الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَقَالَ الْحَسَنُ مَنْ دَعَا لِظَالِمٍ بِطُولِ الْبَقَاءِ فَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يُعْصَى اللَّهُ تَعَالَى فِي أَرْضِهِ، وَالظَّالِمُ الْفَاسِقُ يَنْبَغِي أَنْ يُذَمَّ ؛ لِيَغْتَمَّ ، وَلَا يُمْدَحَ لِيَفْرَحَ . وَأَمَّا . الْمَمْدُوحُ فَيَضُرُّهُ ; أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُحْدِثُ فِيهِ كِبْرًا وَإِعْجَابًا وَهُمَا مُهْلِكَانِ . قَالَ الْحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَالِسًا وَمَعَهُ الدِّرَّةُ وَالنَّاسُ حَوْلَهُ ، إِذْ أَقْبَلَ الْجَارُودُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، فَقَالَ رَجُلٌ هَذَا سَيِّدُ رَبِيعَةَ . فَسَمِعَهَا عُمَرُ وَمَنْ حَوْلَهُ ، وَسَمِعَهَا الْجَارُودُ ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ خَفَقَهُ بِالدِّرَّةِ فَقَالَ مَا لِي وَلَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: مَا لِي ؟ : وَلَكَ ؟ أَمَا سَمِعْتَهَا . قَالَ : سَمِعْتُهَا ، فَمَهْ ؟ قَالَ : خَشِيتُ أَنْ يُخَالِطَ قَلْبَكَ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُطَأْطِئَ مِنْكَ . الثَّانِي هُوَ أَنَّهُ إِذَا أَثْنَى عَلَيْهِ بِالْخَيْرِ فَرِحَ بِهِ وَفَتَرَ وَرَضِيَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَمَنْ أُعْجِبَ بِنَفْسِهِ قَلَّ تَشَمُّرُهُ وَإِنَّمَا يَتَشَمَّرُ لِلْعَمَلِ مَنْ يَرَى نَفْسَهُ مُقَصِّرًا فَأَمَّا إِذَا انْطَلَقَتِ الْأَلْسُنُ ، بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ ، لَوْ سَمِعَهَا مَا أَفْلَحَ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا مَدَحْتَ أَخَاكَ فِي وَجْهِهِ ، فَكَأَنَّمَا أَمْرَرْتَ عَلَى حَلْقِهِ مُوسَى وَمِيضًا . وَقَالَ أَيْضًا لِمَنْ مَدَحَ رَجُلًا : عَقَرْتَ الرَّجُلَ ، عَقَرَكَ اللَّهُ وَقَالَ مُطَرِّفُ مَا سَمِعْتُ قَطُّ ثَنَاءً وَلَا مِدْحَةً إِلَّا تَصَاغَرَتْ إِلَى نَفْسِي، وَقَالَ زِيَادُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ: لَيْسَ أَحَدٌ يَسْمَعُ ثَنَاءً عَلَيْهِ أَوْ مِدْحَةً إِلَّا تَرَاءَى لَهُ الشَّيْطَانُ ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ يُرَاجِعُ فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ لَقَدْ صَدَقَ كِلَاهُمَا ، أَمَّا مَا ذَكَرَهُ زِيَادٌ ، فَذَلِكَ قَلْبُ الْعَوَامِّ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مُطَرِّفٌ فَذَلِكَ قَلْبُ الْخَوَاصِّ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ مَشَى رَجُلٌ إِلَى رَجُلٍ بِسِكِّينٍ مُرْهَفٍ كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ فِي وَجْهِهِ . وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْمَدْحُ هُوَ الذَّبْحُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَذْبُوحَ هُوَ الَّذِي يَفْتُرُ عَنِ الْعَمَلِ وَالْمَدْحُ يُوجِبُ الْفُتُورَ، أَوْ لِأَنَّ الْمَدْحَ يُورِثُ الْعُجْبَ وَالْكِبْرَ ، وَهُمَا مُهْلِكَانِ كَالذَّبْحِ؛ فَلِذَلِكَ شَبَّهَهُ بِهِ فَإِنْ سَلِمَ الْمَدْحُ مِنْ هَذِهِ الْآفَاتِ فِي حَقِّ الْمَادِحِ وَالْمَمْدُوحِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ، وَلِذَلِكَ أَثْنَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّحَابَةِ حَتَّى قَالَ: لَوْ وُزِنَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرٍ بِإِيمَانِ الْعَالَمِينَ لَرَجَحَ . وَقَالَ فِي عُمَرَ لَوْ لَمْ أُبْعَثْ لَبُعِثْتَ يَا عُمَرُ . وَأَيُّ ثَنَاءٍ يَزِيدُ عَلَى هَذَا ، وَلَكِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَنْ صِدْقٍ وَبَصِيرَةٍ ، وَكَانُوا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجَلَّ رُتْبَةً مِنْ أَنْ يُورِثَهُمْ ذَلِكَ كِبْرًا وَعَجَبًا وَفُتُورًا بَلْ مَدْحُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ قَبِيحٌ ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْكِبْرِ وَالتَّفَاخُرِ إِذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ . أَيْ : لَسْتُ أَقُولُ هَذَا تَفَاخُرًا كَمَا يُقْصَدُ النَّاسُ بِالثَّنَاءِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ افْتِخَارَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بِاللَّهِ وَبِالْقُرْبِ ، مِنَ اللَّهِ ، لَا بِوَلَدِ آدَمَ وَتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِمْ ، كَمَا أَنَّ الْمَقْبُولَ عِنْدَ الْمَلِكِ قَبُولًا عَظِيمًا إِنَّمَا يَفْتَخِرُ بِقَبُولِهِ إِيَّاهُ ، وَبِهِ يَفْرَحُ ، لَا بِتَقَدُّمِهِ عَلَى بَعْضِ رَعَايَاهُ وَبِتَفْصِيلِ هَذِهِ الْآفَاتِ تَقْدِرُ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ ذَمِّ الْمَدْحِ وَبَيْنَ الْحَثِّ عَلَيْهِ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَجَبَتْ . "، لَمَّا أَثْنَوْا عَلَى بَعْضِ الْمَوْتَى وَقَالَ مُجَاهِدٌ إِنَّ لِبَنِي آدَمَ جُلَسَاءَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، فَإِذَا ذَكَرَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ بِخَيْرٍ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ : وَلَكَ بِمِثْلِهِ . وَإِذَا ذَكَرَهُ بِسُوءٍ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ : يَا ابْنَ آدَمَ الْمَسْتُورَ عَوْرَتُكَ ، أَرْبِعْ عَلَى نَفْسِكَ ، وَاحَمْدِ اللَّهَ الَّذِي سَتَرَ عَوْرَتَكَ فَهَذِهِ آفَاتُ الْمَدْحِ . إتحاف السادة المتقين (وَقَالَ الْحَسَنُ) الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ( مَنْ دَعَا لِظَالِمٍ بِالْبَقَاءِ فَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يُعْصَى اللَّهُ فِي الْأَرْضِ) ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ التَّمِيمِيِّ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَعَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ .. فَذَكَرَهُ دُونَ قَوْلِهِ: "فِي الْأَرْضِ". (فَالظَّالِمُ الْفَاسِقُ يَنْبَغِي أَنْ يُذَمَّ؛ لِيَغْتَمَّ، وَلَا يُمْدَحَ لِيَفْرَحَ.وَأَمَّا الْمَمْدُوحُ فَيَضُرُّهُ ) الْمَدْحُ (مِنْ وَجْهَيْنِ; أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُحْدِثُ فِيهِ كِبْرًا وَإِعْجَابًا) بِنَفْسِهِ، (وَهُمَا مُهْلِكَانِ، قَالَ الْحَسَنَ) الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَاعِدًا وَمَعَهُ الدِّرَّةُ) بِالْكَسْرِ، سَوْطٌ مِنْ جِلْدٍ، (وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، إِذْ أَقْبَلَ الْجَارُودُ، فَقَالَ رَجُلٌ) مِنَ الْحَاضِرِينَ: (هَذَا سَيِّدُ رَبِيعَةَ . فَسَمِعَهَا عُمَرُ وَمَنْ حَوْلَهُ، وَسَمِعَهَا الْجَارُودُ ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ خَفَقَهُ بِالدِّرَّةِ) أَيْ: ضَرَبَهُ بِهَا، (فَقَالَ) الْجَارُودُ : (مَا لِي وَمَا لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: مَا لِي وَلَكَ؟ أَمَا لَقَدْ سَمِعْتَهَا. قَالَ: سَمِعْتُهَا، فَمَهْ؟ قَالَ: خَشِيتُ أَنْ يُخَالِطَ قَلْبَكَ مِنْهَا شَيْءٌ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُطَأْطِئَ مِنْكَ) رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ ، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ قَاعِدًا.. فَذَكَرَهُ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا حَزْمٌ ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ قَالَ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَالْجَارُودُ مَعَهُ، فَسَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ: هَذَا سَيِّدُ رَبِيعَةَ . فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ، فَقَالَ: أَمَا إِنَّكَ قَدْ سَمِعْتَهَا . (الثَّانِي هُوَ أَنَّهُ إِذَا أُثْنِيَ عَلَيْهِ بِالْخَيْرِ فَرِحَ بِهِ وَفَتَرَ) عَنْ الِاجْتِهَادِ فِي الطَّاعَاتِ، (وَرَضِيَ عَنْ نَفْسِهِ، وَمَنْ أُعْجِبَ بِنَفْسِهِ قَلَّ تَشَمُّرُهُ) فِي الْعِبَادَةِ، (وَإِنَّمَا يَتَشَمَّرُ لِلْعَمَلِ مَنْ يَرَى نَفْسَهُ مُقَصِّرًا، فَإِذَا أُطْلِقَتِ الْأَلْسِنَةُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ) رِفْعَةَ الْمَقَامِ; (وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِلَّذِي مَدَحَ عِنْدَهُ رَجُلًا: وَيْحَكَ (قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، لَوْ سَمِعَهَا) ، أَيْ: لَوْ بَلَغَتْهُ وَقَبِلَهَا، (مَا أَفْلَحَ) ؛ لِحُدُوثِ الْمُهْلِكِ . (وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا مَدَحْتَ أَخَاكَ فِي وَجْهِهِ، فَكَأَنَّمَا أَمْرَرْتَ عَلَى حَلْقِهِ مُوسَى رُمَيْضًا ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ الْحَدِيدُ الْمَاضِي، قَالَ الْعِرَاقِيُّ : رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ مُرْسَلًا، (وَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَيْضًا لِمَنْ مَدَحَ رَجُلًا: عَقَرْتَ الرَّجُلَ، عَقَرَكَ اللَّهُ ) ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ : لَمْ أَجِدْ لَهُ أَصْلًا فِي الْمَرْفُوعِ، لَكِنْ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ قَوْلِهِ، أَخْرَجَهُ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، قُلْتُ: رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ ، فَأَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ ذَلِكَ ، (وَقَالَ مُطَرِّفُ) بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ الْعَامِرِيُّ الْخَرْشِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، الثِّقَةُ، الْبَصْرِيُّ، الْعَابِدُ: (مَا سَمِعْتُ ثَنَاءً أَوْ مِدْحَةً إِلَّا تَصَاغَرَتْ إِلَيَّ نَفْسِي) أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ. (وَقَالَ زِيَادُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ) أَبُو عُمَرَ الْغَرَّاءُ الْبَصْرِيُّ الصَّفَّارُ، صَدُوقٌ: (لَيْسَ أَحَدٌ يَسْمَعُ ثَنَاءً عَلَيْهِ أَوْ مِدْحَةً إِلَّا تَرَاءَى لَهُ شَيْطَانٌ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ يُرَاجِعُ) أَيْ: يَتَذَكَّرُ فَيَرْجِعُ. أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الزُّهْدِ . (قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الْقَوْلَيْنِ-: (لَقَدْ صَدَقَا كِلَاهُمَا، أَمَّا مَا ذَكَرَ زِيَادٌ ، فَذَلِكَ قَلْبُ الْعَوَامِّ) قَبْلَ أَنْ يَكْمُلَ نُورُ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِهِمْ، (وَأَمَّا مَا ذَكَرَ مُطَرِّفٌ فَذَلِكَ قَلْبُ الْخَوَاصِّ) ، فَإِنَّهُمْ لَا يَزْدَادُونَ بِالْمَدْحِ إِلَّا تَوَاضُعًا وَقُرْبًا، وَلَا سَبِيلَ لِلْعُجْبِ إِلَيْهِمْ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ : إِذَا مُدِحَ الْمُؤْمِنُ فِي وَجْهِهِ رَبَا الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ . (وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ مَشَى رَجُلٌ إِلَى رَجُلٍ بِسِكِّينٍ مُرْهَفٍ) ، أَيْ: حَدِيدٍ، (كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ فِي وَجْهِهِ) ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ : لَمْ أَجِدْ لَهُ أَصْلًا، (وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْمَدْحُ هُوَ الذَّبْحُ) ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ أَبِي الْمُزَاحِمِ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَظُنُّهُ عَنْ أَسْلَمَ ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: الْمَدْحُ ذَبْحٌ . (وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَذْبُوحَ هُوَ الَّذِي يَفْتُرُ) أَيْ: يَكْسَلُ (عَنِ الْعَمَلِ) ، فَلَا يَتَحَرَّكُ، (وَالْمَدْحُ يُوجِبُ الْفُتُورَ، أَوْ لِأَنَّ الْمَدْحَ يُورِثُ الْكِبْرَ وَالْعُجْبَ، وَهُوَ) أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُهْلِكٌ، (كَالذَّبْحِ؛ فَلِذَلِكَ شَبَّهَهُ بِهِ) بِجَامِعِ الْهَلَاكِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا فِي الْمَرْفُوعِ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ مُرْسَلًا، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَبْحُ الرَّجُلِ أَنْ تُزَكِّيَهُ فِي وَجْهِهِ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْتِ، (فَإِنْ سَلِمَ الْمَدْحُ مِنْ هَذِهِ الْآفَاتِ فِي حَقِّ الْمَادِحِ وَالْمَمْدُوحِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ، وَلِذَلِكَ أَثْنَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّحَابَةِ حَتَّى قَالَ: لَوْ وُزِنَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرٍ بِإِيمَانِ الْعَالَمِينَ لَرَجَحَ ) رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَالدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ. (وَقَالَ لِعُمَرَ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (لَوْ لَمْ أُبْعَثْ لَبُعِثْتَ يَا عُمَرُ ) قَالَ الْعِرَاقِيُّ : رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ مُنْكَرٌ، وَالْمَعْرُوفُ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِلَفْظِ: "لَوْ لَمْ أُبْعَثْ فِيكُمْ لَبُعِثَ عُمَرُ فِيكُمْ" . رَوَاهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ، فِي أَحَدِهِمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدٍ الْحَرَّانِيُّ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَفِي الْآخَرِ رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ ، وَقَالَ: قَلَبَ رِشْدِينُ مَتْنَهُ، وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ بِلَالٍ ، وَفِيهِ زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْوَقَّادُ ، وَهُوَ كَذَّابٌ، (وَأَيُّ ثَنَاءٍ يَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَكِنَّهُ عَنْ صِدْقٍ وَبَصِيرَةٍ، وَكَانُوا أَجَلَّ رُتْبَةً مِنْ أَنْ يُورِثَهُمْ ذَلِكَ) الثَّنَاءُ (كِبْرًا أَوْ عُجْبًا أَوْ فُتُورًا) قَدْ نَزَّهَهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، (بَلْ مَدْحُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ قَبِيحٌ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْكِبْرِ وَالتَّفَاخُرِ) ، وَهُوَ مَظِنَّةُ الْهَلَاكِ، (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ ) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ : أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . قَالَهُ الْعِرَاقِيُّ . (أَيْ: لَسْتُ أَقُولُ هَذَا تَفَاخُرًا كَمَا يَقْصِدُهُ النَّاسُ بِالثَّنَاءِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ افْتِخَارَهُ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا (كَانَ بِاللَّهِ، وَبِقُرْبِهِ مِنَ اللَّهِ، لَا بِكَوْنِهِ مُقَدَّمًا عَلَى وَلَدِ آدَمَ ، كَمَا أَنَّ الْمَقْبُولَ عِنْدَ الْمَلِكِ قَبُولًا عَظِيمًا إِنَّمَا يَفْتَخِرُ بِقَبُولِهِ إِيَّاهُ، وَبِهِ يَفْرَحُ، لَا يَتَقَدَّمُهُ عَلَى بَعْضِ رَعَايَاهُ) ، فَإِنَّهُ يَرَى ذَلِكَ كَلَا شَيْءَ عِنْدَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَقَامِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ (وَبِتَفْصِيلِ هَذِهِ الْآفَاتِ تَقْدِرُ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَدْحِ وَبَيْنَ الْحَثِّ عَلَيْهِ، إِذْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَجَبَتْ"، لَمَّا أَثْنَوْا عَلَى بَعْضِ الْمَوْتَى) ، قَالَ أَنَسٌ : "مَرُّوا بِجِنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَجَبَتْ. وَمَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ. فَقَالُوا: كَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ". قَالَهَا ثَلَاثًا ، رَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ ، (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ( إِنَّ لِبَنِي آدَمَ جُلَسَاءَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَإِذَا ذَكَرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ بِخَيْرٍ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: وَلَكَ بِمِثْلِهِ. وَإِذَا ذَكَرَهُ بِسُوءٍ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا ابْنَ آدَمَ الْمَسْتُورَ عَوْرَاتُهُ، أَرْبِعْ عَلَى نَفْسِكَ، وَاحَمْدِ اللَّهَ إِذْ سَتَرَ عَوْرَتَكَ ) رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيِّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ التَّمِيمِيُّ ، وَهَذَا لَفْظُ مُحَمَّدٍ ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ.. فَذَكَرَهُ، (فَهَذِهِ آفَاتُ الْمَدْحِ ) فَتَأَمَّلْهَا وَاعْتَبِرْ بِهَا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية