الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَخِلْطَةُ الْجِوَارِ كَخِلْطَةِ الشُّيُوعِ وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُرِيحَا مَعًا وَيَسْقِيَا مَعًا وَيَحْلِبَا مَعًا وَيَسْرَحَا مَعًا وَيَكُونُ الْمَرْعَى مَعًا وَيَكُونُ إِنْزَاءُ الْفَحْلِ مَعًا . وَأَنْ يَكُونَا جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ وَلَا حُكْمَ لِلْخِلْطَةِ مَعَ الذِّمِّيِّ وَالْمُكَاتَبِ . إتحاف السادة المتقين (وَخِلْطَةُ الْجِوَارِ كَخِلْطَةِ الشُّيُوعِ) فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ (لَكِنْ بِشَرْطَيْنِ) لَا تَتَمَيَّزُ مَاشِيَةُ أَحَدِهِمَا عَنْ مَاشِيَةِ الْآخَرِ، وَذَلِكَ بِأَنْ (يُرِيحَا مَعًا) أَيْ: يَتَّحِدُ مَرَاحُهُمَا، وَهُوَ مَأْوَاهُمَا لَيْلًا، (وَيَسْرَحَا مَعًا) أَيْ: يَتَّحِدُ مَسْرَحُهُمَا، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَرْعَى فِيهِ، ثُمَّ تُسَاقُ إِلَى الْمَرْعَى، (وَيَسْقِيَاهَا) أَيْ: يَتَّحِدُ مَسْقَاهُمَا بِأَنْ يَشْرَبَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ؛ نَهْرٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ حَوْضٍ أَوْ مِيَاهٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ بِحَيْثُ لَا تَخْتَصُّ مَاشِيَةُ أَحَدِهُمَا بِالشُّرْبِ مِنْ مَوْضِعٍ وَمَاشِيَةُ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِهِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ، وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْوَجِيزِ، وَهُوَ اتِّحَادُ الْمَرْعَى، وَهُوَ الْمَرْتَعُ الَّذِي تَرْعَى فِيهِ؛ فَهَذِهِ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ . وَعِبَارَةُ الْوَجِيزِ: وَشَرْطُ الْخِلْطَةِ اتِّحَادُ الْمَشْرَعِ وَالْمَرْعَى وَالْمَرَاحِ، وَالْمَشْرَعُ وَإِيَّاهُ، تَبِعَ النَّوَوِيَّ فِي الرَّوْضَةِ، وَقَالَ فِي الْمِنْهَاجِ: فِي الْمَشْرَعِ وَالْمَسْرَحِ وَالْمَرَاحِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ كَمَا هُنَا فِي الْإِحْيَاءِ، وَلَعَلَّ اعْتِبَارَ اتِّحَادِ الْمَرْعَى دَاخِلٌ فِي اتِّحَادِ الْمَسْرَحِ؛ لِأَنَّ مِنَ الْمَسْرَحِ تُسَاقُ إِلَى الْمَرْعَى، فَكَانَ مُتَّصِلًا بِهِ، فَتَأَمَّلْ . وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا اتِّحَادُ الْمَكَانِ الَّذِي تُوقَفُ فِيهِ عِنْدَ إِرَادَةِ السَّقْيِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ، وَاتِّحَادُ الْمَمَرِّ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الذَّهَابِ إِلَى الْمَسْرَحِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، (وَ) مِنْ شُرُوطِ الْخِلْطَةِ (أَنْ يَكُونَا) أَيْ: الْمُخْتَلِطَانِ (مَعًا مَنْ أَهَلَّ الزَّكَاةِ) أَيْ: مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا، (فَلَا حُكْمَ لِلْخِلْطَةِ مَعَ الذِّمِّيِّ وَالْمُكَاتَبَ) ؛ أَيْ: فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذِمِّيًّا أَوْ مُكَاتَبًا فَلَا أَثَرَ لِلْخِلْطَةِ، بَلْ إِنْ كَانَ نَصِيبُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ نِصَابَ زَكَاةِ الِانْفِرَادِ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَدْ عُرِفَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ لِخِلْطَةِ الْجِوَارِ مِنَ الشُّرُوطِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا ثَلَاثَةٌ، وَأَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ الشُّرُوطِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، فَمِنْ ذَلِكَ اتِّحَادُ الرَّاعِي، ذَكَرَهُ فِي الْوَجِيزِ، وَالْأَظْهَرُ كَمَا فِي الشَّرْحِ وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ اشْتِرَاطُهُ، وَمَعْنَاهُ أَنْ لَا يَخْتَصَّ غَنَمُ أَحَدِهِمَا بِرَاعٍ، وَلَا بَأْسَ بِتَعَدُّدِ الرُّعَاةِ لَهُمَا قَطْعًا، وَمِنْ ذَلِكَ اتِّحَادُ الْفَحْلِ، الْأَظْهَرُ كَمَا فِي الشَّرْحِ . وَفِي الرَّوْضَةِ: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ شَرْطٌ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا: اشْتِرَاطُهُ، وَالْمُرَادُ أَنْ تَكُونَ الْفُحُولُ مُرْسَلَةً بَيْنَ مَاشِيَتِهِمَا، لَا يَخْتَصُّ أَحَدُهُمَا بِالْفَحْلِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْفُحُولُ كُلُّهَا مُشْتَرَكَةً أَوْ مَمْلُوكَةً لِأَحَدِهِمَا أَوْ مُسْتَعَارَةً، وَفِي وَجْهٍ أَنْ تَكُونَ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا، وَاتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَإِذَا قُلْنَا: لَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الْفَحْلِ اِشْتُرِطَ كَوْنُ الْإِنْزَاءِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَمِنْ ذَلِكَ اتِّحَادُ الْمَحْلَبِ أَيْ: الْمَوْضِعِ الَّذِي تَحْلِبُ فِيهِ لَا بُدَّ مِنْهُ كَالْمَرَاحِ، ذَكَرَهُ فِي الْوَجِيزِ . وَفِي الشَّرْحُ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ، فَلَوْ حَلَبَ هَذَا وَذَاكَ مَاشَيْتَهُ فِي أَهْلِهِ فَلَا خِلْطَةَ، وَمِنْ ذَلِكَ اتِّحَادُ الْحَالِبِ، وَهُوَ الشَّخْصُ الَّذِي يَحْلِبُ، فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا: لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِحَالِبٍ يَمْتَنِعُ مِنْ حَلْبِ مَاشِيَةِ الْآخَرِ، وَمِنْهَا اتِّحَادُ الْإِنَاءِ الَّذِي تُحْلَبُ فِيهِ، وَهُوَ الْمَحْلَبُ. فِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا يُشْتَرَطُ كَمَا لَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ آلَةِ الْجَزِّ . وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ فَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِحَالِبٍ أَوْ بِمَحَالِبَ مَمْنُوعَةٍ مِنَ الْآخَرِ، وَعَلَى هَذَا هَلْ يُشْتَرَطُ خَلْطُ اللَّبَنِ؟ وَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا: لَا، وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ، وَيَتَسَامَحُونَ فِي قِسْمَتِهِ كَمَا يَخْلِطُ الْمُسَافِرُونَ زَادَهُمْ ثُمَّ يَأْكُلُونَ، وَفِيهِمُ الزَّهِيدُ وَالرَّغِيبُ، وَمِنْ ذَلِكَ نِيَّةُ الْخِلْطَةِ هَلْ تُشْتَرَطُ؟ وَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا: لَا تُشْتَرَطُ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوِ افْتَرَقَتِ الْمَاشِيَةُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يُشْتَرَطُ الِاجْتِمَاعُ بِنَفْسِهَا أَوْ فَرَّقَهَا الرَّاعِي وَلَمْ يَعْلَمِ الْمَالِكَانِ إِلَّا بَعْدَ طُولِ الزَّمَانِ، هَلْ تَنْقَطِعُ الْخِلْطَةُ أَمْ لَا؟ أَمَّا لَوْ فَرَّقَاهَا هُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا قَصْدًا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَتَنْقَطِعُ الْخِلْطَةُ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا . وَأَمَّا التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلَا يُؤَثِّرُ، لَكِنْ لَوِ اطَّلَعَا عَلَيْهِ فَأَقَرَّاهَا عَلَى تَفَرُّقِهَا ارْتَفَعَتِ الْخِلْطَةُ، وَمَهْمَا ارْتَفَعَتْ فَعَلَى مَنْ نُصِيبُهُ نِصَابُ زَكَاةِ الِانْفِرَادُ، إِذَا تَمَّ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ الْمِلْكِ لَا مِنْ يَوْمِ ارْتِفَاعِهَا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية