الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
هَذَا جُمْلَةُ كَلَامِهِ، فَهَذَا الْكَلَامُ قَدْ ذَكَرَ فِيهِ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ، وَقَوْلَهُ وَقَوْلَ أَمْثَالِهِ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، وَذَكَرَ حُجَّةَ الْمُعْتَزِلَةِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ دَلِيلُ الْأَعْرَاضِ الْمَبْنِيُّ عَلَى إِبْطَالِ حَوَادِثَ لَا تَتَنَاهَى، وَذَكَرَ حُجَّتَهُ فِي أَنَّ تَخْصِيصَ حَالٍ دُونَ حَالٍ بِالْفِعْلِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُخَصِّصٍ، فَإِذَا كَانَتِ الْأَحْوَالُ مُتَسَاوِيَةً لَزِمَ انْتِفَاءُ الْمُخَصَّصِ، فَيَنْتَفِي التَّخْصِيصُ، فَيَنْتَفِي مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْحُدُوثِ. وَهَذِهِ الْحُجَّةُ مَادَّتُهَا مِنْ كَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ الصَّحِيحِ، حَيْثُ أَخَذَ عَنْهُمْ أَنَّ التَّخْصِيصَ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُخَصِّصٍ. وَهُمْ بَنَوْا عَلَى ذَلِكَ إِثْبَاتَ الصَّانِعِ، وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ بَنَى إِثْبَاتَ وَاجِبِ الْوُجُودِ، لَكِنْ نَقَلَ ذَلِكَ إِلَى الْمُمْكِنِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وُجُودٌ، فَتَخْصِيصُهُ بِالْوُجُودِ دُونَ الْعَدَمِ، وَبِالْعَدَمِ دُونَ الْوُجُودِ، كَتَخْصِيصِ الْحُدُوثِ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ. وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَادَّتُهُ مِنْ كَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ جَمِيعًا، وَأَنَّ الصَّوَابَ الَّذِي فِيهِ - وَهُوَ امْتِنَاعُ تَخْصِيصِ الْمُحْدَثِ أَوِ الْمُمْكِنِ بِلَا مُخَصِّصٍ - هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِي وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ، وَالْخَطَأُ الَّذِي فِيهِ بَعْضُهُ مِنْهُمْ وَأَكْثَرُهُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَلْزَمَ الْمُعْتَزِلَةَ بِطَرْدِ هَذَا الْأَصْلِ، فَلَمَّا لَمْ يَطْرُدُوهُ نَقْضَ قَوْلَهُمْ. وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ لَهُ: بُطْلَانُ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ قَوْلِكَ، إِلَّا لَوْ لَمْ يُمْكِنْ قَوْلٌ إِلَّا قَوْلُكَ وَقَوْلُهُمْ. فَكَيْفَ وَأَقَاوِيلُ أَئِمَّةِ الْفَلَاسِفَةِ لَيْسَتْ مِنَ الْقَوْلَيْنِ؟ وَكَذَلِكَ الْأَقْوَالُ الَّتِي عَلَيْهَا أَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ لَيْسَتْ مِنَ الْقَوْلَيْنِ؟. وَالْأَقْوَالُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ: التَّوْرَاةُ وَالْقُرْآنُ اللَّذَيْنِ لَمْ يَأْتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى كِتَابٌ أَهْدَى مِنْهُمَا لَيْسَتْ وَاحِدًا مِنَ الْقَوْلَيْنِ، فَإِذَا قُدِّرَ بُطْلَانُ قَوْلٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَلْزَمْ صِحَّةُ قَوْلِكَ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ مَا أَفْسَدْتَ بِهِ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ يُبْطِلُ أَيْضًا قَوْلَكَ؟ فَقَوْلُكَ أَفْسَدُ مِنْ قَوْلِهِمْ إِنْ كَانَ قَوْلُهُمْ فَاسِدًا، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ صَحِيحًا، فَهُوَ فَاسِدٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ. وَذَلِكَ أَنَّ عُمْدَتَكَ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يُخْتَصَّ وَقْتٌ دُونَ وَقْتٍ بِالْحُدُوثِ بِلَا سَبَبٍ مُخَصِّصٍ حَادِثٍ. فَيُقَالُ لَكَ: وَأَنْتَ تَقُولُ: إِنَّ الْحَوَادِثَ كُلَّهَا تَحْدُثُ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ. وَعَلَى قَوْلِكَ فَكُلُّ حَادِثٍ حَادِثٌ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ اخْتُصَّ بِالْحُدُوثِ بِلَا سَبَبٍ مُخَصِّصٍ حَادِثٍ، فَأَلْزَمَهُمُ اخْتِصَاصَ وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ بِالْحُدُوثِ دُونَ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ بِلَا مُخَصِّصٍ. وَأَنْتَ يَلْزَمُكَ اخْتِصَاصُ كُلِّ وَقْتٍ بِمَا يَحْدُثُ فِيهِ مِنَ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ مُخَصِّصٍ، وَاخْتِصَاصُ كُلِّ حَادِثٍ بِصِفَتِهِ وَقَدْرِهِ بِلَا سَبَبٍ مُخَصِّصٍ، وَاخْتِصَاصُ كُلِّ حَادِثٍ بِوَقْتِهِ بِلَا سَبَبٍ مُخَصِّصٍ، وَحُدُوثُ جَمِيعِ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ مُقْتَضٍ لِلْحَوَادِثِ، فَهُمْ إِنْ كَانَ مَا الْتَزَمُوهُ بَاطِلًا فَقَدِ الْتَزَمْتَ أَضْعَافَهُ، فَيَكُونُ قَوْلُكَ أَفْسَدَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَاطِلًا بَطَلَتْ حُجَّتُكَ عَلَى إِبْطَالِ قَوْلِهِمْ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ إِبْطَالَكَ لِقَوْلِهِمْ، مَعَ اعْتِقَادِكَ لِمَا تَعْتَقِدُهُ، بَاطِلٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَعُلِمَ أَنَّ الْأُصُولَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي وَافَقْتَهُمْ عَلَيْهَا، هِيَ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِكَ أَدَلُّ مِنْهَا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِهِمْ، وَالْأُصُولُ الْفَاسِدَةُ الَّتِي وَافَقُوكَ عَلَيْهَا، إِذَا كَانُوا قَدْ تَنَاقَضُوا فِيهِ وَلَمْ يَطْرُدُوهَا، فَأَنْتَ أَعْظَمُ تَنَاقُضًا فِي عَدَمِ طَرْدِكَ لِأُصُولِكَ مُطْلَقًا: صَحِيحِهَا وَفَاسِدِهَا.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية