ وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَالْمُسَافِرِ بِزِيَادَةِ رَكْعَةٍ، وَالظُّهْرُ فِي الْحَضَرِ بِزِيَادَةِ رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ: لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ ثَمَانِيًا، وَالْمُسَافِرُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ. فَفَرَّقَ مُطَرِّفٌ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مَنْ أَطَالَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ; لِأَنَّ هَذَا فِي قُرْبَةٍ بِطَاعَةٍ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فَلَمْ تَبْطُلْ.

                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية